عندما تنبئنا الصحافة بأن مؤسسة خدمية كبرى تعنى بشؤون المواطنين المحلية ستحول قريبا كل معاملاتها الى النظام الالكتروني وكأنها أولوية قصوى تساورني الشكوك ويغمرني الترقب والقلق.

كغيري من المواطنين المعنيين مباشرة بخدمات هذه المؤسسة المهمة الكبرى ودوائرها المتخصصة أرى سلم الاولويات المعلن من زاوية عامودية مختلفة، وهي أولويات ابسط بكثير من النهج الالكتروني المقترح بالنسبة لغالبية المواطنين الذين ينوبون عن أهاليهم وأسرهم بمتابعة وضبط علاقاتهم الخدمية مع هذه المؤسسة.

لنأخذ مثلا استخراج وثيقة ما من دائرة الاحوال المدنية ونتساءل لماذا لا يزال معظم الناس ، شيبا وشبانا ، متعلمين وغير متعلمين ، يلجأون لكاتب الاستدعاءات الصامد خلف مكتبه المتنقل ، صيف شتاء ، عند مدخل الدائرة مع ان نماذج طلبات الوثائق وتعبئتها في غاية البساطة واليسر؟

على أرض الواقع هناك ملفات ومشاكل كثيرة عالقة تستمطر الحل والمبادرة ليس أولها ظاهرة بل أزمات السير المزمنة ولا أخرها مواقف السيارات في عمان ، سواء المجانية أو مدفوعة الاجر في بعض المواقع التي يرتادها الناس لاسباب مختلفة كالتبضع والترويح وانجاز المعاملات. فالمواقف المجانية معدودة والموجود منها يتحول في جنح الظلام الى اماكن يتم فيها الغاء كل القيود والاعراف والتقاليد لسبب بسيط وهو عدم خضوعها للمتابعة والرقابة والتنظيم وغياب الانارة حتى بزوغ النهار.

في وسط البلد أيضا حيث يحب الناس والزوار ان يقضوا امسياتهم خاصة في موسم الصيف لا تتوفر مرافق صحية كافية أو مواقف للسيارات ، وان وجد بعضها فهو غير مخدوم بالطريقة الصحيحة. فعندما تنظم فعاليات فنية ثقافية ترويحية في منطقة المدرج الروماني ويدعى المواطنون والزوار للمشاركة فيها ، تكتشف عدم توفر الخدمات الاساسية المرافقة الضرورية لانجاح تلك الفعاليات. فهل يجدر بالجهات المنظمة الطلب من الجمهور عدم تناول المرطبات والسوائل في تلك الامسية لكي لا يضطروا لاحقا للبحث وبشكل ملّح عن الخدمات المرافقة ؟

الانتخابات البلدية المقبلة قد توفر فرصة لن تعوض الا بعد سنوات لانتخاب من يفكر ويستطيع ويلتزم بتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين الملتزمين بدورهم بواجباتهم المالية نحو مدينتهم وبلديتها، وليس انتخاب من يسعى للوصول الى مقعد يتوهم انه سيحقق بعض طموحاته المتعثرة على مدى السنوات السابقة من عمله وخدمته!

بدوري كمواطن لن انتخب الا من يعدني بانارة كل شارع وموقف سيارات مجاني معتم، وتوفير مرافق صحية مخدومة على مدار الساعة في المدينة، وزرع كل رصيف بسلال المهملات المصنعة محليا وليس المستوردة من أقاصي الدنيا.

وسأظل قانعا وراضيا كغيري من المواطنين شبه «الاميين» في استخدام الوسائل الالكترونية المعقدة على متابعة معاملاتنا المعلقة مع هذه المؤسسة الكبرى العريقة بالطريقة والاسلوب اللذين ورثناهما عن أبائنا وأجدادنا! ففي هذا الاسلوب التقليدي المباشر ستبقى على الاقل الفرصة متاحة للتفاعل الانساني وتبادل التحية مع الموظفين المناوبين والسؤال عن أحوال الأهل والاطمئنان على رضاهم وصحتهم!

للتأكد من صحة هذه الادعاءات ما علينا، هواة ومحترفو الانترنت الا ان نكتب عنوان هذه المؤسسة على شاشاتنا الالكترونية ونبحث عن اية معلومة محدثة أو اجراء اي حوار تفاعلي حول اي موضوع يربطنا بها ونقّيم بعدها بأنفسنا جودة وفعالية هذه الخدمة !

التطور الحقيقي الناجح في أي مؤسسة مهما كبرت تشبه تعلم الطفل الوقوف التدريجي على قدميه الغضتين. اما القفزات الاستعراضية فهي تحدث في السينما والمسرح والخيال العلمي!

فالأولويات ليست مجرد قائمة متسلسلة مرقمة من التسميات والشعارات الدعائية ، بل هي خطوات ومهام قيد التنفيذ ضمن برنامج زمني محدد وخاضع للمساءلة.