حاوره: جعفر العقيلي

يحلّ الروائي والقاص الكويتي ضيفاً على الأردن، للمشاركة في فعالية ينظمها مختبر السرديات الأردني ضمن برنامج «سيرة مبدع» يوم الخميس 13 تموز 2017، يقدم فيها الروائي إلياس فركوح شهادة حول تجربة الرفاعي الإبداعية، فيما يتناول الناقد د.فيصل درّاج هذه التجربة نقدياً.

ولمناسبة هذا النشاط الذي يدشّن برنامج «سيرة مبدع»، أُجري هذا الحوار الذي يطلّ على بدايات الرفاعي في الكتابة، وفهمه للّغة، ومضامين أعماله السردية، والعلاقة بين تخصصه الأكاديمي في الهندسة وبين الإبداع، وتجربته في تدريس مادة الكتابة الإبداعية في الجامعة الأميركية بالكويت، وتأسيسه رفقةَ عدد من المبدعين لـ «الملتقى الثقافي»، ثم إطلاق جائزة الملتقى المكرَّسة لفن القصة القصيرة، والتي سيُعلَن عن الفائزين بدورتها الثانية قبل نهاية العام الجاري.

يُذكَر أن الرفاعي وُلد عام 1958، وهو يحمل شهادة البكالوريوس في الهندسة من جامعة الكويت (1982)، والماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة كنغستون لندن. يعمل مديراً اإدارة الثقافة والفنون في المجلس الوطني الأعلى للثقافة والفنون والآداب في الكويت. أسس جريدة «الفنون» الشهرية عام 2001، وعمل مديراً لتحريرها حتى عام 2008. صدر له في القصة: «أبو عجاج طال عمرك» (1992)، «أغمض روحي عليك» (1995)، «مرآة الغبش» (1997)، «حكايا رملية» (1999)، «شمس» (2005) «سرقات صغيرة» (2009)، «الكرسي» (2012). وصدر له في الرواية: «ظل الشمس» (1998)، «رائحة البحر» (2002) التي فازت بجائزة الدولة بالكويت، «الثوب» (2009) ، «في الهُنا» (2014) التي فازت بجائزة الدولة أيضاً، و «النجدي» (2017).

تالياً نص الحوار:

لماذا اخترتَ الكتابة؟! ما الجدوى منها، وما الذي تريد أن تقوله عبرها؟

- أكتب لأن الكتابة هي النافذة الكبيرة المُشرعة أمامي. أكتب لأنني تعودت أن أرى في الكتابة فسحة تمكّنني من الهروب إلى الحرية والحلم والأمل.. أكتب لكي أستطيع أن أبقى متوازناً في معيشتي اليومية، ولأن الكتابة تقدّم لي السلوى والعزاء والأمان في لحظة إنسانية عاصفة يخيّم عليها القتل والدمار واللاعدالة.. أكتب، لأن الكتابة أصبحت هاجساً يستبيحني ويطاردني ليلَ نهار، وفي أحايين كثيرة يفسد عليّ أيّ متعة أعيشها.. أكتب لأن هناك في داخلي الكثير الذي يدفعني لأن أصرخ، موقناً أن الكتابة هي الصرخة الأبقى، والأعلى، وهي الصرخة الماكرة التي تستطيع أن تحمل أكثر من نبرة، وأكثر من كلمة في الصوت نفسه.

تمتدّ اهتماماتك لتشمل أكثر من مجال، فمن القصة القصيرة إلى الرواية، مروراً بالمسرح، فضلاً عن البحوث والدراسات. أليس من اشتباك تحسّه وأنت تبدع كلّ ذلك، وربما بالتزامن؟

- لكل جنس أدبي خصائصه وأسراره وطرق التعامل معه. أنا أجد متعة في كتابة القصة، وهي بالضرورة متعة مختلفة عن تلك التي أجدها في كتابة الرواية، ومن المؤكد أن هاتين المتعتين لا تشبهان متعة كتابة المسرحية أو إعداد البحث مثلاً.

ولكنني في كل هذه الكتابة أبقى واحداً، ويبقى فهمي للعالم مستنداً إلى ثوابت أؤمن بها، وتبقى رؤاي ومقولاتي الأساسية متشابهة، والفرق الوحيد بينها أنها تلبس ألبسةً مختلفة، بما يتناسب وطبيعة الجنس الأدبي.

لا أجد فرقاً كبيراً في التعامل مع الأجناس الأدبية باستثناء ضرورة الاتكاء على أصول وشروط الكتابة الفنية في الجنس الأدبي الواحد، بمعنى أنني بدأت كتابة القصة القصيرة مع منتصف السبعينات، وقد انفتح أمامي وقتها عالم من الألوان والأماني والمغامرات والأحلام، وسحرني هذا العالم وأنا أتجوّل في أعمال تشيخوف ويوسف إدريس وموباسان وزكريا تامر وغيرهم. عشقت فن القصة، وأصبحت لدي رغبة جارفة بكتابة قصة قصيرة، ولو من صفحة واحدة.

استمرّت رحلتي مع القصة إلى أن صدرت مجموعتي الأولى «أبو عجاج طال عمرك» عام 1992، وكما ترى فإن هناك سبعة عشر عاماً تفصل بين بداية تعاملي بفن القصة وتعلّقي به، وبين طباعة مجموعتي تلك. ولربما كانت هذه المدة ضرورية كي أتعرّف على فن القصة بتنوّع مدارسه وتميّز أساتذته، وكي أستطيع الوصول إلى مغاليق أسراره، وأدخل غرفه المضيئة والمظلمة، وأمشي دهاليزه العالية والواطئة، حتى أصبحت القصة جزءاً من عالمي وحياتي، كما هم أهلي وأصدقائي.

وما الذي دفعك إلى خوض غمار الرواية؟ ألم تكن القصة كافية للتعبير عن مكنوناتك وما تهجس به؟

- الانتقال إلى الرواية حدث في منتصف الثمانينات، حينما شعرت أن هناك ما أريد أن أقوله، لكن ثوب القصة القصيرة لا يتسع له، فانتهيت من كتابة روايتي الأولى في عام 1988، ولم أنشرها حتى اللحظة.

بعدها كتبت روايتين، إحداهما ما تزال حبيسة مكتبي، بينما تقدّمتُ للقارئ العربي بأول عمل روائي لي «ظل الشمس»، الذي نُشر في القاهرة عام 1998. وأعيد نشره عام 2012، وتمت ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وأعتقد أن السنوات العشر الفاصلة بين كتابة الرواية الأولى ونشرها، كانت لازمة وضرورية لكي أعيش عالم كتابة الرواية، بخاصة أن قراءاتي الأولى كانت في هذا الفن.

الرواية عالم ساحر، وبالإمكان وصفه بالنوع السهل الممتنع، لأنك في أحايين كثيرة تقرأ عملاً روائياً فتشعر أنك تعرف عوالمه جيّداً، أو أنها تخصّك، رغم أنها في واقع الأمر بعيدة عنك، وربما مُتَخيَّلة. وهذا مثلاً، ما يجعل لصاحب نوبل الروائي الكولومبي غارسيا ماركيز حضوراً عالمياً وعربياً، وكذلك الحال بالنسبة للبرازيلي باولو كويلو صاحب «الخيميائي». فهناك من الأعمال الروائية ما يشعر الإنسان أثناء قراءتها أنه يتعرف من خلالها على مجاهيل روحه، وهذا ما تحقق لي وأنا أقرأ أعمال ديستوفسكي التي لا أمَلّ من الرجوع إليها بين حين وآخر.

تجربتي الروائية الأولى «ظل الشمس» حملت همّي الشخصي وحبي لبلدي، ورغبتي في أن أراه قادراً على احتضان الأوجاع والانكسارات الإنسانية. كما إن روايتي «رائحة البحر» تتحدّث عن كويت اليوم.

يبدو أنك لم تكن تخطط لأن تكون روائياً.. كأنّ هذا الأمر لم يقضّ مضجعك!

- هذا صحيح.. فقد بدأت مشواري الأدبي عاشقاً للقصة القصيرة، وحالماً أن أمتلك أدواتي الفنية الضرورية، والتي تمكّنني من كتابة قصة إنسانية النزعة تقف إلى جانب أيّ قصة لكاتب عربي، لكنها في الوقت نفسه تحمل شيئاً مني، ومن بلدي الكويت، ربما حرارة الجو، أو اصفرار الصحراء، أو زرقة البحر، أو سحنة عامل وافد يعمل في درجة حرارة قد تصل في الصيف إلى 85 درجة مئوية تحت الشمس.

وعندما انخرطت في عالم القصة، لم يكن في ذهني كتابة الرواية، لكن بعد مرور ما يربو على العقدين من القراءة والتواصل مع الرواية العربية والعالمية، بدأ هاتف الرواية يطنّ في أذني، وبدأت رغبة كتابة الرواية تسيطر عليّ بشكل أو بآخر، ربما لأن هناك موضوعاً كان يريد أن يتنفّس عبر الرواية، أو لأن الرواية تعطي فسحة مختلفة عن تلك التي تقدّمها القصة، أو لانغماسي في قراءات روائية لا تنتهي، أو لأنني أحببت أن أكون روائياً في تلك اللحظة. والآن، بعد هذا كله، أصبح لدي ست روايات منشورة، وما يزيد على هذا العدد غير منشور.

لم أكن أخطط منذ البداية لأن أكون روائياً. كنت أسعى لأن أكون كاتباً قصصياً فقط، وأنا أعلم تماماً أن كتابة القصة القصيرة مشقّة ما بعدها مشقة، وأن فن القصة في نظر القسم الأكبر من النقاد يُعَدّ من أصعب الأجناس الأدبية، لذلك فإن قلة قليلة جداً من الكتّاب هم الذين استطاعوا أن يقدّموا قصة قصيرة عربية ناجحة ومؤثرة وباقية، أذكر منهم على سبيل المثال: يوسف إدريس، زكريا تامر، محمد خضيّر، غسان كنفاني، وإبراهيم صموئيل.

غالباً ما تتخذ كتاباتك القصصية والروائية من القضايا الإنسانية، كمعاناة العمالة الوافدة واضطهاد المرأة والطفولة، مادةً أساسية، كما إنك تدوّن أجزاء من سيرتك الذاتية الحقيقية في أعمالك، لكن روايتك الأخيرة «النجدي» جاءت بعيدة عن هذا التوجّه، فما السبب وراء ذلك؟

- كلّ كاتب ينهل من بئر تجربته الحياتية والفكرية، وبقدر ما يكون هذا مكوِّناً إيجابياً خاصاً في تجربة أيّ كاتب، يكون منزلقاً خطراً يجب الانتباه إليه. فلا يصحّ أن يبقى الكاتب ينتح من البئر عينها، ويدور في الفك الواحد؛ القضايا نفسها والمفردة نفسها والجملة نفسها. لذا يتوجب على الكاتب أن ينظر في مادة جديدة يقدمها لقرائه، وهذا ما كان مع رواية «النجدي». لكن، لا أظنني ابتعدت عن الهمّ الإنساني الذي أعمل عليه. فـ«النجدي» -وكما بقية أعمالي- رواية كويتية، بمعنى أن بيئة الكتابة الزمانية والمكانية تدور في الكويت. كما إن الشخصية الرئيسية في العمل، هي شخصية قبطان (نوخذة) يواجه صعوبات الحياة بعزيمة قوية، متخذاً من البحر صديقاً وهاجساً، مؤمناً بأن الإنسان قادر على مصاحبة الطبيعة وفهم عوالمها حتى لو كانت صامتة وقاسية.

الكويت عاشت ردحاً من الزمن تعتمد على البحر مصدراً أساسياً لرزق أبنائها، و«النجدي» رواية بحر. وإذا كان النوخذة المغامرُ علي النجدي هو الشخصية الأساسية، فمن المؤكد أن البحر يقاسمه البطولة. الرواية سيرة ذاتية حقيقية، ترصد آخر اثنتي عشرة ساعة في عمر النجدي، لتكون مرآة بوح تستوعب سبعين سنة من عمر الرجل. حياة النجدي في وجهها الآخر هي حياة المجتمع الكويتي في انتقاله من البساطة قبل اكتشاف وتصدير النفط إلى مجتمع الحداثة بعد ذلك.. روية «النجدي» تقف في مواجهة عاصفةٍ تفاجئ القبطان، لتكشف عن صراع الإنسان مع البحر في لحظةٍ من لحظات جنون البحر وضراوته. وبالرغم من حداثة صدورها، فلقد تُرجمت الرواية للفرنسية والإنجليزية.

نُشرت معظم رواياتك («ظل الشمس»، «سمر كلمات»، «الثوب»، «في الهُنا»)، وفق مدرسة «التخييل الذاتي»، وضمّنتها أجزاء من سيرة حياتك الحقيقية، وقلت في أكثر من مقام إنها «مغامرة»، فلماذا هي كذلك، وما الذي يدفعك لخوضها؟

- كتابة السيرة الذاتية الصريحة وفق مدرسة التخييل الذاتي مغامرة كبيرة، كونها تستوجب كتابة أجزاء من سيرة حياة الكاتب الحقيقية ببيئته وعلاقاته بأقربائه وأصدقائه، وهذا يعني بين أمور كثيرة السير وسط حقل ألغام. فإذا كان الكاتب يمتلك حرية الكتابة عن حياته الخاصة، وكشف مستورها، فمن المؤكد أنه لا يملك الحق بالكتابة عن حياة الآخرين. إضافة إلى أن كتابة السيرة الذاتية الحقيقية، تستوجب صدقاً عالياً مع النفس ومع الواقع، ولهذا الصدق ثمن باهظ وقد يكون قاصماً للظهر، كونه يعرّي حقائق عن حياة الكاتب وعن الآخرين وعن الواقع.

الواقع الإنساني قائم على المخاتلة وقائم على حياة الأقنعة، وليس من مجتمع يسمح بإزاحة الأقنعة. لذا فكتابة السيرة الذاتية كتابة مخيفة ومزعجة ويترتب عليها ضريبة فاضحة، خاصة وأن المجمعات العربية قائمة على مقولة: «إذا اُبتليتم فاستتروا»، والمتطلب الأول لكتابة السيرة هو كشف المستور.

بقي أمر واحد، وهو أنني أرى أن حياة الكاتب جزء مُوْحٍ يشير إلى طبيعة الحياة الاجتماعية في أيّ مجتمع، وبالتالي فإن كتابة السيرة الذاتية الحقيقية هي كتابة عن المجتمع وعن حياة الكاتب في هذا المجتمع، وأظن أن هذا سبب كافٍ يجعلني أكتب أجزاء من سيرتي الذاتية بوصفها حياة كاتب يعيش في الكويت؛ المجتمع الخليجي العربي.

هناك حضور كبير للبحر والأحياء الشعبية في نصوصك. هل هو انحياز لطبقة الكادحين؟ وهل هو مرتبط بموقف أيديولوجي مثلاً؟ ولماذا هذا الحضور الطاغي للمكان في أعمالك الأدبية؟

- علاقتي بالمكان ترجع إلى كون المكان هو الحضن والمهد للأحداث؛ كونه الجدار الذي نكتب عليه تواريخ ولحظات حياتنا، لذا أجده حاضراً حضور أيّ حدثٍ مرَّ بي. وما إن أباشر كتابة لحظات حياتي، حتى أجده يأتي بألوانه وروائحه ودفئه. المكان هو الشاهد الأصدق على أسرار اللحظات التي نعيشها بمرّها وحلوها وأكوام سرقاتها. أرى أن المكان من أهمّ الأعمدة التي تقوم عليها الرواية المعاصرة، وأن الكاتب ينجح في تقديم عمله مكتملاً للقارئ بقدر مهارته في استحضار روح المكان.

البحر والحي الشعبي حاضران في أعمالي، لأنني تربّيت بالقرب من البحر، لعبتُ على رماله وسبحتُ وغصتُ في أمواجه، ورميتُ خيط صيدي في مياهه بانتظار سمكة طيبة تمر به، سامرته وباوحته وسارَرْته وتهيّبته، ودائماً تعلّقه قلبي فأحببته.

عشتُ طفولتي وصباي في حي شعبي اسمه «شرق»، شممت عبق روائحه وتترَّبْتُ بغباره وركضت حافياً بين دروبه، وتسلّقت جدرانه ورميت بنظراتي خلف شبابيكه..

البحر و«شرق» يعشّشان تحت جلدي، وصعبٌ عليَّ أن أنزع جلدي، وكذا معرفتي بطبقة الفقراء والكادحين، هم جزء مني وأنا جزء منهم، ولا ينفصل ذلك عن موقفي الإنساني والأيديولوجي.

ماذا عن اللغة، وكيف ترى دورها في العمل الأدبي؟

- أفهم اللغة على أنها الوسيلة الأهمّ في التواصل بين أبناء الجنس البشري، فالإنسان الأوّل في سعيه المشروع والعظيم لإعطاء معانٍ للأصوات كان يضع اللبنات الأولى للحضارة الإنسانية.

مثلما أثّر اختراع النار في مسار التاريخ البشري، ومثلما أطال اختراعُ العصا من يد الإنسان وأمكنه من الوصول إلى ارتفاعات واتجاهات لا يمكن الوصول إليها من دونها.. كذلك اللغة والحرف، الكلمة والجملة، هي بمثابة فتح كبير للإنسان. وكلما تعقّدت حياة الإنسان وتفرّعت وشملت نواحي جديدة، وُلدت كلمات جديدة تتناسب والوضع المستجدّ.

أفهم اللغة، بالنسبة للكاتب تحديداً، على أنها العالم الرحب والماكر واللذيذ والممتع والمنكشف والمنغلق والصديق والسر. كل هذه مجتمعةً هي اللغة. وبقدر ما يمتلك الكاتب علاقة وطيدة وعميقة باللغة، فإنه يستطيع أن يعبّر عما يجول في خاطره بنجاح.

انطلاقاً من هذا الفهم، نجد في أحيان كثيرة أن هناك فكرة واضحة في ذهن الكاتب، ولكن البحث ينصبّ على كيفية اختيار الكلمات المناسبة للتعبير عنها، لذا، فإن جزءاً أساسياً من متعة الكتابة، وكذلك متعة القراءة، يتأتّى من جمالية اللغة المكتوبة.

واللغة مثلما هي المفتاح الأوّل للدخول إلى قلب أي عمل، بإمكانها أن تكون أيضاً باباً موصداً في وجه القارئ، في حال كانت مفكّكة أو غير مفهومة، أو غير قادرة على توصيل ما يريده الكاتب.

كيف ترى واقع القصة القصيرة العربية وحضورها في المشهد؟

- القصة القصيرة فنّ يتصل بحياة الإنسان، ولقد كان مكوِّناً أساسياً في مسيرة البشرية منذ إنسان الكهوف حيث القصة/ الحكاية وسيلة لمساندة الإنسان ومواجهة الواقع، مروراً بكون القصة/ الحكاية مادة توثيقية دالّة لحياة الشعوب.

مَن يرصد الإبداع العالمي يرى عودة واضحة لفن القصة القصيرة، وارتفاعُ عدد المشاركات في جائزة الملتقى، من 190 مجموعة في الدورة الأولى، إلى 240 مجموعة في الدورة الحالية، يوضح مدى علاقة الكاتب العربي بفن القصة القصيرة، لذا فأنا متفائل بعودة القصة القصيرة إلى طاولة القراءة وإلى اهتمام الجوائز العربية بها، خاصة وأن فن القصة قادر على الانفتاح على أشكال كتابية جديدة تمس حياة الإنسان.

هل تعتقد أن الحدود بين الأجناس الأدبية باقية، أم ننتظر اليوم الذي تنصهر فيه هذه الأجناس في بوتقة واحدة هي الكتابة؟

- أنا أميل لرؤية لون الشجر أخضر يانعاً، ولون البحر أزرق، ولون الشمس أصفر ذهبياً، وبالتالي أنا أقرب إلى أن أرى رواية تلتمّ على فنية الرواية وسحرها، وقصة قصيرة تحمل في داخلها مقومات جنس القصة القصيرة، وقصيدة تحمل عالمها الشعري في أبياتها.

وعليه، أطالب بوجود الحدود الفنية الضرورية بين الأجناس الأدبية، إذ يحدث أحياناً أن يقع في يدي كتاب، وأثناء قراءته أتوقف لأتساءل: أين يمكن أن أضعه؛ بين الروايات أو القصص أو القصائد ؟

أحب قراءة القصة القصيرة كقصة قصيرة، والرواية كرواية، والقصيدة كقصيدة. ولكن إذا ما استطاع كاتب مبدع أن يستخدم فنية كتابة القصة وشعرية القصيدة وشاعريتها في كتابة رواية جميلة، فهذا أمر رائع. وبشكل عام، كثير من التخبط والافتراء يتم باسم «النصّ المفتوح»، ومن دون أن يكون لما يُنتَج طعمٌ ولونٌ خاصّان به. أنا ضد القيد والسجن، وأقف إلى جانب نصّ مبدع منفتح على أكثر من تأويل، مع ملاحظة أن النقطة توضع فوق النون، وعندما نغيّر مكان النقطة، ونضعها تحتها، تتحول النون ربما إلى باء.

أسست وتدير «الملتقى الثقافي» كأحد الصالونات الثقافية في الكويت، فما الذي تطمح إليه من وراء ذلك؟

- لقد أسست الملتقى الثقافي سنة 2011 بمشاركة أصدقاء كثر أعتز بهم، ومن بينهم ليلى العثمان، وإسماعيل فهد إسماعيل، ومحمد جواد، وهدى الشوا، وسليمان البسام، ووليد العوضي، وعلي العنزي، ونجمة إدريس، ويوسف خليفة، وعواطف العلوي، وخالد النصرالله، وباسمة العنزي، ومنى الشمري.

ومنذ ذلك التاريخ والملتقى يقدم برنامجاً سنوياً لأمسيات ثقافية وفنية يشارك فيها ضيوف من داخل الكويت وخارجها. والملتقى هو صالون أدبي بعيد عن أيّ توجه سياسي أو حزبي، يعقد جلساته في بداية كل شهر في بيتي دون عن أيّ رسمية. جلسة أصدقاء يلتمّون حول مائدة الإبداع والثقافة ويتحاورون في قضية إبداعية أو ثقافية وبحضور الإعلام لنقل ما يدور في جلسة الملتقى للقارئ حيثما كان.

ويقوم الملتقى سنوياً بتكريم شخصية ثقافية مرموقة، وبغية توثيق أعمال كل موسم يقوم الملتقى بطباعة كتيب سنوي عن المحاضرات التي أقيمت. وهو في جميع الأنشطة التي يقدمها، يحاول أن يقدّم إضافة إلى جانب أنشطة المؤسسة الرسمية (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب)، والمؤسسة الأهلية (رابطة الأدباء الكويتيين)، وعدد آخر من الملتقيات التي تعمل بجهد وإخلاص لرفد المشهد الثقافي الكويتي بكل جديد ومبدع.

تعمل أستاذاً زائراً لمادة «الكتابة الإبداعية» في الجامعة الأميركية منذ عام 2013، فما الذي أخذ الكاتبَ، والمهندسَ المدني، ومدير إدارة الثقافة والفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ليعمل مدرِّساً في الجامعة؟

- الحكاية بدأت يوم شاركت في «برنامج الكتابة الإبداعية العالمي» (International Writing Program) في جامعة أيوا الأميركية عام 2012، وذلك بالتعاون مع عشرين كاتباً من دول العالم المختلفة، لتقديم ورشة كتابة إبداعية عالمية. بعدها وحين عدتُ إلى الكويت، وعلى أثر اتصال من الجامعة الأميركية فيها، وافقتُ على تدريس مادة الكتابة الإبداعية وفق المعايير الغربية، وفي العام نفسه تقدمت لإكمال دراساتي العليا في جامعة كنغستون الإنجليزية (Kingston University London)، وحصلت على شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية (MFA in Creative Writing) لأبدأ مشواراً جديداً مدرّساً لمادة الكتابة الإبداعية وفق المعايير الغربية لورشة الكتابة الإبداعية، وهذا ما يجعلني على تواصل شبه يومي بالكتابة الإبداعية والشباب، وليس أجمل من هذا!

أسست «جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية» في عام 2015. ما الجديد الذي تضيفه هذه الجائزة لمشهد الجوائز العربية، وما الفارق الذي تراه بين دورتيها الأولى والثانية؟

- انطلقت هذه الجائزة بالشراكة بين مؤسسة أكاديمية معروفة (الجامعة الأميركية في الكويت) وبين الملتقى الثقافي. وهي خلافاً لعدد كبير من الجوائز العربية، جاءت لتحتفي بفن القصة القصيرة العربية وبكاتبها. وقد حظيت الجائزة بدعم ورعاية من وزير شؤون الديوان الأميري، الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، وبما يعني بين أمور أخرى ضمان استمرارها. ولا يغيب عن البال ما تعرّض له فن القصة في العقود الثلاثة الأخيرة من تهميش كبير، بسببٍ من اجتياح جنس الرواية وطغيانه على ما سواه.

الفائز بهذه الجائزة يحصل على مبلغ 20 ألف دولار أميركي، كما تترجَم مجموعته الفائزة إلى اللغة الإنجليزية. ولكيلا يكون احتفاء الجائزة بكاتب واحد، فإنها تقدم لكل كاتب من كتّاب القائمة القصيرة الخمسة مبلغ 5 آلاف دولار، إلى جانب تنظيم تظاهرة كبيرة في حرم الجامعة الأميركية لا تقتصر على حفل توزيع الجوائز، بل تشمل برنامجاً ثقافياً عربياً يدور حول قضايا القصة القصيرة، وبحضور كوكبة من كتّاب القصة القصيرة ونقّادها من أقطار الوطن العربي والعالم.

وقد مثّل فوز الفلسطيني مازن معروف بجائزة الملتقى عن مجموعته «نكات للمسلحين»، تتويجاً لأعمال الدورة الأولى. على أن جديد الدورة الثانية هو اشتراك 240 كاتب قصة من الوطن العربي، بمجاميع قصصية جديدة، إضافة إلى أن إدارة الجائزة تواصلت مع كتّاب وباحثين لإنجاز مرجع «القصة القصيرة العربية.. النشأة والحضور»، والذي سيُنشر مع احتفالية الدورة الثانية. إضافة إلى إقامة برنامج ثقافي خلال فترة الاحتفالية وذلك في الأسبوع الأول من شهر كانون الأول 2017.

تتداول الساحة الإبداعية والثقافية العربية الكثيرَ من الهمز واللمز عن لجان التحكيم ودهاليز اختيارها، فكيف تم اختيار لجنة التحكيم لجائزة الملتقى؟

- بالنسبة لاختيار لجنة التحكيم، تقوم إدارة الجائزة بتقديم مجموعة من الأسماء المشهود لها بالإبداع والنقد والنزاهة في ساحة القصة القصيرة العربية، ويتم عرض هذه الأسماء على مجلس الأمناء، والمجلس الاستشاري العربي العالمي للجائزة، وبناء على نقاشاتهم ومداولاتهم يتم الاتفاق على لجنة مكونة من خمسة أعضاء، تُسنَد لها مهمة تحكيم الدورة بعيداً عن أيّ تدخّل من أيّ جهة كانت.

أما أعضاء لجنة تحكيم هذا العام فهم: د.حسن النعمي (رئيساً)، د.سعيد بنكراد، خليل صويلح، هدى الشوا، عبده جبير (أعضاء). وكما ترى فإن جميعهم يعملون في حقل الكتابة والنقد، ويتمتعون بالسمعة الطيبة التي تضيف للجائزة مزيداً من المصداقية كجائزة أدبية كويتية عربية رصينة تشقّ طريقها بين جوائز عربية كثيرة.

وهل ستختلف المعايير التي ستُحَكَّم في ضوئها المجموعاتُ المشاركة بهذه الدورة عن معايير الدورة السابقة؟

- لجنة التحكيم وحدها المكلّفة بوضع معاييرها الفنية الخاصة، وبالتالي فإن اللجنة المختارة لكل دورة تضع معاييرها وفقاً لقناعات أعضائها ووفقاً لاتفاقهم. ومن جهتي فأنا لا أعلم أيّ شيء عن المعايير التي وضعتها اللجنة لهذا العام، وكل ما أعلمه أن اللجنة ستعلن عن أسماء القائمة الطويلة (10 كتّاب) في بداية شهر تشرين الأول القادم، وعن أسماء القائمة القصيرة (5 كتّاب) في بداية شهر تشرين الثاني القادم، وأنها ستحضر إلى الكويت، للمشاركة في احتفالية إعلان الفائز مساء يوم الاثنين 4 كانون الأول 2017.