أثارت التصريحات التي أدلى بها مفوض الأُمم المتحدة السامي لحقوق الانسان الأمير زيد بن رعد الحسين والتي انتقد فيها بشدة غير مسبوقة الاجراءات الأمنية التي أتخذتها جمهورية مصر العربية في اعقاب تفجير كنيستي الاسكندرية ودمياط أوائل الشهر الماضي، الاستغراب في أوساط عديدة ليس فقط عربية بل وأردنية وبخاصة ان التفجيرين المذكورين كما كل العمليات الارهابية التي تتعرض لها الشقيقة مصر انما تستهدف بث الفرقة والفتنة في صفوف الشعب المصري وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين على نحو يكشف خسّة ودناءة الارهابيين الذين لا يتورعون عن ارتكاب كل ما لا يخطر على بال رجل مؤمن بأي دين سماوي، وبلا وازع اخلاقي او انساني او قانوني، الأمر الذي يستوجب اتخاذ كل اجراء متاح قانونياً، بهدف اجتثاث وتجفيف منابع الارهاب وقطع دابره تمهيداً لدحره وانقاذ البشرية جمعاء من شروره التي لا تقتصر على مصر والعرب والمسلمين بل تطال كل العالم وتستهدف كل الشعوب والاديان والملل.
من هنا تبدو انتقادات مفوض الأُمم المتحدة لحقوق الانسانية باعثة على الريبة والشكوك في توقيتها وفي استهدافها لمصر وبخاصة انها جاءت في وقت لم ينعقد فيه مجلس حقوق الانسان ولا توجد فيه أي رسالة او اشارة او إحاطة من جانب الأمير زيد عن حالة حقوق الانسان في اي دولة في العالم، ما استدعى غضباً مصرياً يمكن للمرء ان يتفهمه ويجد له سبباً، في ظل الهجمة الارهابية السوداء التي تسعى جهات ارهابية ودول توفر الدعم المالي واللوجستي والسياسي والاعلامي لها والى بث الفوضى وسفك الدماء في ارض الكنانة، والتي تواجهها قوى واجهزة الأمن والجيش المصري بشجاعة وبسالة ويسقط منها الشهداء والمصابون فضلاً عن المدنيين الابرياء الذين يسقطون ضحايا الارهاب الأعمى وعلى يد القلوب السوداء والعقول الظلامية التي تحرك هؤلاء القتلة.
ولا يعقل ابداً بل لا يمكن لأي عاقل ان يتصور وقوف الدولة المصرية حكومة وشعباً وجيشاً واجهزة وقوى أمنية كما السلطات التشريعية والقضائية على الحياد في وجه هذه الهجمة الظلامية التي تريد نشر الخراب والدمار في المحروسة، بل إن واجبها القانوني والاخلاقي والسياسي والديني يفرض عليها ان تبادر وان تضرب بيد من حديد هؤلاء القتلة في اطار من القانون الذي نحسب ان الحكومة المصرية بمسؤولية عالية وحرص شديد على حقوق الانسان حتى في ظل قانون الطوارئ الذي تم فرضه اضطرارياً ولمدة محدودة بعد تفجير الكنسيين الاجرامي وعبر مجلس النواب المنتخب وايضاً في التزام بالمسار القانوني لعمليات التحقيق والاعتقال والسجن وغيرها من الاجراءات التي تمت وفق مذكرات قضائية معلنة.
تقارير وتصريحات والمؤتمرات الصحفية التي تصدرها وتعقدها منظمات دولية لحقوق الانسان واخرى تدعي صفة الحياد والاستقلال والانتماء لمنظمات المجتمع المدني وبخاصة تلك الموجودة في الدول الغربية، لا تلتزم الحياد بل يكاد المرء يلحظ ومنذ عقود طويلة انها تستهدف دولاً وانظمة بعينها وبخاصة في المنطقة العربية التي تعاني شعوبها اكثر من غيرها من الارهاب وجرائمه ومن الدعم الذي توفره معظم تلك الدول الغربية التي ترطن بحقوق الانسان ولكن على نحو انتقائي ورأينا كيف يُسارع هؤلاء للدفاع عن اسرائيل وتبرير جرائمها، بمجرد صدور ادانة او تقرير أُممي محايد كما لاحظ الجميع في تقرير الاسكوا الذي سارع امين عام الأُمم المتحدة الى سحبه والتبرؤ منه رغم ان الذين عكفوا على التحقيق فيه هم قانونيون محايدون ولهم سجل طويل ولامع في مجال حقوق الانسان، عندما وصفوا خطوات واجراءات اسرائيل في الاراضي المحتلة بعد عام 1967 بأنها تؤسس لنظام فصل عنصري (ابارتايد) طالت حتى فلسطينيي الداخل الذين هم في عرف القانون الاسرائيلي مواطنون اسرائيليون.
حري بمفوض حقوق الانسان في الأُمم المتحدة ان يأخذ مسألة حقوق الانسان كونها قيمة انسانية رفيعة على نحو شامل ومحايد بعيداً عن الانتقائية التي ميزت تصريحاته الأخيرة حول الشقيقة مصر التي تعرضت وما تزال لهجمة ارهابية منسّقة وخطيرة تستدعي من حكومتها وجيشها واجهزتها كافة ان تتصدى لها بشجاعة وبسالة كالتي تقوم بها الأن وفي المستقبل أيضاً.