عمان- إبراهيم السواعير

أكّد رئيس الوزراء الأسبق عون الخصاونة جهود الدبلوماسي والوزير الراحل أمين عام حزب الإصلاح كليب سعود الفواز البحثيّة ومؤلفاته التراثيّة، مستذكراً صحبةً امتدت بينهما أكثر من أربعين عاماً، كان خلالها الفواز أنموذجاً في انتمائه إلى ثقافته العربيّة والإسلاميّة.

وتحدّث الخصاونة، في حفل استذكار نظّمه الحزب ودعا إليه وزراء ودبلوماسيين وأمناء أحزاب أردنيّة وأداره الدكتور فيصل غرايبة، عن أهميّة القيم الاجتماعيّة التي نشأ عليها الفواز وظلّت تؤثّر في مسيرته الطويلة، كما قرأ خصائص الراحل النفسيّة وسلوكه الاجتماعي الذي تربّى عليه واكتسبه في بيت والده وأجداده في منطقة البادية الشماليّة، فكان من الطبيعي أن تظهر عليه علائم النباهة والخلق الكريم وفروسيّة التعامل، وهي مزايا أهّلته كما قال الخصاونة لكي يثابر على تحقيق أهدافه ورسالته البحثيّة وأن يكون محلّ قدوة في عمله الدبلوماسي والحزبيّ وفي حصوله على درجة الدكتوراة في التاريخ الحديث والمعاصر، ليضيف للمكتبة الأردنية والعربيّة والعالميّة بحوثاً ومؤلفات قيّمة تستحق الدراسة. كما استعاد الخصاونة فترة عمله في سبعينات القرن الماضي بنيويورك في البعثة الأردنية الدائمة، وهي الفترة التي تعرّف خلالها إلى الراحل الفواز الذي كان آنذاك يكمل دراسة الماجستير بنيوجيرسي في تخصص العلاقات الدوليّة.

وعبّر رئيس المجلس المركزي لحزب الإصلاح الأمين العام العام الأسبق لوزارة الخارجية محمد توفيق الخالدي عن حزنه لرحيل الفواز، متحدثاً عن رؤيته الواثقة وطموحه الجاد في فترة دراسته الجامعيّة، وعن تأسيس حزب الإصلاح عام 2012 مؤكّداً عطاءه الصادق الذي أهّله لأن يتمّ انتخابه أميناً عاماً للحزب، فيواصل عمله المنهجيّ مرتكزاً على الأخلاق الرفيعة والصبر والأسلوب الراقي في تعزيز ثقافة الحوار، بعيداً عن الإنشائيّة والتنظير باتجاه التطبيق الذي تتعظّم فيه الإيجابيّات باقتراح الحلول الناجعة من أجل مصلحة وطن وجيل يستحقّ منا العطاء بلا حدود، ضمن مرتكزات الوحدة الوطنية والمواطنة الصادقة والحرية المسؤولة والمستقبل الأفضل. كما تحدث الخالدي عن مرحلتي التاريخ الشخصي والسياسي للفواز، منذ اختياره وزيراً للدولة عام 2011 في حكومة عون الخصاونة، وتوافره على صفات قياديّة في تحمّله مسؤولياته سمحت بانتخابه للمرة الثانية أميناً عاماً للحزب وتولى خلالها مسؤوليات مهمّة مثل رئاسته للتحالف الوطني للأحزاب ورئاسته اللجنة العليا للتحالف الوطني خلال الانتخابات النيابيّة الماضية. وأشاد الخالدي بنشأة الفواز في بيت سياسي وطني عريق، حيث والده الشيخ سعود الفواز من زعماء الأردن المناضلين من أجل القضايا العربيّة في الأردن وسوريا، فكان بيتاً تبوّأ أبناؤه مناصب رفيعة في الدولة الأردنيّة. وعبّر الخالدي عن حجم الخسارة لرحيل الفواز في نفوس زملائه في وزارة الخارجيّة ومجلس الأعيان ومجلس الوزراء، مثلما كان رحيله المفاجئ صاعقاً لأصدقائه ومحبيه وأعضاء الهيئتين العامة والإدارية لحزب الإصلاح، مقدّماً باسم الحزب خالص العزاء لزوجته انتصار العرموطي وأبنائه وأهله وزملاء دربه في البحث العلمي والتوثيق.

وألقى الوزير الأسبق د. فيصل الرفوع كلمةً استذكر خلالها زمالته للفواز في الهند مطلع ثمانينات القرن الماضي، معبّراً عن أحلام الراحل وآماله وأمنياته الوطنيّة الصادقة، خصوصاً وقد كان الفواز مثالاً في الأمانة والصدق والدماثة والخلق الرفيع.

وتحدّث السفير الأسبق زياد المجالي عن محطّاتٍ رافق فيها الفواز على مدار أكثر من أربعين عاماً، تعرفا خلالها على طبيعة المهنة الدبلوماسيّة في الروح والأفكار والرؤية، مستعيداً من خزانة الذاكرة صبر زميله أمام التحديات والشدائد، وسعيه لأن يبثّ الإيجابيّة على كلّ من حوله ليبعث في نفوسهم جذوة الأمل وحب الحياة والتفكير بحلول لتجاوز العقبات. وتناول المجالي قصة نجاح الفواز في العمل الدبلوماسي في ذكره الطيب وسمعته العطرة في دبي تحديداً، وكيف حوّل التراث الذي اكتسبه من والده وعشيرته إلى تطبيق عملي لمسه كلّ من زامله، فكان مواطناً يؤمن بدوره الاجتماعيّ الخلاق مستفيداً من دروس النشأة الأولى تلك في مسيرته المميزة. واستعاد المجالي طموحات الفواز التي كانت طموحات زملائه الشباب نهاية السبعينات، وهي الطموحات التي كانت تتجاوز أعمارهم ومواقعهم الوظيفيّة، فكان «أبو ناصر» مرهف الحسّ يحمل همّ وطنه أينما كان. كما تحدث عن انخراط الفواز في نيويورك بمعترك الحوار السياسي في وقتٍ كان يشعر فيه بخطر استهداف الوطن، فكان يحمل الوطن في عقله ووجدانه، ليستمر هذا الإحساس حتى بعد أن ترك العمل الدبلوماسي وانطلق في رحاب العمل التشريعي والسياسي والحزبي والأكاديميّ البحثيّ أثناء كلّ هذا المشوار.

وفي كلمتها، عبّرت الأمين الأول لحزب الشعب الديمقراطي الأردني «حشد» عبلة أبو علبة عن الخسارة الكبيرة لرحيل الفواز، مستذكرةً معرفتها به عام 2012 في خضمّ العمل الحزبي وحراك القوى الوطنيّة، حيث كانت البلاد العربيّة كما قالت تمرّ بمرحلة تاريخيّة نوعيّة جديدة، تميّزت في بداياتها بصعود الخطاب الشعبي السلمي المطالب بالمساواة والعدالة الاجتماعيّة والحريّات العامّة، مستدركةً أنّ المتغيرات العاصفة التي جرت في ما بعد حالت دون السيطرة على المجريات السلميّة للتحول الديمقراطي السلمي المنشود، فدخلت المنطقة العربية في طور آخر شديد الخطورة، على كلّ المنجزات الحضاريّة والسياسية والفكرية للعقود الماضية.

وتحدثت أبو علبة عن انتماء الفواز إلى ذلك الجيل من الأردنيين الذي شهد على تحولات سياسيّة وتاريخية كبرى في الأردن والوطن العربي الكبير، فكانت تلك المرحلة التي بدأ فيها المشروع الصهيوني الإحلالي على أرض فلسطين في مواجهة مشروع التحرر العربي من الاستعمار القديم وبناء الدولة الوطنية السيّدة على أرضها وقراراها الوطني. ورأت أبو علبة أنّ هذا الجيل كان له شرف الإسهام في بناء الهوية الوطنية الأردنية بمقوماتها الفكرية والسياسية والاقتصاديّة، وذلك في إطارها القومي العربيّ الحرّ من أيّة تبعيّةٍ للأجنبي. واستذكرت أبو علبة ما شيّده أبو ناصر وزملاؤه في بناء مؤسسات الدولة الوطنية الأردنية والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، كقاعدة لا بدّ منها لتكريس الاستقلال والسيادة الوطنية.

وساقت أبو علبة المشروع السياسي الخطير الذي يقف خلف ظاهرة الإرهاب الوحشي، والذي تدار فصوله في هجمة شرسة تتعرض لها الدولة الوطنية العربية لتفكيك الكيانات الوطنية واستهداف الجيوش الوطنية وإغراقها بمشاكلها واستنزاف طاقاتها البشرية والاقتصادية.

وتحدث كاتب السطور عن الفواز في المنتديات والهيئات والصالونات الثقافيّة، مناظراً قويّاً وباحثاً عتيداً ورجلاً ذا بأسٍ ومراس في دفاعه عن فكرته؛ خصوصاً حينما يتعلّق الأمر بقضيّة حسّاسة بل في غاية الحساسيّة، كما في استضافة مركز الرأي للدراسات له في كثير من الندوات الفكرية والسياسية، مستفيداً من خبرته السياسيّة والحزبيّة والبرلمانيّة والدبلوماسيّة وسواها الكثير من الخبرات الإنسانيّة، وهي خبرات استمدّها من الناس ومن تربيته الأصيلة وقبيلته التي مكّنته من أن يؤرّخ لها احتراماً وعرفاناً لها بوصفها قوىً اجتماعيّةً مهمّة تعمل وتبني في ظلّ الدولة الأردنية والهوية الوطنية الجامعة. كما استذكر تماس الراحل مع المشروع الوطنيّ الأردنيّ، وانخراطه فيه، وهو المشروع الذي يقوم الفعل الثقافيّ والفكريّ فيه بدورٍ مهم، واحتفى بنتاج الدكتور كليب الفواز، حيث طبعت وزارة الثقافة له كتاب» المراسلات المتبادلة بين الشريف الحسين بن علي والعثمانيين(1908-1918)، ضمن مشروعها الرائد التنويري «مكتبة الأسرة الأردنيّة»، لدرجة أن نسخ الكتاب نفدت في البوادي والقرى والمخيمات والمدن والأقاليم لتعمّ المعرفة وينتشر هذا الفكر المعتّق بالكينونة والوجود في نفوس أبنائنا والدارسين والمهتمين. كما أشار إلى منهج الفواز وفكره ورؤيته المسبقة، مؤكداً هميّة فترة الدراسة، مشيداً بالإحالات العلميّة البعيدة عن الغنائيّة باتجاه البرهان، كما في اشتغاله على الأرشيف العثماني باستانبول، وصحيفة القبلة، ومذكرات الملك المؤسس طيب الله ثراه، والأرشيف الجامعي الأجنبي، علاوةً على رجوعه لمصادر المؤرخين الأردنيين من ذوي الباع في هذا المجال.

وفي كلمة آل الفقيد، عبّر المستشار في رئاسة الوزراء راكان الفواز عن عظيم الحزن مستذكراً فارساً وشيخاً وسياسياً وحزبياً وإنساناً وطنياً تربّى في كنف العز والكرم والأصالة فأخذ في سلوكه كلّ هذه القيم والشيم التي تجذرت فيه بعلو الأخلاق ورزانة العقل والصفات الحميدة التي ورثها عن الأجداد. كما استذكر صفات الراحل الوظيفية والإنسانيّة وعنايته بتوثيق تراث قبيلة السردية الكتاب الذي يرى النور قريباً في حفل إشهار يظهر جهده الطويل في هذا المشوار.

وكان تحدّث رئيس جمعيّة إرث الأردن فراس خليفات عن موروث الفواز في مشروعه التوثيقي وكتابه السياسي«المراسلات بين الشريف حسين بن علي والعثمانيين»، وتغطيته جوانب مهمّة من تاريخ الأردن، معرفاً باهتمام الراحل شخصياً بدعم الشباب والأخذ بأيديهم في عمل مؤسسي منظّم وواثق نحو الانطلاق. كما ألقى الشاعر عيد المساعيد قصيدة تغنّى فيها بالفقيد وأم الجمال والمفرق، ليلقي الشاعر عبدالرحمن مبيضين قصيدةً بالمناسبة، في الحفل الذي عُرضت فيه مقاطع مسجّلة بصوت الفواز في الحفل الأول لتأسيس حزب الإصلاح، وأعقبه معرض صور لمسيرة الراحل في قطاعات متنوعة في شتى مجالات الحياة.