«خواطر وحكايات في المول» كتاب له مذاق خاص وأسلوب متميز. اشتركت في تأليفه مها كنعان وريم الكيلاني وصدر العام 2016. قدمت للكتاب أ.دة. ايمان الكيلاني استاذ اللسانيات الحديثة بالجامعة الهاشمية.
الكتاب عبارة عن خواطر وحكايات نعيشها، تحكي هموماً ومتناقضات حياتية تستحق منا التأمل والتدبر والاتعاظ. تستنطق هذه الخواطر والحكايات مشاهد يومية مستمدة من «المول» الذي يعج بالمشترين. قلتُ في البداية إن للكتاب مذاقاً خاصاً، فالخواطر والحكايات ينسجها قلم مها كنعان، والتعقيب عليها من قلم ريم الكيلاني، كلتاهما تلتقطان من الحياة مشاهد لا تخلو من مفارقات.
تحدثنا الخواطر والحكايات عن مشاهد كثيرة، نُسرّ لبعضها ونأسى للبعض الآخر. تحدثنا المؤلفة عن «الكتب» التي تزخر بها مكتبة (المول) أو اية مكتبة عامة أخرى. شقيّة هذه الكتب لأنها كما وصفتها هي «ارواح معلبة» بمعنى ان محتوياتها لا تصل الى عقول البشر، وان وصلت فلا تعظ او تعلّم! اقتناؤها كثيراً ما يكون للزينة والتباهي!
«لا ادري لماذا خطرت ببالي فكرة غريبة، ماذا لو تحولت هذه الكتب الى صيغها الاولى، وعادت الافكار الى العقول» الكتاب ص8.
وفي تعقيب فوري ومباشر على هذه الخاطرة تعقب ريم الكيلاني على ما سطره قلم زميلتها قائلة: «أكاد أقسم أن اغلفه الكتب المزينة تئن، وصفحاتها تحن لاصابع تقلبها، وعيون تمر فوق اسطرها، اكاد اقسم أنها لو استطاعت لاستغاثت»! ص 9 ليتنا نعيرُ اهتماماً لاستغاثتها.
الملاحظ هنا أن «التعقيب» يدعم «الخاطرة» ويفلسفها. يسبر أغوارها مُميطاً اللثام عن تناقض هنا وتناقض هناك يشوه وجه حياتنا!
في هذه الخواطر ايماءات واشارات الى عادات غير مستحبة عرفنا او عُرف بها الكثيرون من العرب ومن بينها عدم احترام «المواعيد» بعض الاجانب قد يتندرون حول هذه الظاهرة فيقولون «موعد عرب»! والمعنى ان العرب لا يلتزمون «بالموعد» استثني البعض منهم.
تذرع قراءة الكتاب فتقع على خواطر اخرى تفضح متناقضات الحياة، فالاثرياء اذا اعجبوا بسلعة غالية الثمن اشتروها لأن «من اراد الحسناء لا يناقشها في مهرها». تمر المؤلفة بمشهد يجسد هذه المفارقات. سيدة ثرية تدفع مقابل ساعة ذهبية مبلغاً طائلاً جداً، وقريباً منها سيدة «غلبانة» «تجاوزت الاربعين تحمل مواد التنظيف ويبدو عليها التعب والارهاق، ويعلم الله من تركت وراءها في بلادها، من اجل ان تحتمل كل هذا الشقاء». المفاجأة ان هذه الثرية تخرج من محفظتها ديناراً وتعطيه للعاملة التي يشع الفرح من عينيها وهي تقبض على الدينار!
كم في دنيانا العربية من مفارقات. من الخواطر التي تخز في العضل وتثير السخرية، تلك المعلقة بالتهافت على اخذ الصور مع مشاهير اجانب ربما لا تكون شهرتهم ذات قيمة انسانية. يفعل ذلك الكثيرون من شبابنا العرب تفاخراً بالتقاط هذه الصور!! ليتهم يتفاخرون بما يجب ان يفتخر به من القيم الانسانية!
إن اسلوب هذه الخواطر والحكايات والتعقيبات عليها، فيه من السخرية ما فيه. سخرية من مقارفات الحياة، اوجد هذه المفارقات غياب العدالة الاجتماعية التي اوجدت اناساً يأكلون بملاعق من ذهب بمعنى انهم اثرياء جداً، وآخرين وهم الغالبية يعيشون في مستنقع الفقر لا يحفل بهم احد.
اما المفارقة فهي ان هؤلاء الفقراء هم الذين تلجأ اليهم الحكومات في بلداننا العربية لضخ الحياة في ميزانياتها ان ضاقت، بينما الاثرياء في ضفة أخرى ينعمون بثروات الله اعلم كيف جمعوها. لا احد يسألهم من اين لكم هذا؟
«مها وريم» ابدعتما في استنطاق هذه المشاهد اليومية. ابرزتما مواجع امة عربية لم تبرأ منها بعد! كشفتما «عواراً» عربياً لم تتم معالجته، نجحتما في تجسيد «دراما الحياة» ببراعة وبعبارات بليغة.