نقرأ في الكتاب العزيز انه كبر مقتاً عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون, ونقرأ في الاثر المشرّف أن الله سبحانه لا ينظر الى صور الناس واقوالهم ولكن ينظر الى قلوبهم وافعالهم, اذ العمل هو الميزان والبرهان والامتحان وهو ممحص القلوب ومضمار الارادات. ونحن اليوم في انموذجات متكثّرة على الفصام المعجب بين القول والعمل. الامر الذي نستذكر معه ما كان من الحجاج بن يوسف الثقفي حين صعد المنبر فقال: ايها الناس, قد اصبحتم في اجل منقوص, وعمل محفوظ, وإن كل ما ترونه ذاهب فهذه شمس عاد وثمود وقرون (أي اجيال) كثيرة بين ذلك. هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والاكاسرة وخزائنهم السائرة بين ايديهم (ونظائرها اليوم في بنوك الصهاينة.. والجملة المعترضة من كاتب السطور) ثم طلعت على قبورهم. أين الجبابرة الاولون. ايها الناس, ان المحاسب هو الله سبحانه. والصراط منصوب, وجهنم تزفر وتتوقد, وأهل الجنة ينعمون, وهم في روضة يحبرون, جعلنا الله واياكم من الذين «اذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّاً وعميانا».
وتقول الرواية (انظروا شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد, الجزء الاول) إن الحسن البصري كان حاضراً, أو نقلت اليه حكاية هذه الخطبة فقال تعقيباً عليها: ألا تعجبون من هذا الذي يرقى عتبات المنبر فيتكلم بكلام الانبياء, وينزل فيفتك فتك الجبارين. يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله!!
لقد حفظت لنا هذه الحكاية كتب التاريخ. واستبقت لنا بها ما نجري عليه القياس ونحن نرى من يفتكون بالناس «فتك الجبارين» كما جاء في تعقيب الحسن البصري, وكم في الوقائع الغريبة والشخصيات المريبة ما يؤكد صحة قياسنا هذا, وكم من متخذ سمت التقوى والغيرة على محارم الاسلام وهو أول محاربيه واشدّ طاعنيه وأخبث المارقين منه المظاهرين لاعدائه وأعداء الانسانية, الساعين في مآربهم وما يمكرون..
ويتعلق ما نقول هنا بالافراد والجماعات والحشود تعلّقه بالدول والحكومات, ويزيد دلالاته اظلاماً أن الشعوب في غطاء عن تبصّره وأن نخبها اما في مداهنة فخرية أو في تخوّف جبان, وأن من يملكون جراءة قرع الجرس قلائل متفرّقون مغمورون في هذه الطامة التي لولا بقية من اثر الاسلام والعروبة فينا لتركتنا اثراً بعد عين ولجعلتنا صعيداً زلقاً.
لوحة عريضة سوداء نستعين بالله على سوادها, ونأمل لشقشقات النور القليلة في تضاعيفها أن تبين لنا طرائق الخروج منها وسبل النجاة.
ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور..