شهدت الايام الخمسة الاخيرة نقاشاً ديمقراطياً والتزاماً واضحاً بقواعد اللعبة الديمقراطية من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء, أسهم في اضفاء اجواء من رحابة الصدر والقبول بالرأي الاخر ضمن مساحات معقولة لم نشهد خلالها خروجاً على المألوف أو الذهاب بعيداً في الانتقاد لمجرد الانتقاد أو محاولة كسب الشعبية بالضد من المصالح الوطنية العليا, ما اشاع التفاؤل في الشارع الاردني بأن الامور تسير في الاتجاه الصحيح وفي الاطار الرفيع الذي حدده خطاب العرش السامي على النحو الذي لخصه جلالة الملك في خطاب افتتاح الدورة العادية الاولى لمجلس الامة الثامن عشر في السابع من الشهر الجاري بأهمية وضرورة التعاون والتنسيق بين السلطتين وبما يخدم مصالح الاردن ويلبي مطالب الشعب واحتياجاته, في الوقت ذاته الذي تحافظ كل سلطة على استقلاليتها الدستورية دون تدخل واستقواء او تغوّل من واحدة على الاخرى.
من هنا, جاء رد رئيس الوزراء هاني الملقي على كلمات النواب التي ناقشت البيان الوزاري والذي طلبت الحكومة على اساسه ثقة مجلس النواب, هادئاً في النبرة وواعداً في المضمون ومنسجماً مع المبادئ الاساسية التي انبنى عليها البيان الوزاري, بعيداً عن الاسراف في الوعود أو اخفاء لمعلومات وحقائق تفرض المسؤولية الوطنية والاخلاقية على رئيس الوزراء أن يكون شفافاً وواضحاً ازاءها وهو ما تجلى في تأكيد الرئيس الملقي على أن الحكومة مستمرة في دعم الخبز ولن ترفع اسعار المواد الاساسية مبدداً الشائعات التي اطلقها البعض ربما عن قصد للتشويش على العلاقة بين السلطتين ودفع الامور الى التصادم بينهما وهو ما نجحت السلطتان في تجنبه وعدم الوقوع في افخاخه لأنه اصلاً لم يكن على جدول اعمال الحكومة وبخاصة بعد نيل الثقة, ما بالك ان الرئيس الملقي اكد انه سيتم اتخاذ اجراءات محددة لايصال الدعم الى اصحابه بعيداً عن الهدر في الوقت ذاته الذي حسم فيه الموضوع بشكل عام عندما قال ان الحكومة لا يمكن أن تفكّر بالتضييق على المواطنين أو المساس بمستوى معيشتهم.
واذا كان رد رئيس الوزراء على كلمات النواب قد انسجم مع مضامين ما جاء في تلك الكلمات والملاحظات والطروحات التي وصفها الرئيس الملقي بأنها عبّرت عن هواجس المجتمع وتطلعاته, فإنه لم يبذل المزيد من الوعود غير القابلة للتنفيذ أو سعى الى كسب الشعبية, بل تحدّث بواقعية ولامس كل الموضوعات المطروحة على جدول اعمالنا الوطني، بتشخيص دقيق رافضا تجميل اي شيء على حساب الحقائق او قسوة الارقام عندما قال مثلا: إن الدين العام وصل مستويات التحدي الاستراتيجي، ما يعني اننا نحتاج الى فترة زمنية لاعادته الى النِسب الآمنة..
كذلك كان واضحا في رده على كلمات السادة النواب وملتزما كحكومة بعدم القبول باستمرار الواسطة والمحسوبية تحت اي ستار جاءت بل ذهب الى توصيف من تتبع الواسطة والمحسوبية بانه عدو للوطن وابنائه، انسجاما والتزاما مع ما ورد في خطاب العرش السامي وبخاصة في الورقة النقاشية الملكية السادسة التي طرحها جلالة الملك كما الاوراق النقاشية الخمس التي سبقتها على الاردنيين كافة لمناقشتها والسير على هدى مضامينها كافة.
لم يتجاهل رد رئيس الوزراء على كلمات النواب اي مسألة او يحاول اخفاءها سواء في ما خص الاستثمار وطرق جذبه دون اي تساهل او قبول بأي مستثمر يطالب بكسر القوانين ام في ذيول واسباب اتفاقية الغاز التي اكد انها توفر ثلاثماية مليون دولار سنويا وتشكل 40% من احتياجاتنا ام في تواصل البحث عن اماكن ودول اخرى للتزود بالغاز من بلاد عربية كفلسطين والجزائر والعراق ومصر وايضا قبرص في الوقت ذاته الذي اكد فيه انه لم يتم العثور حتى اللحظة على كميات نفط وغاز لتلبية احتياجاتنا والمضي ايضا قدما في تنفيذ مشروع الطاقة النووية والصخر الزيتي مع ادراك عميق للرئيس الملقي بأن المرحلة المقبلة تستدعي نمطا جديدا ومختلفا في التعاطي مع مسألة البطالة التي تسهم في زيادة الفقر وبخاصة في النظرة «الشعبية» الى القطاع العام الذي اكد رئيس الوزراء انه مثقل وان الحكومة تؤكد في هذا الخصوص على سياسة التشغيل لا التوظيف الامر الذي يجب التعاطي معه بمسؤولية وجدية وتفهم.
خلاصة القول ان رد الحكومة على مناقشات النواب يزيد من الثقة بأننا نسير في الاتجاه الصحيح وان الامور مرهونة بالتنفيذ والمسؤولية تقع منذ الآن على عاتق الحكومة للنزول الى الشارع والبدء بالعمل وتنفيذ الوعود التي وعدت بها والتزمتها امام قائد الوطن وامام نواب الشعب مع علمنا ان الامور ليست سهلة لكن البدء بالبحث عن حلول واقعية وعملية وجدية لها لن يكون صعبا او مستحيلا.. فعلى بركة الله.