د.عماد الضمور

لم يكن تاريخ ولادة تيسير السبول في عام 1939 إلا بداية معاناة وجودية انتهت بانتحار هذا الشاعر برصاصة سددها إلى رأسه يوم 15/11/1973 بعد تجربة حياتية مريرة.

ترك تيسير -رغم قصر حياته التي عاشها- أثراً واضحاً في مسيرة الشعر الأردني، فبصدور مجموعته الوحيدة «أحزان صحراوية» عام 1968 بدأت مسيرة الحداثة في الحركة الشعرية الأردنية، وهي مسيرة أسس لها جيل من الروّاد عاش ظرفاً سياسياً محبطاً، واجتماعياً بائساً، جعل «تيسير» وزملاءه يمتلكون قدراً واضحاً من التمرّد على شعريّة من سبقهم، ورغبة جامحة في التجديد دون أن يكون منتَجهم منبتّاً عن الجذور، بل حرصوا على أن ينطوي على رؤيا شعريّة ذات مضمون فكري معاصر، وقالب فني قادر على صياغة الفكرة وإيصالها إلى المتلقي وفق تشكيل استعاري يقوم على التخييل والرمز تارة، والسرد الدرامي تارة أخرى، ممّا جعله ذا قيمة تعبيرية، تعكس أثراً جمالياً واضحاً في المتلقي.

وتعدّ تجربة تيسير سبول الشعريّة، علامة بارزة في حركة الشعر الأردني، ونقطة تحوّل في مسيرته، لأن هذا الشاعر ابن جيل أفرزته نكسة حزيران (1967) التي كانت بمنزلة زلزال عنيف هزّ المجتمع العربي، وتبعاً لذلك ظهر الشعر الباكي الحزين، الذي تسوده نزعة الحزن والتشاؤم واليأس وجلد الذات، ممّا وضع الشعر في دائرة الالتزام بقضايا الأمة.

وهذا ما جعل شعر تيسير سبول يتميّز بإبراز الوجع القومي والوطني، حيث أظهر الشاعر من خلاله وعيّاً واضحاً للقضايا السياسيّة، والاجتماعية، إذ أسهمت التجربة الحزبيّة و حالة التقدم الاجتماعي آنذاك في اصطباغ الشعر بصبغة قوميّة واضحة.

تيسير سبول شاعر جامح بأفكاره المتمردة على الواقع المستكين، ينزف شعره حزناً على أمة كبت ولم تنهض بعد، لذلك جاء انتحاره صرخة مدويّة ضد هذا الواقع.

لقد جاء انتحار تيسير محمّلاً بالهموم السياسيّة والوجدانيّة، واحتجاجاً على القهر الطبقي، والتناقض الاجتماعي، فضلاً عن توالي الإحباطات، والشعور بعبثيّة الحياة، ممّا جعله يختار الموت وسيلة للحياة التي يعشقها، فهي مأساة جيل بكامله، جيل القلق والحيرة، فليس من المستغرب أن يقدم شاعر مثله عُرف بالحساسيّة المفرطة، والرومانسيّة الداميّة، والإحباط المرير، والسأم الوجودي، على الانتحار.

لقد أسّس تيسير بفكره الإبداعي لما يُسمى «شعريّة الحزن في الشعر الأردني»، وهي شعريّة ظهرت في قصائد الشعراء الأردنيين ممن نهلوا من إرث تيسير الخصب، بعدما أورثهم أحزاناً لم يستطع تحملها في حياته لكنه تركها تشتعل في قصائده وجداً صادقاً يضيء الدروب المعتمة.

وتبدو صورة الموت أكثر وضوحاً في قصائد تيسير، ترافقه حتى في أشعاره الغزليّة، ممّا يكشف عن سرمديّة الحزن، وعظمة فعل الموت وديمومته الحالمة، فهو يتجاوز سمة الفجائية التي يتخذها في صورته المألوفة إلى موت منتشر في كلّ مكان، لا يترك فيه أثراً للحياة، وهو كذلك موت منظم، يبتعد عن الفوضويّة. يقول:

«غجريّة

جثثٌ تهوي، تموتْ

مثلما ينتفض الطيرُ الذبيحْ

مثلما تعصفُ بالأوراقِ ريحْ».

إنّ انتحار تيسير سبول سنة 1973 فعلٌ إرادي، بعدما فتح الشاعر عينيه على النكسة، وتذوق آلامها، ممّا جعله يقوم بعمل يُوصف بأنّه «المحاولة الأخيرة والجذرية، لاستبعاد هذه الآلام الواقعة على الذات». من هنا اكتسب حضور تيسير سبول في القصيدة الأردنية درجة كبيرة من الأهمية، فقد رثاه الشعراء متألمين لطريقة موته، ومستمدين من أشجانه المتصاعدة ما يثري التجربة الشعريّة المعاصرة، إذ جعل النقاد الموت أعظم قصائد الشعر، «بعدما وجدوا في موت الشعراء والكتّاب أجمل ما كتبوه من قصائد، فأهملوا شعرهم، والتفتوا إلى قصائدهم الأخيرة.. قصائد الموت».

يجعل تيسير سبول من إخفاق العرب في بلوغ حلمهم في حرب تشرين (1973) مدعاة لرثاء الأمة، حيث أدى التراجع المفاجئ بعد عبور القناة إلى حالة ذهول تضاف إلى إحباطات الشاعر وانتكاساته المتوالية، لذلك جاءت مرثيته للنصر الزائف بمنزلة رثاء لواقع الأمة:

«أدري بأني لو بكيتُ مصيرَ شَعْبي

لو أعارتني ثكالى النوقِ حنجرة

سدىً

أزجي لسيناء العجوز نحيبَ شَعْبي

لا صدى».

لقد جاءت قصيدة تيسير التي تركها بلا عنوان تعبيراً عن رفضه لواقع الأمة واحتجاجه على استلاب كرامتها، فضلاً عن وصول الشاعر إلى مرحلة اللاعودة في الحياة، يقول متألماً:

«أنا يا صديقي

أسيرُ مع الوهمِ أدري

أيمّمُ نحو تخومِ النهاية

نبياً غريبَ الملامحِ أمضي

إلى غير غاية

سأسقطُ، لا بدّ، يملأ جوفي الظلامْ

نبياً، قتيلاً وما فاهَ بعدُ بآية».

فتجربة الشاعر مع الموت مؤلمة، إذ تحمل قصيدته بين طيّاتها معالم تجربة حياتية ذات أبعاد مأساوية، يطبعها الحزن واليأس، لتكون شاهداً على عصره، ونابضة بحسّه العروبي، فاختار طريق الموت بعدما فقد توازنه في المجتمع، واصطدمت أفكاره بواقع غريب، يقتل أمانيه، ويحيل حياته إلى عذاب دائم.

ولا ينسى الشاعر التعبير عن أحزانه العاطفية، فنجده يبعث أحزانه في قصائده بعدما خذله الحبّ، ولم يستطع الاستمرار فيه، إذ تتجلّى في الحبّ أوثق العلاقات الحقيقية مع الذات والآخر، ممّا يشكّل دافعاً قويّاً للشاعر في بعث أحزانه انطلاقاً من تجاربه العاطفية، كما في قصيدة «المستحيل»، التي رسم فيها صورة مبكرة لأولى حلقات انتكاساته الحياتية المبكرة، فقد تعرض الشاعر إلى إخفاقات عاطفية، جعلته يرثي هذا الحبّ بعدما اكتشف حقيقته:

«لا وعمقُ السّر في عينيكِ ما كانَ غراما

وانكفاءاتي ونزفي وأناشيدي اليتامى

لم تكن صرخةُ قيسٍ خلفَ ليلى

ففؤادي لم يعدْ للحبّ أهلا».

ويستدعي تيسير في رثاء الحبّ قصة قيس وليلى المشهورة، ليدلل بها على عظمة الإرث العاطفي في التراث العربي، ومبيناً أن جهله بهذه التجربة الخالدة كان سبباً في إخفاقاته العاطفية المبكرة:

«إنما يسحقُ قَلبي مِنْ قديم، مِنْ قديمْ

سعيُه الدائب للوهمِ وشوقٌ للسديمْ

قبلَ أن يسمعَ عَنْ قيس وليلى

كان بعدُ هذا القلب طفلا».

ومن الناحية الفنية، أبدع تيسير في تنويع أدواته الفنية، وتطويعها لخدمة غرضه الشعري، فنجد عنوانات قصائده تكتسب دلالات جديدة، وبخاصة عندما يكون العنوان مضافاً، يرتبط بإيحاءات نفسية خصبة، كما في قصيدة «مرثية الشيخ»، إذ إنّ إضافة «مرثية» إلى «الشيخ»، شكّلت حالة تحفّز لأحزان الشاعر، وحشدها للتعبير عن تعاظم معاناته لفقدان والده، ممّا جعل العنوان يؤسس لعلاقة مع واقع الشاعر، كشفت عنه أبيات القصيدة بشكل واضح.

لقد استثمر تيسير عنصر الزمن في صياغة خطابه السردي، وإنتاجه برؤى الحضور والغياب المتجددة؛ لذلك شكّل الزمن الماضي مرتكزاً مهماً في بناء قصائده، بوصفه محور السرد الذي تنطلق منه الأفكار، وتنبعث لأجله الرؤى، كما في رثاء الشاعر لوالده، إذ يسرد أحلامه راثياً لها في تداخل واضح بين مأساة والده، وفقدان أحلامه، ممّا يُبرز سطوة الزمن، ومأسوية فعله:

«ربما قبل عصورْ

كان هذا الهيكلُ اليابس يوماً

سنديانَة

شَمخت تستشرفُ الوديانَ

مدَّت جنباتٍ

عشّشتْ فيها النسورْ

مِنْ علٍ

راقبت الذئبان تقتات بحملان

فهزتْ عطفَ غصنٍ مطمئنّة

ألفُ فأسٍ جَرّحتها

قطَّعتْ أوصالها».

ولعلّ الحضور السردي في الأبيات السابقة، تشعّب في جانبين، أولهما دلالي، يحتفي فيه الشاعر بصفات والده وما تختزنه الذاكرة من انكسارات النفس الحزينة، وتحفزها نحو الخلاص، مما جعله يقع في مباشرة السرد، ووضوح عباراته. والجانب الآخر، تقني، يصطنع فيه الشاعر أسلوباً سرديّاً في صياغة أفكاره، حيث يظهر استثمار عنصر السرد في تكوين السياق النصي، وذلك بتمازج السردي بالشعري في بنى نصية تداعب الوجدان الإنساني بإيقاعية الألفاظ، وإيحائية الصور.

يوظّف تيسير صورة الليل في شعره توظيفاً إبداعيّاً، يُعبر عن مأسوية حياته، فضلاً عن تصويره لواقع الأمة المنهار، إذ أصبحت حياته أكثر استحالة، وأكثر قرباً من الموت، حيث يقول مخاطباً صديقه في وداعه المأسوي للحياة:

«إنني أنبيكَ

خذْ:

النورُ غابَ

والليلُ أطبقَ

فليكُن ليلٌ – وكانْ».

فقد أصبح الليل جزءاً من مأساة الشاعر، وشبحاً يهدد حياته، ويفقده القدرة على مواجهة الواقع، ممّا كشف عن استسلام مطلق لسلطة الزمن وإيمان بحتمية الفناء.

ولم تكن هذه الأحزان شخصية أو ممثلة لحالة فقد خاصة، بل هي حزن جماعي ينساب في أرجاء المجموعة، مكوِّناً بنية فكرية عميقة، حيث يقول الشاعر في قصيدة «مرثية القافلة الأولى»:

«الحزنُ ينقضُ نَسْجَ قَلبي

يَمتدُّ من قلبي وحتى

لا نهاية».

لقد بقي تيسير بشعره وفكره راسخ البنيان في مسيرة الشعر الأردني، ينهل منه الشعراء إبداعهم، كما ترك تيسير صدى واضحاً في قصائد الشعراء في الأردن، حيث رثاه عدد كبير منهم مبرزين جوانب مختلفة من شخصيته وإبداعه.

وتعدّ قصيدة حيدر محمود «ثلاثة أحزان صحراوية» في رثاء تيسير السبول أنموذجاً متطوراً لقصيدة الرثاء المعاصرة، التي تخرج عن مضمون الرثاء التقليدي إلى معالجة قضايا وطنية وقومية، تمسّ الوجدان الجماعي للأمة. فلم نعد نرى تلك المباشرة في طرح الموضوعات، أو التلقائية في التعبير، بل نجد الشاعر يتلمس المشاعر القومية؛ ليصيغ وجدان الأمة في حالة حزن خالصة، فيجعل من نفسه شخصاً مرثيّاً بالدرجة الأولى، بعدما تبدلت الأوضاع، وأصبح يعيش حياة أسوأ بكثير من الحياة التي عاشها المرثي، يقول:

«الشُّعراءُ الذاهبونَ قبلَنا

لم يروا (الكابوي)

في الجزيرةِ السعيدة

يغتصبُ السيدةَ - القصيدةْ

على فراشِ (عروة بن الورد)

وَهْوَ غارقٌ في نومِهِ

يحلمُ أن ينشَرها».

ويعبّر خالد محادين عن عدم مفاجأته بخبر وفاة تيسير، مما يعني أن قصيدة الرثاء المعاصرة تجاوزت حالة الصدمة التي يحياها الشعراء في رثائهم للفقيد وتصويرهم هول الفاجعة. ويمكن تفسير ذلك بتردي الواقع العربي، وتحوله إلى بيئة خصبة بالأحزان ومحفّزة على الخلاص، مما جعل الموت أمرّاً محبباً للنفس، ومتوقع الحدوث في أي لحظة:

«ما هزّني النبأ

كأنني قُبَيلَ أنْ يجيءَ كنتُ في انتظاره:

الشاعرُ انطفأ».

وتزداد آلام محمد القيسي بمرارة الفقد، فينشد الحقيقة التي تجعله أكثر إحساساً بفعل الموت، ويسعى إلى اختزال المسافات عندما يسقط الحلم، في ظل بقاء الحزن معلماً للأسى، يكابد الشاعر من خلاله الانحناء في القصيدة بصمت:

«ولتيسير سبول

أقفُ الآنَ قليلاً، صامتاً

في وحشةِ المسرحِ، محزوناً، أقول:

(الأحباءُ الأحباءُ قليلاً ما أقاموا)

هذه الجدرانُ لا تبلى

ويبلى مَنْ أقاموا».

ويتحد خالد الساكت بمعاناة تيسير، معبّراً عن مأسوية الحياة، وقتلها للأحلام، فكان رثاء النفس بدلالة الآخر مؤشراً على الاشتراك في المعاناة، وتوحيداً للغة الثكل والألم الخالصة:

«عرفتُ أَنني أعرفُ بعضَ جَهْلي

- كانَ الغرورُ في الصبا جناحْ -

وحينَ ودّعتُ الصبا وراحْ

دبيبُ أيامي يصافحُ السرور

ويئد المولودَ في نفسي مع المولودْ

أيقنْتُ أن رحلتي هواءْ».