محمد لافي - ثمة ثنائيتان تحكمان المنتج الروائي لسحر خليفة، الاولى: ثنائية «الرجل والمرأة»، والثانية: ثنائية «الاحتلال والمقاومة».. في الاولى، تضع الرجل نقيضا للمرأة، وفي خندق المواجهة معها، وتقدمها على انها الشهيدة اجتماعيا، بما يعنيه ذلك من ادانة لبنية المجتمع الذكوري، كما في رواياتها «لم نعد جواري لكم»، «مذكرات امرأة غير واقعية»، و«الميراث».
وفي الثانية، ترصد خليفة الواقع الفلسطيني تحت حراب الاحتلال، حيث يُمثّل منتجها الروائي شهادة فنية حارة، وطازجة، على زمن الاحتلال: سياسيا، وعسكريا، واقتصاديا، معيشيا، كما في رواياتها «الصبار»، «عباد الشمس» و«باب الساحة».
تتلازم هاتان الثنائيتان حتى وان تقدمت احداهما على الاخرى، ومثلت الهم المركزي كقضية المرأة، فان ثنائية «المقاومة والاحتلال»، ورصد مجريات النضال الوطني الفلسطيني تظل في الواجهة، كما في رواية «الميراث» على سبيل المثال.
في روايتها الجديدة «ربيع حار» التي صدرت عن دار الاداب ببيروت 2005 تواصل خليفة رصد الواقع الفلسطيني بكل ابعاده، واذا كانت «الميراث» قد رصدت معطيات اتفاقية اوسلو التراجيدية على مجرى النضال الوطني الفلسطيني، حيث غول الاستيطان ما انفك يبتلع المزيد من اراضي الضفة والقطاع على مرأى من السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا حول لها ولا قوة، وحيث الجماهير الفلسطينية تخوض معركتها الوطنية ضد الاحتلال، والطبقية ضد بؤر الفساد، واصحاب الامتيازات.. نقول، اذا كانت «الميراث» قد رصدت مرحلة اوسلو، فان «ربيع حار» ترصد المشهد النضالي الفلسطيني بعد انهيار تلك المرحلة، وما تبع ذلك من حصار، واجتياح، للمدن والقرى التابعة للسلطة، والمذبحة الدموية في نابلس القديمة، وحصار مقر الرئيس عرفات في رام الله.
و«ربيع حار» اذ تُسجل هذا المفصل من تاريخ القضية الفلسطينية، فانها تقدم المناخ النفسي للعمليات الاستشهادية، مجيبة بذلك عن التساؤلات المطروحة في الساحة الدولية حول المقاومة والاستشهاد، وما يسميه الغرب بـ«الارهاب».
نتقرى هذا المناخ المتخم بالمرارة، والاحباط، وانسداد أُفق الحل على امتداد الرواية، سواء أكان ذلك في الحوار، ام على لسان الراوي، واصفا الصراع الجواني الذي تعيشه شخوص الرواية.
«فها هو يغطس في برك الدم، ويتنفس دخان البراكين، لماذا ما عاد يخاف الموت، هو او غيره من هذا الجيل؟! جيل ولد في الاحتلال، وتربى عليه، وعاش جوه، والاحتلال يعني التناقض: ثورة واذلال، عمالة وفداء، خسة ونذالة وتجسس، وكذلك تضحية قصوى تصل الفداء بتفجير الذات، وهو هنا كفة ميزان تتأرجح، بل لا ميزان، فامور الشعوب توزن بالعقل والمصالح، اما هنا، فكل الحسابات دون بوصلات، وهذا -ببساطة- يُفسر لنا لماذا غنى لمحمود درويش، ثم غنى: سيبوني يا ناس بحالي اروح مطرح ما اروح.. هو ابن جيل طالع ونازل لم يعرف الا الهزيمة، واحتقار الذات، وكردة فعل تنتفخ الذات بقصيدة شعر، وحلم خارق يملؤه الغاز، ثم ينفجر بعملية افق ضحل». (ص55)
هكذا سيظل خيط السرد محكوما بهذا المناخ، يقطر نقدا، ساخرا مرا لمجمل الاوضاع السياسية، والمعيشية، التي يحترق في اتونها شخوص الرواية، سواء أكانت رئيسة ام ثانوية، فتقرأ -على نحو مباشر- في معرض نقد اوسلو، وترجمته على الارض:
«انهم سيهجمون، وسيحتلون، او بالاحرى، سيعيدون احتلال قطع السُّلطة، وقطع السُّلطة كانت اشبه بقطع السّلَطَة، والناس -ايضا- يقولون بغيظ ضاحك: امن السّلَطَة، حكومة سلَطَة، فوضى السَّلَطَة، وقرف السّلَطَة.. قطع السُّلطة كانت مساحات جغرافية اشبه بقميص ممزق، كل قطعة بواد: الياقة هنا، والكم هناك، وقطعة من الصدر، وقطعة من الظهر، وبلا ازرار، تراها على الخارطة كبقع الزيت في ماء عكر، وتقول ما هذا الحل؟ لا شكل، ولا حد، ولا فاصل، اما القادة، ففصائل، وقبائل، وتنظيمات مثل الخيار، والبندورة والفجل، والخس، والبقدونس في سحارة ينقصها القعر، والسقف، والغطاء، وبلا جوانب، جاءوا بها من ارض الملح، وفرموها مثل البالات، وحشوها مثل الفرشات، وباعوها للفلاحين، والفقراء، والارامل». (ص246)
هذا الواقع، اضافة الى ممارسات الاحتلال من اعتقالات، واهانات، وقتل فردي على الحواجز المنتشرة كالفطر على مداخل المدن، والقرى التابعة للسلطة، وتجريف الاراضي الزراعية، واقفال سبل العيش، وصولا الى المذابح الجمعية، وحصار مقر الرئيس عرفات في رام الله، هذا الواقع الذي تضج به الرواية هو الذي يشيع المناخ النفسي للعمليات الاستشهادية، ودفعها الى الواجهة، بعد ان أُغلقت كل السبل للخلاص على المستويين: الذاتي والموضوعي، وهو ما حمل بطل الرواية احمد فضل القسام على القيام بتفجير نفسه في سيارة اسعاف، بعد ان دهمت الجرافة «الاسرائيلية» داعية السلام «راشيل» صديقة «ميرا» ابنة المستوطن الصهيوني من «كريات شيبع»، اثناء تظاهرة للاحتجاج على تجريف ارض «عين المرجان» لاقامة الجدار العازل، حيث غدا حلمه -اي احمد- بتطوير موهبته، ليصبح فنانا تشكيليا، او مصورا مهما، مجرد عبث في واقع كهذا يغيب فيه الامن، ولقمة العيش، وهو ما ترجمه حواره مع الخوري الذي ارسله والده فضل القسام لاقناعه بالعودة الى البيت، وترك العمل مع فريق الاسعاف، الذي وجد نفسه منخرطا فيه اثناء الاجتياح، ولم يغادره بعد مذبحة نابلس القديمة.
هذا النهج الواقعي الذي يحكم مضمون الرواية، وخط سيرها، لتكون اشبه بسجل للنضال الوطني الفلسطيني، سينسحب على ابطال الرواية، خاصة تلك الشخصيات الرئيسة غير الجاهزة، التي تنمو، وتتطور على وقع الاحداث، وتصوغ خياراتها بعفوية تامة، بعيدا عن الافتعال، واسقاط رغبات الكاتبة كما في شخصيتي الاخوين احمد، ومجيد فضل القسام، وتلعب المفارقة -في هذا السياق- دورها في التمويه الذي يضفي عنصر التشويق، ومتابعة خيط السرد المغاير لتوقعات القارئ، خلافا لكثير من الاعمال الروائية، حيث يكون بمقدور القارئ التنبؤ بخط تطور الشخصية، او الشخصيات الرئيسة، ومآلها.
لقد ساهمت الشخصيات الثانوية بدور واضح في تكريس النهج «الواقعي الفني» للرواية، ولا اقول «الوثائقي»، هذا ما سنناقشه لاحقا، سواء أكان ذلك باسناد الشخصيات الرئيسة، ودفعها الى نهايتها المنطقية، ام بتكبير صورة الواقع، لنرى ما يمور في جوفه من احداث، واتجاهات سياسية، وفكرية.
فعلى المستوى الاول، كان لا بد من وجود فضل القسام، الصحفي، ذي الاتجاه الوطني، المناهض للاحتلال، والذي يكره في ابنه احمد صورة الطفل الضعيف، الخجول، السرحان، وكان لا بد لهذا الاخير ان يتعرف الى ام سعاد، الصلبة، المكافحة على الصعيدين: الأُسري المعيشي اثناء اعتقال زوجها، والنضالي الوطني اثناء الحصار، وهو النموذج الذي رأى فيه احمد نقيضا لضعف أُمه «فهي قوية، وصلبة، وبحبوحة، وذات لسان مثل المبرد، ولها ضحكة ذات اصداء تهز الحارة، امرأة قوية، وسخية، وتحب الضحك، وصوتها عال مثل المدفع، وهي تنادي الخضرجي، والفرّان، وبياع الشومر، والنعنع». (ص239)
وكان لا بدّ -ايضا لتعزيز خط احمد الاستشهادي من تعرفه الى شخصية «ابي رامي» القائد العسكري الميداني اثناء الحصار، حيث نقرأ وصفا له قبل استشهاده: «في ذاك الصباح-كالعادة، او ربما فوق العادة، وكأنه كان يودّع- وزّع السجائر، والشواكل، ووزّع عليهم عرق السوس، وحبات العلكة، والنعنع، اعطى لهذا، واعطى لذاك من كل الجبهات، والفصائل: هذا فتحاوي، وهذا حماس، وشيوعي، ما كان لديه اي تميييز، كان الاب، كان القائد، والقائد اب، واحسن من اب.. هذا ما كان يشرح ويقول، وهو جالس عند العتبة، على كرسي قش، وهو يأكل، يأكل بامية، خبزة وجبنة، زيت وزعتر، او ما تيسر، لا شيء خاصا لاجل القائد». (ص268)
حتى شخصية المدرّس التي لم تظهر الا في الصفحة الاولى من الرواية، ومعها شخصية «ميرا» ابنة المستوطن من «كريات شيبع» تلعبان دورا في توليف شخصية احمد، وانطلاقها الى المسار اللاحق، فمن غير وجود المدرس ما كان لفضل القسام ان يهتم بموهبة ابنه الفنية، وهو الاهتمام الذي حمله على ابتياع الكاميرا «الديجيتال» لاحمد، وبسببها تعرف الى «ميرا»، وأُعجب بجمالها اثناء تصويره المستوطنة، ومزبلة عين المرجان المختلف على وجودها قرب المخيم، وادى ذلك كله الى واقعة تسلله الى المستوطنة، واعتقاله.
ونتقرّى الاهمية ذاتها لشخصيتين ثانويتين أُخريين في مسيرة مجيدهما بدر الوشمي، وابنته لورا، فالاول كان سببا في الكشف عن الانتهازية المبكرة، الكامنة في شخصية مجيد، والثانية مهّدت لمآله النهائي، بعد ان ساعدته -دون قصد- في الوصول الى محطات التلفزة الفضائية بواسطة عملها كمراسلة للـ«بي.بي.سي».
وعلى المستوى الثاني، تؤكد الشخصيات الثانوية ضرورتها في سبر الواقع، وحركته السياسية، والفكرية، من خلال قناعات الشخوص، وانتماءاتهم، ورؤاهم، فاذا كان ابو رامي بصموده، ومناقبه القيادية النضالية، قد مثّل عاملا من عوامل تصليب شخصية احمد، فان وجوده كان ضروريا -ايضا- للتأكيد على الجانب الآخر من صورة السلطة، اذ اننا لا نعدم وجود مناضلين انقياء في صفوفها، وهذا ما يؤشر اليه وجود «النصراوي» كقائد سياسي نظيف لم يلوثه المنصب.
وفي قراءة ادوار الشخصيات الثانوية نتقرى الفرق بين التنظير من الخارج، والعمل الميداني على الارض، من خلال الحوار الساخن الذي اثاره المحامي الفاشل اخو سعاد، المقيم في عمان، اثناء وجبة الغداء التي دعي اليها فضل القسام، وابنه احمد، في بيت ام سعاد، وبحضور والد سعاد الذي أُطلق سراحه.
على هذا النحو تلعب الشخصيات الثانوية المذكورة، وغيرها، دورها في الحبكة الروائية، فكل له موقعه، وضرورته.. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، تُطل ثنائية «الرجل والمرأة»، ولكن على استحياء شديد -هذه المرة- من خلال الاشارة الى علاقة الحب القديمة بين سعاد والنصراوي، الذي عرض عليها الزواج مجددا بعد ان كان قد تزوج من غيرها، الا اننا نفهم من تتبع خيط السرد عدم تحقق ذلك.. تبدو هذه الثنائية عبر ادانة سلوك النصراوي، ممثلا بالرجل الذي ما انفكت تحكم اداءه صورة المرأة الحرملك» على الرغم من ادائه النضالي، وصورته النقية وطنيا.
وتأسيسا عليه، لا بطولة «سوبرمانية» لدى هذه الشخوص، واذا كان احمد قد توّج مسيرته بهذه العملية البطولية، فانها لم تغادر تلك النهايات المحزنة، التي يؤطرها الفاجع الفلسطيني.
اذن، لا «سوبرمانية» لدى ابطال خليفة، فهم بشر من لحم ودم: يفرحون، ويبكون، ويحلمون بمشاريع صغيرة لا تخرج على مساق معطيات الواقع، تنتابهم لحظات ضعف كما لحظات قوة، وعليه، فلا تزغرد ام سعاد لاستشهاد ابن غزة العريس، والاخ الوحيد بين سبع بنات، على الرغم من شخصيتها القوية، وعليه -ايضا- يحاول فضل القسام ابعاد ابنه احمد عن العمل في فريق الاسعاف بعد مذبحة نابلس، على الرغم مما عرف عن نهجه الوطني المقاوم للاحتلال في مقالاته الصحفية، مثلما حاول في لحظة ضعف مماثلة اقناع ابنه مجيد قبل سقوطه بتسليم نفسه بعد اتهامه بقتل بدر الوشمي.
لا تزييف للواقع لدى ابطال خليفة، ولذلك يكتسبون واقعيتهم، ومصداقيتهم، من غير ان يفقدوا -مع ذلك- سماتهم كشخوص روائية بامتياز.
على هذا النحو تتراجع ثنائية «الرجل والمرأة» تحت مطرقة الواقع، لتسجل «ربيع حار» مفصلا مهما في مجريات النضال الوطني الفلسطيني بحرارة وصدق، يلغيان المسافة بين الابداع والواقع، من غير السقوط في براثن الوثائقية والتاريخية الجامدتين، فالرواية ليست تسجيلا تاريخيا لزمن مضى، وهي ليست مشفوعة بالوثائق بنصوصها الحرفية، انها قراءة مُكبّرة للوقائع في خطها العام، ولحظتها الراهنة، في الوقت الذي لا تتنازل عن اشتراطاتها الفنية، التي تدفع بهذا العمل الى الواجهة كرواية نموذج لمفهوم الواقعية المستوية: حبكة، وشخوصا، ولغة، مما يؤكد خطل التصنيف النقدي، الذي يضع هذه الرواية، ومجمل المنتج الروائي لخليفة في باب الوثائقية، او التاريخية، وذلك نقيضا لمفهوم الرواية الحقيقية، التي تتبصر في لحظتها الراهنة، وتضيؤها، وتتقرّاها فنيا، بجرأة عالية تحذف التاريخية السلطوية، لتصبح هي -لا غيرها- التاريخ الابداعي، الذي يتصدى لقول المسكوت عنه، وتحريض المتلقي/ القارئ لنشدان البديل، وهو -بالضبط- ما اضطلعت به سحر خليفة في روايتها الموسومة «ربيع حار».