مياه البربيطة.. مهوى الافئدة «المكلومة» بفقد اعزاء مصيرهم قعر «البركة»

مياه البربيطة.. مهوى الافئدة «المكلومة» بفقد اعزاء مصيرهم قعر «البركة»

الطفيلة -  غازي العمريين- معتصم ابن الست سنوات، كان يتشوق لرحلة طالما وعده بها والده الى مياه البربيطة في محافظة الطفيلة، فقد استعد وجهز لها اكثر من  شقيقه  «مؤمن»، لكن يد القدر حالت دون استمرار البهجة فالتهمت مياه البربيطة المعدنية (معتصم وشقيقه) ووالدهم الذي حاول ان يفعل شيئا لانقاذهم.. ولكن هيهات.
قصة، وأي قصة ؟ 00 وفاة ثلاثة اطفال، في وضح النهار، امام اعين الام الثكلى، والاب المفزوع 000 وطائفة من الاهل والاقارب، خرجوا للتنزه، من تلك القرية البعيدة في الكرك، (55)  كيلومترا، عن منطقة البربيطة، كان مؤمن قد اعد لها فيلما للتوثيق، وآلة التصوير، أستأجرها، لهدف رئيس، قال انه سيرصد فيها حركات حبيبه معتصم، الذي دخل اول روضة تأسست في القرية  بحسب والده.
والد «ايمن الضلاعين» الذي حمل معه الطفلة الصغرى وعمرها عام واحد، والطفل حمزة، الذي بلغ الصف الثالث، وهم حصيلة من نجا من الرحلة، قال «انطلقنا في التاسعة صباحا، مع اسرة خالهم، المهندس في شركة البوتاس، فأخبرنا من كان مناوبا على المقص، ان الحمامات تخضع للصيانة، لكنه ارشدنا الى الابتعاد عن مناطق العمل، والتنزه في الوادي، الذي تتدفق المياه فيه سيلا باتجاه الاغوار، ولم يمض اكثر من خمس دقائق على وصولنا المكان، لنبدأ الاعداد والتهيئة لوجبة الطعام، دون ان نلحظ خطورة في ما حولنا من المياه، ليطلب الطفل معتصم اللهو في الماء قربنا، لكنها لحظة واختفى، ليتبعه مؤمن، محاولا إنقاذه، ثم اختفى، وعاجلنا محمد، الذي تبعهم، ونحن نرى، ونتدافع من اجل معرفة ما يجري، ثم تبعتهم، وحاولت جاهدا ان اخرج من الماء الذي وجدته على شكل بركة، معظمها باتجاة المقطع الصخري، ولولا  جهود الاسر الموجودة، الذين تماسكوا بالايدي  لغرقت معهم.
ويتابع «بادر بعضنا الاتصال بالدفاع المدني، للاخبار عن حادث غرق ، فوصلت سيارة اسعاف بعد ساعة من الطفيلة، لبعد المسافة، الذين طلبوا سيارة انقاذ، ذات امكانات للغوص، جاءت بعد ثلث ساعة ، وانتشلوا الاطفال من قعر البركة، نقلوا بعدها لمستشفى الامير زيد في الطفيلة
ويعقب والد الاطفال الذي بدا كسيرا حزينا من ألم يعتصره بفقده اشباله الثلاثة ان في منطقة البربيطة الزراعية ذات المياه المعدنية الحارة، سكان وعائلات، الى جانب البدو المنتشرين في ارجاء المنطقة، وطلبة المدارس في المدرسة الاساسية،  ما يجعلهم امام الخطر المباشر، ولعل الحادث ـ بحسب الضلاعين ـ كشف عن عدم معرفة الجميع بهذه التجمعات الخطرة للمياه على امتداد الوادي، وزاد ان في المنطقة كثيرا من الزوار والمتنزهين في ذلك اليوم، ومعهم الاطفال، ما يستدعي وجود مركز للدفاع المدني في منطقة تخدم الحمامات في عفرا والبربيطة، ولمناطق سد التنور التي غرق فيها شاب بعد اطفالنا
وعتب الضلاعين على مستشفى الامير زيد الذي رفض نقل الوفيات الى مستشفى الكرك الا بعد جدال طويل، وكذا فعل مستشفى الكرك، الذي رفض نقلهم الى قرية جوزا، لتبادر الشركة الصينية الى نقلهم، في سيارة اسعاف تابعة لها، محذرا المواطنين، اخذ الحيطة في مثل هذه المواقع التي تعد مصائد لارواح الاطفال والشباب، وان تبادر الجهات المسؤولة الى توفير وسائل للسلامة العامة في عفرا والبربيطة حفاظا على هذه الارواح
اما السياحة التي تنفذ مشروعات في الحمامات، فقد اشار خالد الوحوش مدير المكتب في الطفيلة الى انها اعلنت منع زيارتها منذ التاسع حزيران من العام الماضي، حفاظا على سلامة الزوار، بعد المباشرة في تنفيذ مشروع لتطوير الحمامات في البربيطة، بكلفة ( 138)  الف دينار وآخر في عفرا بكلفة (485)  الف دينار، وقال ان لجنة للسلامة العامة قامت بجولة في المنطقة التي تشمل كذلك سد التنور، وستكتب توصيات واقتراحات وفق التصور الذي تراه مناسبا استنادا الى الواقع


وقال ان عمليات التنفيذ للمشروعات المنتظر انجازها قبل منتصف العام الحالي  كانت السبب وراء منع الزوار، في وقت لم تتوقف فيه حركة العبور الى هذه الحمامات من قبل اصحاب الاراضي الزراعية، والعمالة المحلية والمقاولين، والتجار، واللجان الحكومية من الوزارات والدوائر والمؤسسات، وسكان المنطقة، في حين يرشد المناوب عند نقطة الدخول للحمامات الزوار الى الذهاب الى مواقع سياحية وتاريخية في السلع وضانا، الى حين الانتهاء من العمل
ويرى احد ابناء المنطقة ان في البربيطة مواقع ذات خطر يزيد على الموقع الذي قضى فيه الاطفال الثلاثة، واخرى اقل خطرا، لكنه اشار ان في الوادي طفرات لاعشاب وحشائش، جعلت من المكان غابة وادغالا، تزيد في درجات الخطورة على ارواح وحياة الزوار، وخاصة الاطفال منهم، اذ يرى ان البربيطة منطقة تخلو من التنظيم والطرقات الترابية ذات المعالم الواضحة الآمنة
ويوضح علي العزامي، من المنطقة، ان البركة القديمة، ذات المياه الحارة، التي هي الاساس في شهرة الموقع، والتي جعلت المكان قبلة للزوار، على نحو يوازي اهمية مياه عفرا، لقربها من الطريق الرئيس، كانت محلا للغرق والموت، قبل عمليات التطوير الحالية، وحتى خلالها، اذ توفي فيها شاب من مدينة بصيرا، ويضيف المشهد الحالي وتحديدا الوضع السياحي يمثل اشكالية صعبة، اذ ان عمليات التطوير قد تجاوزت مواعيدها، المحددة في الاول من آذار الماضي، الى جانب قضية نقص الخدمات الاساسية في الحمامات، والتي من ابرزها مركز للدفاع المدني، ومراكزصحية ذات مناوبات تتفق وطبيعة دور هذه الحمامات، التي تشهد زيارات في سائر ساعات النهار والليل، فضلا عن انعدام الاستثمارات الحقيقية فيها
من جهتها تطالب الهيئات الادارية والعامة للجمعيات السياحية في المحافظة، بأدارة هذه الحمامات، بأعتبارها تملك الخبرة الفنية والادارية، من اجل توفير خدمات للزوار من خلال مشروعات استثمارية، توفر الاجواء الآمنة لطالبي السياحة والاستشفاء في هذه المياه، ذات الخواص العلاجية النادرة
ويقترح الدكتور توفيق البدور، صاحب عيادة في الطفيلة، ان هذه المواقع الخطرة ستظل مكانا للموت والرعب، رغم انها مهوى افئدة كثير من الناس لما لها من قيمة سياحية وعلاجية، بأن يجري تسيير وحدة متنقلة للاسعاف والاطفاء والانقاذ، في المواقع المذكورة، تحوي وحدة جراحية وعلاجية، من اجل الحفاظ على ارواح وسلامة المواطنين، الى جانب تخصيص طائرة عمودية، للدفاع المدني، لمراقبة الطرقات الرئيسة في المملكة، من اجل سرعة انقاذ المصابين في الحوادث   على تلك الطرقات، على ان تحمل طواقم متخصصة في قضايا الدفاع المدني، بدلا من هذا الموت العاجل على الطرقات، وفي الحمامات
من جانبه قال مدير الدفاع المدني في الطفيلة، المقدم فارس الخرابشه، ان للدفاع المدني خطة مقترحة، من بينها انشاء مراكز في ابو بنا والعين البيضاء، سيخدم الاول المواقع السياحية في التنور وعفرا والبربيطة، ومناطق شمالي المحافظة، في اشارة الى رفع مخاطبات للادارة في عمان من اجل تخصيص اراض للمراكز الجديدة، تمهيدا للمباشرة في الانشاء، على انه يرى ان هذه المواقع بعد ان تنتهي اعمال التطوير فيها، سيجري الزام ادارتها باشتراطات للسلامة العامة، التي من ابرزها وجود منقذ في الموقع، من اجل سرعة الوصول الى الحالة
وفاة جديدة في مياه سد التنور، وثلاثة اطفال قبلها، تؤهل المواقع السياحية في الطفيلة، الى اجراءات رسمية، او تطوعية، من خلال الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية  لتقوم بادوار حضارية، على ذات النحو الذي تفعله الدول المتقدمة، لحماية مواطنيها.