من المعروف أن المستعمرين الروس كانوا ولا يزالون يولون بالغ الاهتمام لقضية الرواية التأريخية عند العرب. حيث كان أول من اهتم بالرواية العربية ليس فحسب في روسيا بل في الغرب عامة المستعرب الروسي الكبير كراتشكوفسكي الذي جعل يتعمق في القضية أثناء رحلته الى بلاد الشرق العربي فى أوائل القرن العشرين. فقد تعرف شخصيا آنذاك على العديد من الأدباء العرب المعاصرين له وفي مقدمتهم والد الرواية التاريخية العربية جورجي زيدان.
هدا وفي تحليله للرواية التأريخية العربية يتجه كراتشكوفسكي بالدرجة الأولى الى الجذور التأريخية لهذا النوع الأدبي، التي تكمن في السيرة الشعبية،التى بدورها منبثقة من أيام العرب. والمصدر الآخر من الرواية التأريخية العربية هو المؤلفات في علم التأريخ التي كانت واسعة الانتشار عند العرب في القرون الوسطى. ولقد أشار كراتشكوفسكي الى أنه هناك بعض الأساليب السردية الخاصة بالسيرة الشعبية التي نجدها أيضاً في الرواية التأريخية المبكرة.
وفي السبعينيات قد طورت هذه ا لملاحظات بخصوص العلاقة بين الرواية التأريخية والسيرة الشعبية تلميذة كراتشكوفسكي حنا دالينينا. والى جانب ذلك لقد ألم في هدا الموضوع الباحث الداغستاني تيكاييف في كتابه الصادر في سنة.2003 هذا ويتبين مثل هدا الثأثير في روايات كل من زيدان وأبو حديد. وفيما يتعلق بالاعتماد على الأصول التأريخية فانه ظاهر في رواية سليم البستاني «الحب في زمن فتح سوريا»، حيث يرى دالينينا أن هدا الكاتب كان يستفيد من «فتح سوريا» المنسوب الى الواقدي، وذلك في حقيقة الأمر مرجع تأريخي ألف في عهد الحروب الصليبية.
أما المصدر الآخر للرواية التأريخية عند العرب فهي، كما يعتقده كراتشكوفسكي، ترجمات الروايات التأريخية الأوروبية التي كانت تحقق على نطاق واسع في كل من سوريا ولبنان ومصر، ودلك يخص بالدرجة الأولى روايات الاسكندر دوما ووالتار سكوت.
فقد أثر الأدب الغربي في تبلور الرواية التأريخية العربية أيضا من خلال رواية الرسائل، وذلك النوع الأدبي الذي كان منتشرا في أوربا في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. فمثال هدا التأثير «حضارة الاسلام في مدينة السلام» لجميل المدور، حيث هدا المؤلف حتى لا يمكن أن نعتبره رواية بحد ذاتها اذ لا توجد فيه قصة روائية.
جدير بالذكر أن كراتشكوفسكى كان يعرف جورجي زيدان شخصيا وقد أعجب بنبالة اخلاقه وواسع اطلاعه في كل من الثقافتين العربية والغربية. وكان يرى أن التعلم الأوروبي الإيجابي السائد آنذاك على الفكر الغربي أيضا كان احد مكونات روايات زيدان. وكان يعتبر مؤلفات الأديب العربي العلمية مرجعا هاما لمعرفة تأريخ الأدب العربي الحديث. ومن دواعي الاستغراب أن مستعربنا الكبير كان يرى انجازات زيدان التي اعتبرت هينة بسيطة من المنطلق الأوروبي، معترفا ببالغ قيمتها بالنسبة الى الثقافة العربية. وأكيد أنه قد برزت في ذلك نزعة المركزية الأوربية المميزة من الفكر الغربي في تلك الحقبة التأريخية. ومن الناحية الأخرى قد شخص كراتشكوفسكي أن روايات زيدان كانت تتمتع باهتمام القراء خارج الوطن العربي، وذلك في كل من الهند وايران وتركيا وآسيا الوسطى والقوقاز وبين مسلمي منطقة فولغا وسيبيريا.
لقد كان كراتشكوفسكي أول من فرق بين روايات زيدان المكرسة للتأريخ الحديث وبين رواياته التي تدور الأحداث فيها حول تأريخ الاسلام الكلاسيكي.و قد بين الباحث أن الفريق الثاني من الروايات أقوى من الأول من الناحية الفنية.
أما تلميذة كراتشكوفسكي الأستاذة الدكتورة دالينينا فانها قد اكتسبت شرف اكتشاف الهيكل القصصي الذي يكمن في أساس روايات زيدان. ذلك انه نجد في كل رواية منه عاشقين يحول دون زواجهما بطل سلبي كما يمنعهما من ذلك سائر الظروف. وفي نهاية المطاف يتدخل الحاكم الأعلى الذي يؤدي بالقصة الى النهاية الايجابية. وتتوصل الى النهاية السعيدة أغلبية روايات زيدان.
هذا وواضع «تأريخ الأدب العربي الحديث» الأكاديمي كريمسكي يذكر زيدان ونشاطه الابداعي فقط في الهوامش ويتطرق بالتفصيل فقط على ابداع فرخ أنطون وعلى روايته «أرشوليم الجديدة». ويصف الباحث الروسي رواية أنطون بأنها صوفية تأثرت بأفكار كل من شاتوبلايان وبيرناردان دي سينت بييلا وزول سيمون وتولستوي وكذلك روسو. ويشير كريمسكي الى أن عنوان الرواية يرمز بداية العهد الجديد ذلك عصر الاسلام. ومن هذا المنطلق يعبر فرخ أنطون عن تعاطفه مع الدين الجديد، ويصف عمر الخطاب شخصية بارزة وفي نفس الوقت يعتبر القيصر هرقل انسانا هينا.
وأما الميزة الأخرى لهذه الرواية التي قد شخصها كريمسكي فهي الأسلوب اللغوي البسيط الذي قد تكون بتأثير اللغة الفرنسية.
الذي قد تقدم ذكره مبني على استقصاءات شيخي علم الاستعراب الروسي. وأما وريثتهما في دراسة الأدب العربي الحديث فانها الأستادة الدكتورة دالينينا. فإلى جانب الذي ذكرناه تتعمق دالينينا اكثر الى النظر في الآراء السياسية الاجتماعية لمؤلفي الروايات التأريخية، منهم سليم البستاني وفرخ أنطون وجورجي زيدان وجميل المدور. وفيما يتعلق بالخصائص الفنية للروايات التأريخية لتلك الفترة فتشير دالينينا الى ان الجانب الفكري غالب فيها على الجانب الفني، مما يجعل الروايات المذكورة تشبه أكثر الروايات التنويرية الأوروبية للقرن الثامن عشر من الروايات الأوروبية التأريخية الرومانسية للنصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث انها بعيدة كل البعد عن الروايات الأوروبية لاواخر القرن التاسع العشر وهي المؤلفات المعاصرة لأوائل الروايات التأريخية العربية. هدا ومن غاية الأهمية أن الأستاذة دالينينا قد تخلت عن تقييم الروايات التي كانت تبحث فيها تقييما فنيا من منطلق الأدب الأوروبي، حيث يتبين في ذلك تجاوز المركزية الأوروبية.
ويمكن القول ان المستعرب الداغستاني المعاصر الدكتور حسين تيكاييف يواصل تقاليد استقصاء الرواية التأريخة العربية الروسية من ناحية، ومن ناحية أخرى يوسع نطاق المادة القابلة للبحث ونطاق الاشكاليات التى يمسها في دراسته. ذلك وهو سابقة في الاستعراب الروسي إذ توجه الى دراسة الروايات العربية المصرية للعشرينيات والثلاثينيات للقرن العشرين. ومن ثم فانه ومن المنطلق الجديد يطرح مسألة التناسب بين الخيال الابداعي والمراجع التأريخية والروايات التي يبحث فيها. حيث يبين الاعتماد الاستقصائي على المراجع عند الأرياني، وخاصة في الرواية عن شجرة الدر، وادخال الشخصيات الخيالية علي نطاق واسع، وذلك في روايات الجارم. كما أن الباحث الداغستاني يشير الى أن السيرة الشعبية لها تأثير في تلك الروايات ولكن في الغالب دون وعي من قبل واضعي الروايات نفسها. أما النقطة الأخرى فهي يرى الدكتور تيكاييف أن مؤلفي الروايات يسجلون التفاصيل التأريخية بالدقة.
كما أن الباحث يشخص الأساليب الجديدة في رسم صور الشخصيات التأريخية من أمثال تيمورلنك عند أبو حديد وتومانبي عند الأريان.
أما الميزة الأخرى للنثر الروائي التأريخي الفترة المذكورة التي يشخصها الدكتور تيكاييف فذلك الشخصيات النسائية الجذابة، مثل زنوبيا عند أبو حديد وشجرة الدر عند الأريان وزوجة تومانبي الوفية عند نفس المؤلف.
وفي نهاية المطاف يشير المستعرب الداغستاني الى أن أبو حديد كان أول من صور شخصية ابن الشعب البسيط وهو جحا في الثنائية المكرسة له.
لقد كانت للروائيين التأريخيين المصريين انجازات فنية أخرى قد استفاد منها الأدباء الواقعيون في الستينيات عندما قد تحول الأهتمام الابداعي من النثر التأريخي إلى النثر الواقعي الاجتماعي.
وتعقيبا للموضوع يجب القول ان علم الاستعراب الروسي، بما في ذلك في المعهد السوفياتي قد قطع شوطا طويلا في دراسة الرواية التأريخية العربية من أول نشأتها الى منتصف القرن العشرين، فلا يسعنا الا مواصلة بذل الجهود في سبيل استمرار تقاليدنا الدراسية في هدا المجال.
* باحث روسي