التاريخ العربي والرواية فـي عيون غربية - سميحة خريس

التاريخ العربي والرواية فـي عيون غربية - سميحة خريس

تاريخ النشر : الجمعة 01:00 1-4-2005
No Image
التاريخ العربي والرواية فـي عيون غربية - سميحة خريس

تحقيق ـ  سميحة خريس- «جمع من المجانين» هكذا وصفت المستشرقة الايطالية ايزابيلا كاميرا مجموع المحبين للثقافة العربية من الغربيين الذين صرفوا عمرهم يحققون الأدب العربي ويعملون على نشره وترجمته وتقديمه للعالم، وهي واحدة من هؤلاء الذين وقعوا في عشق الأدب العربي وصرفوا حياتهم له، في هذا الحوار المفتوح مع اربعة من أشهر العاملين على الثقافة العربية نتنقل بالفكرة، وكأننا نسير على جسر يهتز، تارة هم قادرون على مواصلة ما يشبه النضال لصالح الأدب العربي وتارة ناقمون على عدم التفاعل العربي مع جهودهم المخلصة، كما أنهم يقتربون بجرأة واعجاب من تاريخ العرب ويراهنون على أن اعادة صياغة هذا التاريخ في الأدب هي السبيل الأفضل للقاء الشرق بالغرب، ويبدو بعضهم أكثر ايماناً من العرب أنفسهم بطاقات هذا الأدب وقيمته الانسانية والعالمية، كما ينظرون إلى التاريخ العربي بإجلال مؤكدين أن الرواية قادرة على تقديم صورة مقنعة للغرب منتقدين وبحذر الفكر الغربي الذي يصدرون عنه.
ايزابيلا كاميرا /ايطاليا:
 نحن جمع من العشاق المجانين 
انشغلت المستشرقة الايطالية ايزابيلا كاميرا في الاعوام العشرة الماضية بترجمات لمشروع ذاكرة البحر المتوسط، كما قامت بجولات مكوكية في العالم العربي للترويج لهذا المشروع،  واستقطاب المهتمين حوله، ايماناً بأن التاريخ العربي للمدينة يحمل تاريخ الانسان وبالتالي هو خير صورة عن واقعه تاريخاً وحاضراَ.
نحاورها انطلاقا من هذا المفهوم.
$ لماذا هذا المشروع؟ هل حقاً تريدون تقديم التاريخ العربي عبر الرواية العربية؟
- تأتي فكرتنا في الغرب عن التاريخ العربي  بما نقرأه من كتب دونها غربيون وأميركان، إذا لا نقرأ أبداً ما يكتبه العرب عن أنفسهم، وبهذا نتلقى معلوماتنا عن العرب من الشمال إلى الجنوب، لهذا تبدو الرواية الطريقة الأفضل لتلقي المعلومة من الجنوب إلى الشمال، كونها تساعدنا في فهم تاريخ الشعوب تحديداً، على نفس الطريق اكتشفنا نحن في أوروبا  ما حدث لحملة نابليون في روسيا، لقد عرفناها من رواية ديستويفسكي، وليس من التاريخ المكتوب.
 من الرواية اطلعنا على رأي الشعب الروسي بالحملة، وهذا في تقديري في غاية الأهمية، هناك تصور شفاهي للتاريخ أما الرواية التاريخية التي نقوم بترجمتها فهي وسيلتنا لمعرفة تاريخ العرب، هذا ما دفعنا لإشهار  مشروع ترجمة رواية البحر الأبيض المتوسط الذي هدف إلى ترجمة الأعمال التي تتناول تاريخ بلادها من وجهة نظر لم يسبق معرفتها
$ لكن هذا المشروع توقف، ولم نعد نسمع بإنجاز جديد له، لماذا؟
- لقد غرقنا بالكلام ، إذ يبدو لي أننا كنا  تجمعاً مكوناً من مجموعة من «المجانين»  الذين آمنوا بالفكرة، قمنا بإصدار كتب عديدة  لكتاب عرب  مدفوعين بمحاولة لفهم الشعب ، وقد أنجزنا أمراً جيداً في تقديري ولكننا لم نتلق أي تقدير حقيقي، فقط كلمات، لقد قدموا لنا في الغرب والشرق قدموا الكلمات وهكذا فشل المشروع، لم نلق اهتماماً غربياً ولا عربياً، وهذا كان الأمر الأكثر سوءاً، فوجئنا، لأننا لم نتوقع الإهمال العربي للمشروع، أليس هذا مشروعاً عربياً ولصالح العرب.
$ ماذا عن معرض فرانكفورت الذي استضاف العرب؟ ألم يكن محاولة لرأب الصدع وإقامة الجسور بين الشرق والغرب؟ 
- مرة اخرى في معرض فرانكفورت كان واضحاً أن الغرب لا يهتم للعرب، كما أن العرب لا يهتمون لأنفسهم، لقد عامل الأوروبيون العالم العربي كوحدة واحدة  ثقافياً، وهذا غير دقيق، إذ تتباين التجربة، و كان لا بد من إبراز هذه التباينات، فليس كل الشرق الأوسط على سوية واحدة، وحتى لو رضينا بذلك فإن الصورة المطروحة نمطية وغير صحيحة وفيها الكثير من الافتراء على العرب،، كما أن العرب لم يكونوا بالتنظيم المقبول.
 ليس كل مستشرق يحمل أهدافاً لتزوير الصورة العربية التاريخية والمعاصرة ـ بدأ الأمر بهذه الصورة ولكن هناك لتفسير  يساهمون بتغيير الصورة، وبإمكان الباحث المخلص المتجه للحقيقة أن يقدم صورة أفضل للثقافة العربية ولكن التواصل بين العرب والباحثين المخلصين  ضعيف جداً و مقطوع أحياناً.
 رغم حرصي الخاص على كل ما يخص الابداع العربي  لم يتم الالتفات لي أبداً في مثل هذه التظاهرة الفرانكفورنية، حتى دور النشر المهتمة بنشر الأدب الأدبي العربي لم تكن مدعوة أساساً، وكان هناك آخرون لا علاقة مباشرة بينهم وبين الانتاج، مجرد وجود شكلي، وكما عرفت لم يثمر المعرض عن مشاريع مستقبلية. 
$ لماذا تراهنين إذاً على مثل هذا الاهتمام الثقافي الذي يبدو خاسراً؟
- بالنسبة لي أحب الثقافة العربية، أتنفس من هوائها، لهذا أستمر مع أني لا احصد شيئاً، لذلك يمكن القول إننا معشر المهتمين جمع من المجانين !
هارت فاندريتن/المانيا:
 على العربي أن يخترع تاريخه
$ كيف تفسر الاهتمام العربي اليوم بدراسة التاريخ، وتصدي الروائيين خصوصاً لهذه المهمة؟
- يواجه العرب اليوم مشاكل تاريخية، إذ أن تاريخهم كان مسروقاً لحقبة كبيرة، نظراً لما تعرضوا له من استعمار اوروبي، إذ أن كل استعمار يسرق تاريخ الشعب الذي يقتدر عليه، لذلك من المهم أن يكتب التاريخ اليوم، أو الرواية التي تعنى بالتاريخ، إذ على العربي أن يجد تاريخه أو يخترعه من جديد، فكل تاريخ اختراع، ذلك أن التاريخ غير موجود أصلاً وفي كل الحضارات، فما يوجد هو الحوادث.
$ هل تعني بذلك أن التاريخ ليس علماً له أصوله وقوانينه؟
-  البحث عن الحوادث هو العلم، وكل تفسير يحمل شيئاً من صفات العلم، ولكن لا يمكن مقارنته بعلم الكيمياء مثلاً، فعلم التاريخ خطاب بمعنى أنه يفسر ويعيد التفسير مراراً.
$ وماذا عن دراسة الأوروبيين للتاريخ العربي، ألم تحمل هذه الدراسة تفسيرهم الخاص المغاير للوقائع؟
- بالطبع يكون تفسير الحوادث وتفكيكها مختلفاً، ويزيد اختلافاً عندما يقدم من جهة المستعمر، ذلك أن التفسير متعلق بموقف المحلل، من هنا لا بد للعربي من إيجاد خطابه وتقديمه ليغير صورة ما، نحتاج إلى البحث العلمي عن الوقائع، ولكننا نحتاج أكثر إلى الخطاب، لأن لكل عرض أو خطاب حكاية مختلفة، فالحكاية التاريخية ليست مرتبطة بالوقائع كما حدثت، لهذا يمكن القول بأهمية الرواية التي تستطيع اختراع حوادثها واجتراح خطابها، بينما يطلب من الخطاب التاريخي التزاماً أدق بالحوادث.
$ إذاً المطلوب من الرواية خطاب مضاد؟؟
-  هذا أمر لا جدال فيه، ولكن المهم هو مدى اختلاف الرواية عن التاريخ، و أنبه إلى أهمية الخطاب وما يحمله من رسالة ، فمثلاً في فلسطين هناك خطابان، العربي والاسرائيلي، يمكن تصديق كلا الخطابين، المهم كيف تقدمه، والمشكلة ليست لدى العرب روائيين ومؤرخين ولكنها تكمن في اعتماد الأوربيين الرواية كوثيقة علمية حول التاريخ العربي، فجل أفكارنا استقيناها من الأدب.
فنحن حين نقرأ أعمالاً من الأدب الفرنسي أو الانجليزي، نعي أننا لا نقوم باستخراج حقائق تاريخية عبر هذه النصوص، نعلم أنما فيها مجرد عرض لفكرة الروائي عن الحياة، ولكن بالنسبة للأدب العربي والعالم الثالت، نجد الصورة مغايرة، إذ نتعامل مع الأدب كوثيقة تاريخية مما يجعل المهمة تبدأ أولاً من  تغيير نظرة الأوروبيين ليقتنعوا بأن الأدب العربي ليس محاولة لتقديم الحقيقة،  ولكنه محاولة لتحليل أفكار حول الحقيقة.
$  هل يعود هذا الأمر لغياب ما يكفي من الوثائق، بحيث تشكل الرواية مرجعاً وحيداً عند الغربي عند العرب؟
- هذا ممكن للغاية.
$ هل يعني هذا أن سوق الأدب العالمي بخصوص الترجمة يفرض تصوراته على النصوص المترجمة، بحيث يبحث الغرب عن إعادة لقصص ألف ليلة وليلة، أو ما يدين الفكر العربي ويبرز تخلفه وارهابه، مما أنتج مجموعة كتاب ينساقون لشروط السوق في سبيل الترجمة؟
- هذا صحيح جداً، القارئ الغربي يتوقع من الأدب العربي قصصاً غرائبية وحكايات خرافية، وهذا أمر خطير، لأنه يعني عدم تصحيح وجهة النظر الاوروبية للعالم العربي، فلسنا ننظر إليه كمنطقة عادية، ولكن كحيز خاص يمور بعناصر موصوفة بالغرائبية وأشياء مما ذكرت.
 حتى في الجامعات توجد هذه التصورات، فليس من الممكن أن ندرس في الجامعات الألمانية الأدب العربي بعيداً عن الدراسة الإسلامية، وعلى أهمية هذا الربط إلا أنه يعني أننا نناقش الأدب من وجهة نظر دينية، وهذه  كارثة في الحد من تطور التفكير الاوروبي تجاه العرب.
$ ألا يخرج هذا المنحى  معظم الأدب المعاصر من هذه المعادلة الغريبة؟
-  نعم يحدث هذا، وهذه من المشاكل التي تسبب عدم قبول الأدب المعاصر، إلا وفق شروط أخرى، في الغرب هناك توقعات غريبة حول النص العربي، وهي توقعات مغايرة عن تلك المطلوبة من أدب أميركا اللاتينية مثلاً.
$  هل السبب في هذا أن التعامل يتم مع لغة اسبانية؟ وهل حقيقي أن الغرب الاوروبي عندما ترجم أعمال أميركا اللاتينية لم يخضعها لذات الشروط من حيث البحث عن الغرائبية والمطالبة بمواقف موالية له كما هو الحال عند ترجمة النص العربي؟
- بقدر ما نعم، ولكن هناك فرق في النظرة إلى العالم اللاتيني هناك فرق عن نظرتنا للعرب، نقبل اميركا اللاتينية أكثر كجزء من عالمنا الاوروبي كوننا كما أشرت نشترك بلغة متقاربة، والأكثر كوننا نصدر عن دين واحد، لهذا تختلف نظرتنا إلى العالم العربي الذي نشعر به أبعد عنا برغم أن المسافة الجغرافية أقصر.
$ هل هذا ينطبق على الهند، المغايرة لغة وديناً؟
- الهند محايدة بالنسبة لنا، أما تاريخنا حول البحر المتوسط فقد كان حافلاً بالمواجهات، الثقافية والعسكرية على حد سواء، وهذه هي المشكلة، ما زلنا نعيش في إطار هذه المواجهات، هذا الأمر موجود في ثقافتنا الاوروبية، فلو زرنا متحف اللوفر مثلاً نجد اللوحات التي تصف العربي أو التركي أو المسلم تصوره بنمط معين، هذا أمر لا يجب انكاره، وما هو ضروري اليوم أن نتحدث عن هذا التاريخ بكل صراحة وبروح نقدية، فالتاريخ الاوروبي ضد المسلمين العرب، والعرب ضد الغرب،  كان تاريخاً دامياً، إن علينا الاعتراف بالحقائق التاريخية لهذه المواجهات، مما يسمح لنا بتجديد تفكيرنا بالعالم العربي وبتاريخه، في كل مناطق العالم علينا أن نعترف اننا كبشر حملنا تاريخاً دموياً في التعامل مع بعضنا بعضاً، فالتاريخ يصنع بالدموع والدم والفرح وإغناء الحضارة، التاريخ كل هذا، هو ليس حاملاً للبعد الجميل فقط، إذ له وجه قبيح، وهذا ما هو ضروري للفهم لإقامة الجسور بين العرب والغرب، وهذه وظيفة التأملات.
$ أتعني أن هذه وظيفة السرد الروائي؟ وكيف يمكن فصل مثل هذا التأمل عما يسمى بسبب من العولمة «صراع الحضارات»؟
- اعتقد أن هنتننغتون المسؤول عن هذه الفكرة، كان على خطأ في كثير من الأبعاد، ولكن في نفس الوقت غير مسموح لنا بتضييع الشجاعة وتضييع فرص الحوار واللقاء، رغم الحديث عن صراع الحضارات، والمشكلة أن كثيراً من الشعوب والحكومات تؤكد بما تفعل هذه الفكرة السلبية، ونحن علينا أن نتصرف إزاءها من الموقف المضاد.
$ من تقصد ب «نحن»؟؟ من يتمكن من الخروج عن مسيرة القطيع، هل تراهن على الأدب ؟
- لست متأكداً من قدرة الأدب على تغيير العالم ومسيرة السياسة والأقطار ولكني آمل، ما زلت آمل أن هناك سبلاً أخرى ممكنة ضد هذا التيار الذي يرسخ الهوية الذاتية، هذه الهويات تحدد في ذات الوقت هويات أخرى، لتوجد فكرة أن الآخرين مختلفين كل الاختلاف عن الذات. 
$ برأيك، من الذي بدأ هذه الأزمة التي طالت الجميع، الشرق أم الغرب؟
- كأنك تسألين عن البيضة والدجاجة، كلنا في ذات العربة ! $ هل ما تقوم به من ترجمات يعتبر جسراً على العرب؟ وكيف تجد التفاعل معه؟
- منذ عشرين عاماً وأنا اترجم الأدب العربي وأهتم وأتابع، وحتى اليوم لم يحاول أن يتصل بي مسؤول واحد عن الثقافة العربية في أية دولة عربية، كل ما أقوم به جهد فردي، كذلك أسأل  : أين المثقف العربي المهتم.
$ هناك دعوات في العالم العربي ما تزال رائجة للانقطاع عن التاريخ وهناك دعوات على النقيض تدعو للالتصاق به واغلاق الابواب مع الغرب، بحيث لا يسمح للمهتمين مثلك  بالدخول، ربما هناك اتهام يطال أهدافكم أيضاً، كيف تفسر الامر؟ 
-  قد يكون ذلك لأن  الاستشراق بدأ في خدمة الاستعمار، ولا أعرف ما هي مشكلة العرب عندما لا يتمكنون من التفريق بين الصديق والعدو، فالمؤسسات العربية لا تبحث عن الأصدقاء في اوروبا، هذه واحدة من المشاكل التي تجعل من الأمر يستمر، الغرب غرب معاد، لذلك لا يعترفون بصداقة وأيضاً بفائدة، فنحن نستطيع أن نفيد العرب، لقد كان تنظيم الوجود العربي في معرض فرانكفورت مثلاً سيئاً، لم يكن هناك أية محاولة لتنظيم علاقة مع المهتمين، وقد استغربنا من تنظيم الجامعة العربية في ترؤس العرب للجلسات وتقديم زملائهم، بدلاً من محاولة ايجاد ارضية للقاء الالمان بالعرب.
ديمتري ميكولسكي/روسيا:
 اهتمام العرب بتاريخهم
 أمر ايجابي 
يعمل المستشرق الروسي ديمتري في معهد عريق، هو معهد الاستشراق الذي أسس سنة    1818 م باسم  المتحف الاسيوي  في سان بطرسبيرج، وكان مخصصاً  للمخطوطات وقطع النقد الاسلامية ، وقد توسع المعهد كثيراً ليشتمل على  أقسام للتاريخ المعاصر ومناطق الشرق، يعمل ديمتري في قسم الأصول التاريخية «شعوب الشرق» ويتخصص في كتب المسعودي، وقد حقق ترجمة جزء من مروج الذهب المكرس للدولة العباسية، كما ألف أول كتاب روسي في ترجمة أبي حيان التوحيدي، وترجم أعمال أميل حبيبي وغسان كنفاني وسحر خليفة وسواهم من الكتاب العرب المعاصرين، في مؤتمر القاهرة للرواية التاريخية كان لنا معه حوار حول قضايا المؤتمر :
$ هل يعني هذا المؤتمر حول الرواية التاريخية العربية شيئاً مهماً بالنسبة لك كمهتم بالابداع العربي؟
- أظن أنه مؤتمر فريد من نوعه لمناقشة الرواية والتاريخ، فأنا أعمل في مجال علم الاستشراق من زمن طويل واعتبر أن  هذه أهم تظاهرة تكرس لمثل هذا الموضوع، يمكن القول إن العرب أكثر الشعوب بعد الصينيين اهتماماً بتاريخهم واقبالاً على فهمه، وتوجد احصائيات أن المؤلفات في التاريخ في جميع خزانات الكتب العربية القديمة كانت تحتل المكانة الثانية بعد  نسخ القرآن، والمؤلفات في مجال التشريع.
$ ماذا تعني هذه الظاهرة؟ و ما أهميتها؟
- أعتقد إنها ضمن التوجه التقليدي للعرب المحبين للسرد، فأيام العرب نواة حب العرب للسرد التاريخي، ويعتقد ان جورجي زيدان من مبشري المعرفة التاريخية المعاصرة،  وذلك من خلال مؤلفاته ورواياته، لقد نشر المعرفة وحبب القارئ بالتاريخ، ومناقشة هذا الموضوع في مثل هذا المؤتمر دليل على أن التاريخ لا يزال حياً في ظروف العولمة،  وفي ظروف التجديد والنزاعات المعادية للثقافة في الدنيا بأسرها، وقد لاحظت أن المواطن العربي مهما كانت مكانته أو ثقافته، لديه اهتمام بتاريخه.
$  اليست هذه نزعة ماضوية تؤثر على العربي وتشده إلى الخلف دون النظر الى الأمام، مما يجعل مما تقول إشارة إلى عنصر سلبي؟
- الحقيقة أن هذه النزعة ايجابية في نهاية المطاف، فلدينا في روسيا والاتحاد السوفييتي السابق وبالرغم من الثقافة الجيدة كان هناك الكثير ممن انقطعوا عن اصولهم بسبب عدم اهتمامهم بالتاريخ والثقافة القومية الوطنية، فالأزمة المأساوية التي نعيشها الآن من حيث عملية  تغيير ثقافتنا، إنما هي نتاج هذا النقص الكبير بالاهتمام بالتاريخ، لهذا أرى العرب في هذه الناحية أقوى منا، و أجد في هذا التوجه أمراً ايجابياً وحضارياً هاماً.
$ ماذا عن الموافقة على القراءة التي يقدمها العرب من وجهة نظرهم، هل وقعنا في فخ تزوير التاريخ؟
- يستحيل ان يكون الإنسان محايداً في مواجهة تاريخه الوطني، أما مسألة التزييف أو التحقق في الأمر، فهي مسألة معقدة جداً، لأن التاريخ مهما كان مفصلاً ومعتمداً على الوثائق فانه دائماً أسطورة، الأسطورة الصورة، المطلوب منها أن تكون شبيهة بالحقيقة، أما الحقيقة في التاريخ فهي أمر مشكوك فيه جداً، في ذلك ربما نجد تقصيراً في تفكيرنا الإنساني، وتقصيراً من الثقافة الانسانية عامة، وعلى أية حال هناك صورة صادقة من العرب تجاه تاريخهم،  وهذه ركيزة لإنجازهم.
روجر ألن /أميركا:
طه حسين قاد إلى مصيبة
بحق التاريخ العربي
 روجر ألن أستاذ كرسي الأدب العربي في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا المختص بالأدب المقارن، والذي ترجم  لنجيب محفوظ وجبرا وعبد الرحمن منيف، تحدث حول قضايا التاريخ والترجمة مؤكداً أنه مهتم بالأدب  المغاربي كون هذا الأدب غير مدروس بشكل كاف من قبل الغرب.
$ كان لك اهتمامك بالابداع العربي عبر مشروع ذاكرة المتوسط، أين هذا المشروع اليوم؟
- مشروع ذاكرة  البحر المتوسط قدم نصوصاً مترجمة مما يسمى المذكرات العربية، وقد اختارت لجنة  متكاملة من عدة جنسيات هذه الأعمال المتفرقة من العالم العربي، وقد توقف هذا المشروع، لم يكن لدينا مشاكل في نشر النصوص المترجمة ولكن بعد الانتهاء من عشر سنوات هي الفترة المحددة لاشرافنا على العمل، قمنا خلالها بجولة في الدول العربية لاستقطاب الاهتمام دون  أي نجاح، كنت حاضراً في اجتماع لاتحاد الناشرين في المؤتمر الثاني للرواية نتحدث عن معرض فرانكفورت «أعوذ بالله» وكان لدينا أمل وتفاؤل بالقادم، لكن هذا مجرد وهم.
$ ما الذي يجعلك تتحدث عن معرض فرانكفورت هكذا؟ ألم يكن فرصة جيدة للحوار؟
-  الحقيقة ما مضى قد مضى، إذ كان هذا المؤتمر نموذجاً مصغراً لمشاكل العالم العربي، واعتبر أن المهتمين بالأدب كتاباً ومترجمين مساكين حقاً إذ ظلوا منقطعين عن بعضهم بعضاً، أتساءل عن  المسؤول، هل هي الجامعة العربية؟ أرى أن المؤسسات متخصصة بالكلام، ولا فعل.
$ عند الحديث عن الرواية والتاريخ هل تملك فهماً خاصاً لمعنى ودلالة كلمة «التاريخ»؟ 
- لا شيء يدعى ب «التاريخ»، أو أن ليس هناك شيء واحد يمكن تسميته «التاريخ»، قد يكون ما مضى،أو تدوين ما مضى، أو دراسة ما دون من التاريخ، ثم بعد ذلك دراسة المؤرخين أنفسهم، كل هذه المواضيع مختلفة في المبادئ ومناهج البحث، ولكن الجميع يتعامل معها على سوية واحدة على أنها مفهوم التاريخ، أو التعامل مع الاحداث.
$ كيف ينظر الغربي إلى الحدث أو التاريخ ووقائعه، هل يقترب من رؤية المؤرخ أم الروائي؟
- نعترف في الغرب بأن التاريخ أصلاً سرد، في عصر ما بعد الحداثة هناك اشكالية مصطلحات، عندما نقول «الواقع»، ماذا نعني؟  وما هو الواقع الذي يعتمد الوعي، وثانياً المصطلح الأخطر وهو «الحقيقة»، هل هناك ما يسمى الحقيقة؟؟ أمام كل هذا وفي صيغة تطبيق التاريخ نحن نواجه مشكلة التاريخ المتوفر بصيغة نصية، الآن وبعد إدماج المواد الاجتماعية خصوصاً اللغويات والانثربولوجيا داخل المواضيع المدروسة، هناك تاريخ شفهي متوفر لدى المصادر الشعبية فقط، وعند دراسة العلاقة بين التاريخ والرواية لا بد من التطرق إلى نصوص السيرة الشعبية التي توفرت الآن بصيغة نصية، لم يعد هناك حكواتي في سياق المقهى، لقد تحولت السيرة إلى نص، لذا علينا أن  نهتم بما هو موجود وما هو غير موجود، بما هو مضاف وما هو محذوف، نفس المبادئ مستعملة في تقييم الروايات، نفس النقطة الرئيسة عند المنظر الاميركي هيدن وايتس الذي كتب عن الميتا تاريخ «ما وراء التاريخ»، فما هو الفرق بين نص تاريخي ونص روائي وسيرة ذاتية؟ ليس هناك فروقات عظيمة إلا لدى القارئ، المسؤولية عند القارئ، هناك عقد بين الراوي داخل النص والقارئ، وهذا هو أساس علم التلقي، أكثر ظني الآن إذا أخذنا التاريخ كسرد نصل إلى رؤيا أفضل من الاهتمام بالأبعاد السياسية ودقة تصوير الوقائع التي يمنحها التاريخ الرسمي الذي قد يكون مثيراً ولكنه غير مفيد، العلاقة بين التاريخ والرواية هي طرق تفسير والتحليل للنص، في هذا السياق يمكن أن نأخذ روايات لكثير من الكتاب على درجة من الأهمية. وأعتقد أننا بذلك نصدر عن ذات النظرة شرقاً وغرباً حول موضوعات الوعي والأصالة.
$ وماذا عن الحداثة وما بعد الحداثة  تلك التي تشغل العالم، والغرب على وجه التحديد ؟
- ما زلنا أمام مشكلة تعريف الحداثة وما بعد الحداثة ، وغير ممكن التعريف بها إلا بصيغة البحث بين الماضي والحاضر،  فالحداثة موقف من الماضي لا من الحاضر،  بالنسبة للعرب المشكلة تكمن في مفهومهم للماضي، وفهمهم لفكرة النهضة، إذ أراه ناقصاً، إذ كيف لنا عرباً وغير عرب  أن نفهم  الحركات داخل العالم العربي دون معرفة القليل عن القرون السابقة، فالعصور ترتكز على بعضها بعضاً.
  وأكثر ظني أن العرب ما يزالون يربطون بين الحداثة ودخول المستعمرين والفكر الاوروبي، هذه كانت بدايات النهضة، وهكذا ارتبط المعنى بأن الحداثة نتيجة النهضة، والنهضة عبارة عن الدخول الاوروبي على العالم العربي، أنا لا أوافق على هذا الرأي مطلقاً، ولكن ما هو غائب عن البحث عند مراجعة النصوص الموجودة داخل العالم العربي انها تكاد تختص بالفترة العثمانية تحديداً والمملوكية أيضاً، فمثلاً «المحبي» الذي مات نهاية القرن السابع عشر ذكر في كتابه، أكثر من ألف مؤلف مصري، ماذا نعرف عنهم؟؟ لا شيء ما عدا أسماء قليلة مثل «الساعاتي»، ولكن تخيلوا ألف مؤلف في مصر في تلك المرحلة التي وصفت بالانحطاط، هكذا دون نتائج أدبية !! من رواد فكرة سيطرة الغرب على العرب طه حسين الذي عاد من فرنسا يحمل فكر جوستاف لوسيون في أهمية الأدب الوطني، وماذا فعل؟؟ قال اهملوا فترة كاملة من الإنتاج الثقافي العربي، أهذا هو منظور العصر الذهبي !! أعتقد أن هذه مصيبة.
$ بالمقابل هناك فئة اخرى انغلقت على التراث وشككت بكل منجزات العصر الحديث خوفاً من السيطرة الغربية، كيف ترى إلى هذا  الأمر؟
- هذه مشكلة حقيقية، يجب أن أعيد للذكر سيطرة الثقافة العربية على النهضة الأوروبية، ما حدث يومها كان مزجاً للحضارات، وهذا ما ينقص البحث العربي في هذه الفترة على الأقل،أي دراسة كيف يتم المزج.
 أكثر البحوث تفضل الحكاية الأوروبية لحقب من التاريخ، وليس الحكاية العربية أو المحلية، وأدق الدراسات لهذه الاشكاليات يجب أن يعنى بالروايتين معاً، وبالعلاقات مع التيارات الاخرى وخصوصاً الاشارة إلى مبادرات القرن السابع عشر،  فمثلاً كان هناك مبادرة الباحث الأميركي «بيتر جراند» الذي ترجم كتابه إلى العربية بعنوان «الاسلام وأصول الر أسمالية»، انظروا مثلاً لتناول الباحثين العرب، لقد سبقت حلقة الزبيدي العلمية كتاب اليازجي بزمن طويل، ولنفهم أكثر، نجد أن اليازجي  قرأ مقامات الحريري عبر كتاب من تحرير «سلفستس ساسين»، بينما نعرف من الوقائع بأن هذا الكتاب كان من مقتضيات دراسة كل طالب في حلقة الزبيدي الذي عاش قبل اليازجي بخمسين عاماً، فكيف يمكن أن ندعي أن إحياء مقامات الحريري جاء بعد عصر انحطاط !! هذا الأمر لم يدرس كفاية، إذ كان للمقامة حضورها طوال القرون منذ الزمخشري إلى السيوطي إلى شهاب الدين الخفاجي.
$  ألم يكن هذا الحضور شفاهياً لا يرقى إلى مرحلة التدوين، وهي المرحلة التي تفصل ما بين انحطاط وازدهار؟
- أبداً، لقد كانت المقامة أحد الأدلة التي تدحض فكرة الانحطاط، قد يكون هناك تصور جمالي نقدي مختلف لدى الغرب والعرب، وهذا موضوع دراسة لم يفها أحد حقها، فقط يحلو لنا أن نشير إلى فترة انحطاط، ونحن الأوروبيون من أشعنا الفكرة، وللاسف رسخت لدى العرب وتبناها بعضهم، وهي فكرة ترتبط ارتباطاً ميكانيكياً بكيفية قراءة التاريخ كونها تقيم، وإذا ما تذكرنا أن الاصلاحي أحمد أمين قال إن الأتراك دخلوا في القرن السادس عشر وخربوا كل شيء، فنحن أمام مغالطة أخرى، إذ كيف والأتراك أصحاب شعر جميل وحس وثقافة عميقين، وأرى في نظرة أحمد أمين محاولة اعتذارية عن انصراف الباحثين عن الدراسة الدقيقة لثلاثة قرون.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }