هاني غاوي -  انتهى التلفزيون الاردني مؤخراً من عرض المسلسل السوري ليالي الصالحية، ولا تزال بعض المحطات العربية تعرض حلقاته، وقد كُتب الكثير حوله، وحظي المسلسل بالكثير من المدح والاطراء خصوصاً ما يتعلق بالجوانب الفنية والاخراجية، واحياء العادات والتقاليد الشامية القديمة .. الخ، ولن اتعرض في هذا المقال الى شيء من ذلك، اولاً لأنني لا افهم في شؤون المسلسلات الفنية من تصوير وملابس وزخرفة واثارة وقطع ووصل .. الخ، وثانياً لأنني لا اعتقد ان كل ما في تراثنا هو جيد، فهناك الحسن وهناك الرديء، ولكني سأتطرق الى الجانب الرئيس من المسلسل وهو النص.
هناك ظاهرة في معظم النصوص التي تعرضها الشاشة على شكل مسلسلات، وهي ظاهرة الاستخفاف بعقل المتلقي، ما يجعلني اعرض عن مشاهدة المسلسلات عموماً، ولولا اهتمام ابنتي ذات السنوات الاربع بهذا المسلسل وبالذات شارة المقدمة، ما كنت تابعت بعض حلقاته او ربما معظمها، وان دل هذا على شيء فانما على عجز المؤلفين عن عقد الحبكة للعمل الادبي - ومن ثم حلها - بشكل عقلاني ومنطقي يحترم عقل المتلقي، ما يجعل احدهم يهرب من هذه العقدة، او لنقل ينتكس دون الوصول اليها، مع انها تمثل ذروة العمل الادبي وقمة الامتاع فيه، فيبدأ بتوسل طرائق وحيل للإلتفاف عليها والدوران حولها، عوض تجشم عناء الصعود اليها والوقوف على رأسها.
واذا عدنا الى «ليالي الصالحية» فانا واجدون ان الكاتبة قد وقعت في المطب المذكور آنفاً، وقد تمثل هذا في الموقفين التاليين:
اولاً: لقد صورت لنا الكتابة منذ البداية ان المعلم عمر على درجة لا بأس بها من الذكاء والفطنة وكذلك امرأته سعدية، ولكن الكاتبة تجاهلت هذه الميزة التي اصبغتها على بطلين رئيسيين من ابطال قصتها، حين جعلت المعلم عمر ينسى مفتاح المحور الرئيس في الرواية كلها (اي الامانة) وهذا المفتاح هو «العلامة» المتمثلة بنصف صحن الخزف (الزبدية الصيني) مطروحاً على منضدة في غرفة نومه بعد ان كان قد تفقد الامانة وعلامتها ذات يوم، ثم جاءه ضيف فأسرع في اخفاء الامانة ولكنه نسي «علامتها» موضوعة بشكل ظاهر على المنضدة، وامتد هذا النسيان اياماً عدة، مع ان «العلامة» كانت تحت بصره وبصر امرأته سعدية كل يوم، ومع ما لهذه العلامة من اهمية قصوى، ومع وجود العلاقة المتوترة مع ابن عمه المخرز بسبب هذه الامانة، ما يجعلهما (الامانة والعلامة) محور تفكيره وبؤرة اهتمامه، فكيف مع كل هذه الظروف ينسى المعلم عمر وامرأته وجود هذه العلامة بشكل يعرضها للسرقة بسهولة، وخصوصاً ان هناك محاولة سابقة لسرقة الامانة من قبل ابن عمه المخرز اثناء سفره الى طبريا؟!!
ان ترك «العلامة» بهذه الطريقة الى حين قدوم ام المخرز لسرقتها، لا يتناسب مطلقاً مع شخصية كل من عمر وامرأته سعدية، بل يحتم ان يكونا في غاية السذاجة والبلاهة حتى يحدث ما حدث، او ان تكون الصفتان الآنفتان من صفات المتلقي!
ثانياً: وهذه اهم من الاولى، واوضح في استغفال المتلقي واستهباله، فبعد ان سرقت ام المخرز «العلامة» عمد ابنها الى شراء صحن مماثل وقام بكسره الى شطرين، وطلب من امه ان تعيد «العلامة» المسروقة الى مكانها في غرفة نوم ابن عمه عمر، ثم بعث احد اعوانه لاظهار النصف الثاني من «العلامة» للحصول على الامانة، وتم له ذلك وحصل على مبتغاه، واثناء مشاهدتي لهذه الحلقة، كنت اظن ان المخرز قام بارسال نصف الصحن الخزفي الذي ابتاعه وكسره مع امه الى بيت ابن عمه بديلاً عن النصف الذي سرقته امه، وذلك حتى يتطابق هذا النصف مع النصف المتبقي عنده، لأنهما نصفا صحن واحد، ومن الطبيعي ان يتطابقا، ولن ينتبه المعلم عمر الى التغيير الحاصل، لأن النصف الجديد مشابه للنصف الأصلي، ولكني فوجئت في حلقة لاحقة، عندما عاد صاحب الامانة واظهر نصف الصحن الاصلي، ان هذا النصف قد تطابق ايضاً مع النصف الذي اعادته ام المخرز! وهذا لا يمكن ان يتم الا اذا كان النصف المعاد من قبل ام المخرز هو النصف الاصلي، واذا كان هذا ما حصل فعلاً، فان عملية احتيال المخرز بنصف جديد لا يمكن ان يكتب لها النجاح، وقفزت عن المنطق ضاربة عرض الحائط بذكاء المتلقي! وهاربة في الوقت نفسه من هذه الاشكالية التي تحتاج الى جهد اضافي وكبير لتجاوزها حتى تكون الأحداث منطقية ولهذا فضلت الكاتبة ان تعود القهقرى من عند هذه النقطة وتبدأ بالنزول قبل وصول القمة التي خارت قواها دون بلوغها.
وقد كان باستطاعة الكاتبة ان تتجنب الوقوع في هذا المطب، لو انها لجأت الى المنطق، وركبت الصعاب، لأن الحبكة لم تصل مداها بعد، ووصولها مداها كان سيتمثل بوصول صاحب الامانة، وعرضه العلامة، التي لن تتطابق مع نصف الصحن الموجود بحوزة المعلم عمر (اذ انه سيكون نصف الصحن الذي ابتاعه المخرز واحتال بواسطته)، وعندها سترتقي الرواية ذرى جديدة، تزيد من صعوبة تنفس المتلقي، تماماً، كما هو الحال في الطبيعة، عندما يرتقي الانسان قمة جبلية عالية، فان تنفسه يزداد صعوبة بسبب نقص الاكسجين هناك، ثم بعد بلوغ هذه القمة تبدأ الكاتبة بالبحث عن ممرات آمنة للنزول الذي لا يقل صعوبة عن الصعود.
لكنها لم تفعل واختارت السلامة والعودة الآمنة قبل ذلك بكثير.