مـــــن أوراق يعقوب العودات «البدوي الملثم» .. الملك المؤسس أنشأ ثاني مجمع علمي عربي ونادى بالحفاظ على اللغة والتراث

مـــــن أوراق يعقوب العودات «البدوي الملثم» .. الملك المؤسس أنشأ ثاني مجمع علمي عربي ونادى بالحفاظ على اللغة والتراث

إعداد وتحرير -  كايد هاشم - الراحل يعقوب العودات «البدوي الملثم» (1909-1971) من مثقفي الأردن وأُدبائه الأوائل الذين ارتادوا مجالس المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين فعرفوا جلالته عن كثب، وبادلوه الأحاديث، وخاضوا وإياه في الحوار والبحث الأدبي في جلسات متعددة. وكغيره من بعض هؤلاء دوَّن بقلمه ذكريات، فيها صور ولمحات ممتعة من تلك اللقاءات والأحاديث، بل انه بدأَ ـ وربما قبل غيره من أدباء جيله ـ في الإعداد لكتاب يؤرخ فيه لسيرة الملك المؤسس، ويخص أدبه وشاعريته ومجالسه بنصيب وافٍ من ذلك الكتاب ... ولكنَّ هذا المشروع لم يكتمل، وبقي المغلف الذي جمع فيه البدوي الملثم بعضاً مما دوَّنه، وبعضاً من القصاصات والمقالات والنقولات التي تعينه في التأليف، مركوناً بين أوراقه الكثيرة ومؤلفاته المخطوطة ... إلى أن عثرت عليه بطريق الصدفة زوجه السيدة الفاضلة نجلاء شحادة العودات، وتفضلت باطلاعي على محتوياته حينما كنت أُعد دراسة حول سيرة البدوي الملثم وآثاره، قدمتها في الملتقى الثقافي الثاني لجامعة آل البيت (11-12 أيار 1998) الذي كان موضوعه «أدب السيرة والمذكرات في الأردن».
وفي تلك الدراسة أشرت إلى أن «نكبة العرب الأولى في فلسطين (1947-1948) أضاعت القسم الأكبر من أُصول الكتاب المنتظر، حينما تركَ البدوي الملثم داره في رام الله وعاد إلى الأردن مع أفواج اللاجئين الفلسطينيين، ثم أذهله عن إكمال مشروعه استشهاد الملك عبدالله في عام 1951، وسفره في رحلته الطويلة إلى جمهوريات أميركا الجنوبية مدة عامين ونصف العام (1950-1953) لدراسة تاريخ الهجرة العربية إلى تلك الديار»، والتي وضع من بعدها موسوعته «الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية» في مجلدين كبيرين.
وعلى أيّ حال، فإن المغلف الذي تركه البدوي الملثم، وأودعه ما بقي من أوليات مشروع كتابه، قد غدا الآن بمجمل محتوياته مجموع وثائق غنية تفيد الباحثين في جانب مهم من تاريخ الحركة الثقافية والأدبية الأردنية، ولا سيما أنها تتعلق برائد انطلاقتها، والباعث المباشر العامل على نهوضها: المغفور له الملك عبدالله الأول، مؤسس إمارة شرقي الأردن (1921)، ثم المملكة الأردنية الهاشمية (1946)، الذي كان مع مواهبه السياسية مثقفاً عربياً واسع الاطلاع، ومفكراً وشاعراً أديباً، وكاتباً مؤلفاً. وكانت مجالسه العامرة وجهوده الدؤوبة في تمكين أسباب نشر الثقافة والعلم في البلاد بمثابة مركز الإشعاع الذي أنار أول الدرب لهذه الحركة.
وأجد من واجبي، وقد أتيح لي الاطلاع على ما حدثت به تلك الصفحات المنسية من تراث الرواد، أن أُجدد العهد بها، لتطلع الأجيال الجديدة من القراء والأدباء والكُتَّاب والدارسين على ما يمكن أن يفيدهم في مزيد من التعرُّف إلى ما يتصل بملامح البدايات، وجهود البُناة من أعلام الرعيل الأول. ومع علمي بأنه قد كُتب ونُشر الكثير عن تلك المرحلة، إلاَّ أن الصفحات المطوية ما تزال ملأى بالكثير أيضاً الذي يستحق أن يُعاد إلى الذاكرة الثقافية الوطنية، ويُنقل إلى الأجيال الجديدة، وفاءً وتقديراً لأولئك الرواد الذين مهدوا السبل لمن أتى بعدهم، فكانوا خير ممهدين.
من جرش إلى عمان
في سنة 1937 كان يعقوب العودات أحد معلمي مدرسة جرش، وقد أصدر في تلك السنة أول كتبه: «إسلام نابليون»(1)الذي لفت الأنظار إليه فيما يبدو، كون الإنتاج الأردني من الكتب في ذلك العهد كان ضئيلاً، وكان ظهور كتاب لمؤلف أردني يعد حدثاً يستحق الاهتمام(2)... الأمر الذي حدا بإبراهيم هاشم (1886-1958) رئيس الوزراء ـ حينذاك ـ إلى إصدار قرار بنقل العودات من سلك التعليم إلى رئاسة الوزراء، فاستقر المقام بالعودات في عمان، وأخذ يواصل منها نشاطه الأدبي الذي كان بدأه في سنة 1926 من مسقط رأسه: الكرك، ثم في إربد التي أتم فيها دراسته الثانوية سنة 1931، ثم في عمان ـ لمدة قصيرة ـ وسوف، والرمثا، وجرش مدة ستة أعوام أمضاها معلماً في مدارس هذه البلدات والمدن.
وفي تقديري أن إقامة العودات الثانية في عمان ـ إبتداءً من 1937 ـ هي التي تم له فيها توثيق علاقته بالملك عبدالله ـ الذي كان ما يزال أميراً ـ والتردد على الديوان الأميري، والمشاركة في مجالس جلالته، إذ امتدت هذه الإقامة نحو ثماني سنوات .. حتى عام 1944 حينما انتقل إلى القدس ليعمل في قلم الترجمة التابع للسكرتارية العامة لحكومة الانتداب في فلسطين. وساعدت وظيفة العودات في رئاسة الوزراء بعمان، ثم في المجلس التشريعي ـ حيث عمل سكرتيراً معاراً للمجلس ـ على الاقتراب أكثر من شخصية الملك ومجالسه، وإن كنت لا أستبعد أن يكون العودات قد تعرف إلى الملك من قُرب في وقت مبكر وقبل ذلك ببضع سنوات، بحكم أن الملك عبدالله ـ وكما هو معروف- كان مهتماً ومعنياً بكل صاحب موهبة أدبية في البلاد، ويذكر عارفوه أنه كان يتابع ويقرأ ما تكتبه الأقلام الأردنية خصوصاً، والعربية عموماً، في الصحف والمجلات والكتب، ولا يدع سانحة للتشجيع والدعم والرعاية، وأحياناً للمناقشة والمساجلة والتعليق، تمر دون أن يكون هناك من يحظى بها ... والعودات الذي اشتهر بلقب (البدوي الملثم) كان من الأقلام الأردنية القليلة الناشطة في النشر في الصحف المحلية، وصحف فلسطين وسورية ولبنان منذ 1926 ـ كما أشرت ـ وله في ذلك الحين مقالات كانت تثير أحياناً ردود فعل وتعليقات من جانب كُتَّاب آخرين، وفي أحيان أخرى ينشب الجدل بينه وبين بعض الكتاب والصحفيين والأدباء. ولا بد أن شيئاً من هذا وذاك اطلع عليه الملك وعرف صاحبه أو تعرف إليه في مناسبة ما.
ملك وأمير وشاعر في الكرك
لم أجد بين أوراق «البدوي الملثم» ما يشير تحديداً إلى مبتدأ صلته بالملك عبدالله، ولكن هناك إشارة إلى زيارة المغفور لهما ملك الحجاز علي بن الحسين وأمير شرقي الأردن ـ الملك- عبدالله، إلى الكرك، في شهر آب 1929، أوردها الملثم في مقال له منشور في مجلة «الأديب» اللبنانية بعنوان (جميل دياب شاعر فقدناه) (3)... وجميل دياب صديق للعودات، وهو شاعر عربي من لبنان، وأحد الذين عملوا في مقاومة الانتداب الفرنسي في بلده، وقد حكم عليه الفرنسيون بالإعدام غيابياً بعد أن حاولوا اعتقاله، فتوارى عن الأنظار ولجأ إلى عمان.
وكان جميل دياب ـ حسب رواية العودات ـ قد نُفي من عمان إلى الكرك بعد أن اشترك ومصطفى وهبي التل «عرار» في «نظم القصائد اللاذعة وهجو ذوي الشأن .. وتناسيا كلاهما أنهما معلمان في مدرسة أميرية، فأفضى الأمر إلى عزلهما، لكن لجنة التحقيق عادت فقررت نفي جميل إلى الكرك معلماً في ثانويتها، إذ خشيت عليه من بطش الفرنسيين وتنكيلهم به في حالة إبعاده إلى لبنان!». وفي الكرك نزل جميل في ضيافة «البدوي الملثم».
وعندما جاء الملكان (علي وعبدالله) إلى الكرك، أنشد جميل دياب بين يديهما قصيدة أثارت إعجابهما. ويصف العودات ذلك اللقاء بما يدل على انه كان حاضراً شاهداً .. فيقول: «ومن الذكريات التي ما برحت عالقة بذهني أن الملكين الهاشميين استعادا جميلاً قصيدته مرة بعد تلاوتها، وأخرى على الشاي، ورابعة عند العشاء، وفي اليوم التالي استدعيا شاعرنا النابغ وسألاه إنشادهما قصيدة ذكرتهما بأمجاد خلت لبيتهما الرفيع».
فهل كانت مناسبة الزيارة الملكية إلى الكرك هي أول لقاء بين البدوي الملثم والملك عبدالله، وهل كانت صداقته لجميل دياب والقصيدة التي استعاد الملكان، الشاعر، إنشادها سبباً في التعارف بينهما؟ .. قد يكون الأمر كذلك !؟
ندوة صباحية مع الملك
الذي يؤكد ما اشرت إليه قبل قليل من أن «البدوي الملثم» كان أحد رواد مجالس الملك في الثلث الأخير من ثلاثينيات القرن العشرين(4)، صورة تالية في أوراق العودات سجَّل فيها ذكرى ما أسماه (ندوة صباحية مع المليك الشاعر عبدالله بن الحسين). وقد جرت هذه الندوة «في فجر يوم من أيام تشرين الأول عام 1938 ... جلس المغفور له الملك عبدالله بن الحسين، وتحلقنا حوله نشرب الشاي الأخضر .. ونتحدث في الأدب قديمه وحديثه. وكان جلالته يعلق على كل مذهب من مذاهب الشعر، ويُبدي رأيه في كل شاعر وناثر من أعلام الكُتَّاب والشعراء».
ثم يحدثنا العودات عن نقاشٍ لغوي استغرق معظم وقت الندوة، وشارك فيه أيضاً الشيخ فؤاد الخطيب (1880-1957)المُلقب بـ «شاعر الثورة العربية الكبرى» وكان مستشاراً خاصاً للملك عبدالله في عهد الإمارة، والشيخ أحمد علوي السقاف قاضي القضاة ـ آنذاك ـ ووزير المعارف والعدلية في أوائل الأربعينيات:
يسأل الملك، البدوي الملثم، عن معنى كلمة (الوالي) أو(الوالَه) عند لفظ عبارة (وادي الوالَه) في الكرك، فيجيب الملثم بأن التسمية ربما كانت رمزاً «لزيارة قام بها أحد ولاة دمشق في العهد التركي إلى لواء الكرك التابع عهد ذاك لولايته، مُجتازاً (وادي الوالَه) المعروف». ولكن الملك عبدالله يأتي بتأويل آخر قائلاً: «كلا يا (ملثم)، إن هذه الكلمة وعشرات أمثالها من بقايا الصليبيين في هذه البلاد، فكلمة (والي) العربية مشتقة من لفظة (Vallee) الفرنسية، وعلى تقادم الأيام حُرِّفت هذه اللفظة الفرنسية إلى كلمة (والي) العربية»، ومثلها كلمة (شوب) بمعنى (الحَرّ) في لهجتنا العامية، فالملك يردها إلى الكلمة الفرنسية (Chaud) وهي فيما يرى أيضاً من بقايا الوجود الصليبي في المنطقة.
وعن اشتقاق كلمة (الصلت) أو (السلط) يرى الملك عبدالله أنها «جاءت من فعل (ساليتو) اللاتيني، ومعناه (الشجر الملتف) .. ووادي السلط كان في الماضي أدغالاً ظليلة، متشابكة الأغصان»، ومن هنا جاء اسم الوادي وهذه المدينة الأردنية المعروفة (5).
وقد ذكر بعض من أرّخوا لحياة الملك عبدالله أنه كان يفهم الانجليزية، عدا عن معرفته باللغتين العربية والتركية، وإلمامه بالفارسية(6)، ولكن «البدوي الملثم» يكشف هنا عن إلمام الملك إلى حد ما باللغة الفرنسية، ويذكر حادثة طريفة في هذا الصدد جرت في سنة 1933 حينما استدعى جلالته إلى قصر رغدان، مدير منجرة الآباء السالزيان في بيت لحم، وباحثه في صنع أثاثٍ للقصر، وكان المترجم بينهما تاجراً من عمان، وغابت عن المترجم بعض المعاني في الفرنسية، فأسعفه بها الملك، مما شجع مدير المنجرة على التحدث بالفرنسية مباشرة مع جلالته.
الحرص على سلامة العربية
المعروف عند قارئي أدب الملك عبدالله ودارسي أسلوبه في الكتابة والتأليف والخطابة، أن أُسلوبه الأدبي الذي تجلى في مذكراته - على وجه الخصوص ـ كان يتكىء كما يبين الباحث الدكتور تركي المغيض في دراسة له قيمة حول مذكرات الملك(7)«على أدوات بلاغية وجمالية تعتبر مثالاً رفيعاً للبلاغة العربية من حيث دقة اختيار اللفظ ورشاقته وسهولته، والإصابة في أداء المعنى، مع موسيقية عفوية، وإشباع بياني، وسماحة في الأسلوب».
كان جلالته شديد الحرص على سلامة اللغة العربية معنىً ومبنىً في الاستعمال، دائم الحثّ على العودة إلى الأصول، وخاصة في القرآن الكريم والحديث الشريف، لا ينفك ينبه إلى ضرورة تنقية اللغة من الشوائب والركاكة التي تفسد الاستعمال الصحيح لمفرداتها وألفاظها وعباراتها بدقة وكمال وانسجام.
(من أنا) .. كتاب للملك
وحريّ بمن يضعون مناهج اللغة العربية لمدارسنا وجامعتنا أن يضمنوا كتب تلك المناهج مختارات من مذكرات الملك المؤسس وباقي مؤلفاته وتراثه السياسي والأدبي، ففيها ثروة من الفوائد التربوية واللغوية والتاريخية، وحتى الأدبية الوجدانية التي يجدر بالطالب أن يعرفها ويتمثلها. وليتهم يعيدون إلى مجموعة كتب المطالعة للطلاب كتاباً للملك عنوانه (من أنا) (8)وضعه ـ كما يذكر في تقديمه ـ «رسالة للنشء العربي، سهلة التناول، يعرف بها (النشء) من هو وما دينه ومن هم قومه، فيعتز بذلك ويباهي به». والكتاب نموذج في الحوار والتسامح وإعلاء شأن الحقيقة والاعتزاز بالتراث، في ما اشتمل عليه من سرد شائق ومبسط لتاريخ العرب في القديم والحديث، يجري على أُسلوب السؤال والجواب، وتتناول فصوله الموجزة تاريخ الإسلام ومبادئه، والفتوحات حتى العصر العثماني، وشيئاً عن الإمارة الهاشمية، إضافة إلى نبذات عن الحضارة والعلوم عند العرب، وخاتمة حول الثورة العربية الكبرى.
ونعود إلى «الندوة الصباحية» التي سجَّل العودات وقائعها، فيطلعنا على صورة من صور اهتمام الملك بتقويم الألسنة والأقلام في اللغة، إذ يطرح الملك على جلسائه الثلاثة: العودات، والشيخ الخطيب، والشيخ السقاف .. سؤالاً عن معنى كلمة (لَفا) الشائعة في اللهجة الأردنية وبعض اللهجات العربية في قولهم (لَفا فلان) .. ؟ فيجيب العودات بأنها تعني (القدوم) أو (الوصول). فيطلب الملك التأكد من معناها في المعجم، ويتناول الشيخ فؤاد الخطيب معجم (البستان) للعلامة عبدالله البستاني، فيجد فيه «لَفا اللحم عن العظم قشره». ويروح الملك يشرح فعل (لَفا) لغةً ... إلى أن يذكر طُرفة يعبِّر فيها عن عدم استساغته لهذه اللفظة، فيقول: «يوم كنت والياً على الطائف كنتُ أتلقى من المرحوم والدي كلما رُزقت صبياً، تلغرافاً هذا فحواه: «مبروك اللافي»، فأعرف أن الله رزقني غلاماً ذكراً، لكنّي كنت امتعض في داخلي إذ لا أستسيغ هذه اللفظة، لأني لا أود أن يكون أولادي يكشطون اللحم عن العظم!. ويستطرد إلى القول: «هذه لفظة شائعة في بلاد العرب، وإني لأربأ بأدبنا وحَمَلة الأقلام بيننا أن يقعوا في مثل هذا الغلط الشائع».
ثاني مجمع علمي عربي
.. على أن عناية الملك عبدالله باللغة واستعمالاتها لم تقف عند الحدود التي ألمحنا إليها، بل كان الراعي الداعم لإنشاء مجمع علمي في عمان، والإمارة في ذلك الحين ما تزال في طور نشوئها الأول، وهو المجمع العلمي الثاني في ترتيب ظهور المجامع العربية بعد المجمع العلمي العربي بدمشق (1919)، وقبل المجمع العلمي اللبناني(1927)، والمجمع الملكي المصري (1932) الذي أصبح هو ومجمع دمشق يتخذان فيما بعد مسمى (مجمع اللغة العربية) ... إلاَّ أن مجمع عمان لم يستمر أكثر من خمس سنوات ونيف، وتوقفت أعماله بعد أن التأم في عدة جلسات، وقرر بعض الاصطلاحات الرسمية التي عُمل بها لسنوات طويلة في دواوين الحكومة.
وفي تأريخ توثيقي موجز لقصة هذا المجمع، يعود بنا البدوي الملثم إلى شهر تموز من عام 1923، فقد اجتمع لفيف من ذوي الفضل والغيرة على اللغة، الذين لاذوا بحمى الملك عبدالله الأول في عمان، وبحثوا ملياً في موضوع تأسيس مجمع علمي يذود عن حمى الضاد، ويجلو عنها صدأ الدهر، وبعد تقليب الفكرة على أوجه شتى، تشرف نفرٌ من أولئك الأفاضل بمقابلة الملك، وتطرقوا لذكر الموضوع الذي شجعهم جلالته على تنفيذه، ودعاهم إلى إخراجه إلى حيز الوجود، وفعلاً أخذ الأمر مجراه الرسمي، ورفع وكيل رئيس الوكلاء(الوزراء) هذه الأمنية إلى الأعتاب السامية، فتلقى كتاباً بتوقيع معالي رئيس الديوان الأميري العالي عهد ذاك المرحوم محمد باشا الأُنسي، هذا نصه:
الرقم ـ 805
التاريخ ـ 4 ذي الحجة سنة 1341 هـ الموافق 17 تموز سنة 1923م
فخامة وكيل رئيس الوكلاء الأفخم(9)
جواباً على كتابيّ فخامتكم المؤرخين في 27 حزيران رقم 1468/165، و 8 تموز 1923 رقم 1554/ 204، ورغبةً في إحياء الآثار القومية ورفع منار المعارف العربية، فقد صدرت إرادة سيدي ومولاي صاحب السمو الملكي المعظم بإنشاء مجمع علمي بحماية سموه العالي، يكون رئيساً له سماحة الأستاذ وكيل الأمور الشرعية الشيخ سعيد الكرمي، وأعضاءه: الفيلسوف العلامة رضا توفيق بك، والأستاذ اللغوي المفضال الشيخ مصطفى الغلاييني، والأستاذ الفاضل السيد رشيد بقدونس، ومدير الجريدة الأديب السيد محمد الشريقي، ليكونوا أعضاء عاملين(10).
وينتخبون من الأعضاء الفخريين في الأقاليم العربية كافة على الطريقة التي يقررونها، ليكون عاملاً قوياً من عوامل إحكام صلة التعارف العلمي والقومي بين الناطقين بالضاد، كما أن الأعضاء العاملين يكونون في الوقت نفسه هيئة إدارية لمصلحة الآثار.
وقد أمر سموه ـ أعزه الله ـ بإنشاء مجلة باسم «مجلة المجمع العلمي في الشرق العربي» على أن يقوم بشؤونها أعضاؤه العاملون، وأن ينفق على إنشائها من واردات الجريدة والمطبعة الرسمية.
فتفضلوا بإبلاغ من يلزم لإجراء ما يجب وفقاً لمنطوق الإرادة المطاعة، واقبلوا التحيات والاحترام.
التوقيع
رئيس الديوان
(محمد الأنسي)
ونشرت مجلة المجمع العلمي العربي ـ السنة الرابعة، 1924 - بدمشق نبأ إنشاء المجمع العلمي في عاصمة إمارة شرقي الأردن، وجاء فيه: «وعلمنا أنه انتخب أعضاء شرف له من العلماء الرصفاء: أحمد زكي باشا (من مصر)، ورئيس مجمعنا العلمي السيد محمد كرد علي (من سوريا)، والشيخ أحمد عباس الأزهري (من لبنان)، والأب أنستاس الكرملي(من العراق)، والسيد إسعاف النشاشيبي (من فلسطين)». كما أشار النبأ إلى أن «المجمع سيعنى بإحياء اللغة العربية ونشر المدارس والمؤلفات وإلقاء المحاضرات وإنشاء دار كتب، وإصدار مجلة شهرية». ويقول الدكتور ناصر الدين الأسد (11): «ولكن كل ذلك لم يثمر ثمراته المرجوّة، فقد انفض أكثر هؤلاء الأدباء والعلماء من حول الأمير، وعادوا إلى بلادهم أو ضربوا في أجزاء من الوطن العربي». وانتهى المجمع نهاية مبكرة في سنة 1929 ، إذ اعتبر منحلاً لتغيب الأعضاء، وإلغاء إدارة المطبعة والجريدة الرسمية. ولم يعد المجمع إلى الوجود إلاَّ بعد ما يقرب من نصف قرن حين تأسس «مجمع اللغة العربية الأردني» في سنة 1976، الذي ما يزال قائماً إلى يومنا هذا.
هوامش وتعليقات
(1) للعودات 21 كتاباً مطبوعاً، أشهرها: «القافلة المنسية، 1941 الناطقون بالضاد في أميركا الشمالية»، مترجم، .1946 «صراع أم تعاون في فلسطين؟»، مترجم، .1947 «الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية، مجلدان، .1956 «عرار شاعر الأردن»، .1958 «البستاني وإلياذة هوميروس»، .1963 «إبراهيم طوقان في وطنياته ووجدانياته»، .1964 «رسائل إلى ولدي خالد» 1970 «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين»، 1976.
(2) بخصوص المؤلفين في الأردن وكتبهم المطبوعة حتى سنة 1948، يُراجع كتابنا «قاموس المؤلفين في شرقي الأردن»، عمان 1995، وفي هذا القاموس فهرس تاريخي بآثار المؤلفين المنشورة مرتب بحسب سنوات ظهور الكتب.
(3) جميل دياب (1889 ـ 1959). وللأسف مقال العودات عنه غفل من تاريخ ورقم عدد مجلة «الأديب» الذي نُشر فيه. وقد يكون المقال نُشر في السنة التي توفي فيها جميل دياب أو السنة التي تليها. لم يجمع جميل دياب شعره وبقي متفرقاً وضاع الكثير منه، ونشر البدوي الملثم في كتابه «عرار شاعر الأردن» بعض أشعاره وقصائده.
(4) بين يدي ـ أيضاً ـ صورة عن رسالة من العلامة اللبناني عيسى اسكندر المعلوف نزيل زحله، إلى صديقه البدوي الملثم، تاريخها 2 حزيران 1939، وفيها يطلب العلامة المعلوف من العودات رفع تعزيته وأسرته بوفاة الملك غازي ملك العراق «لسمو سليل الشرف والمجد الأمير عبدالله المعظم ولبقية الأسرة». وهذا يدل أيضاً على أن العودات كان على اتصال مباشر بالأمير ـ الملك ـ عبدالله.
(5) ويقول مثل ذلك العلامة محمد كرد علي صاحب «خطط الشام» في وصفه لرحله قام بها إلى شرقي الأردن في أوائل الحرب العالمية الأولى (1914)، وزار السلط خلالها: «إن السلط أو الصلت هي راموت جلعاد إحدى مدن الملجأ ومدن اللاويين المذكورة في الكتاب المقدس، وربما اشتق اسمها الحاضر: الصلت من لفظة لاتينية «سالتوس» ومعناها الجبال المشجرة. وكانت فيما مضى مدينة أسقفية في العهد المسيحي، وقد دك المغول قلعتها، ثم أعاد بناءها الظاهر بيبرس البندقداري». (محمد كرد علي: «المذكرات». الجزء 3، ص .770 دمشق، مطبعة الترقي، 1949).
(6) يقول المؤرخ الأستاذ سليمان موسى في مقال له بمجلة «أفكار» ـ عدد خاص عن الذكرى المئوية لميلاد الملك عبدالله الأول ـ آب 1982: إن الملك عبدالله كان «كثير المطالعة في كتب الأدبين العربي والتركي .. وقد تعلم اللغة الإنجليزية فكان يفهم ما يقال بها».
(7) د. تركي المغيض: «السمات الأسلوبية في مذكرات الملك عبدالله بن الحسين» في كتاب ندوة «أدب السيرة والمذكرات في الأردن» ـ ص 433 ـ منشورات جامعة آل البيت، المفرق، 1999.
(8) طُبع كتاب «من أنا» في المرة الأولى في مطبعة الاستقلال بعمان سنة 1940 (1359 هـ) ويقع في 145 صفحة، وضُم إلى المجموعة الكاملة لأعمال الملك ومؤلفاته التي طُبعت في مجلد واحد ببيروت سنة 1973 وصدرت عن الدار المتحدة للنشر، وأُعيد طبعها بعد ذلك مراراً.
(9) وكيل رئيس الوكلاء هو منصب يعادل منصب رئيس الوزراء. وكان صاحب هذا المنصب في ذلك الحين مظهر باشا رسلان (المولود في حمص 1886 والمتوفى في القاهرة 1948)، وقد ترأس الوزارة في شرقي الأردن مرتين بين عامي 1921 و 1923.
(10) الشيخ الكرمي من علماء فلسطين، والفيلسوف رضا توفيق بك، تركي الأصل، عارض مصطفى كمال أتاتورك ولجأ إلى شرقي الأردن وأقام فيها. والشيخ الغلاييني من علماء لبنان، لجأ إلى عمان على إثر مطاردة سلطات الانتداب الفرنسي له. ورشيد بقدونس من علماء سوريا في اللغة والتراث والتاريخ. والشريقي أديب وشاعر من اللاذقية، وهو من شباب العرب الذين سجنوا في عاليه في عهد جمال باشا السفاح بسبب ميولهم القومية، قدم إلى شرقي الأردن وعاش فيها، وتولى عدة مناصب رفيعة.
(11) د. ناصر الدين الأسد: «الحياة الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن حتى سنة 1950» ـ ص 65، 66 عمان، مؤسسة عبد الحميد شومان والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000.