كيف خربت بابل.. أعظم مدن العالم

كيف خربت بابل.. أعظم مدن العالم

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 4-3-2005
No Image
كيف خربت بابل.. أعظم مدن العالم

د. خالد الناشف - ركزت وسائل الإعلام مؤخرا على تقرير كتبه جون كورتيس، مدير «قسم الشرق الأدنى» في المتحف البريطاني، وعرض فيه التخريب الذي سببه وجود القوات الأميركية والبولندية في محيط مدينة بابل الأثرية. وبابل ليست أي موقع أثري، فبشهادة كورتيس نفسه هي من أهم المواقع الأثرية في العالم. ولكن قلائل يدركون أن ما تم تخريبه هو أيضا الجهود الضخمة التي بذلها العراق لصيانة المدينة وترميمها. ففي السبعينيات من القرن الماضي أطلقت الحكومة العراقية «مشروع إحياء مدينة بابل» الذي ربما كان أحد أكبر مشاريع الترميم والتنقيب في التاريخ الحديث.
«السبي البابلي»... هو ما يعرفه الجميع، وهو أيضا ما يجب أن يتذكره الجميع وكأن هذا «السبي» هو الوحيد في تاريخ البشرية! وأيضا، بالكاد نجد من لم يسمع بـ «برج بابل» الذي جاء ذكره  في التوراة! وضمن كل الصخب الأيديولوجي المفتعل حول الإثم الذي اقترفه الحاكم البابلي نبوخذنصر تجاه «اليهود» تضيع صورة بابل الحقيقية التي يعود تاريخها إلى ما قبل أكثر من خمسة آلاف عام! فماذا كانت هذه المدينة حسب المصادر العراقية القديمة والشواهد الآثارية الحديثة؟ وكيف أخرجت من بابل والعراق «بوابة عشتار» وهي إحدى أهم آثار المدينة؟ وما الذي يورده كورتيس في تقريره حول تخريب بابل، التي وصفها الفيلسوف اليوناني أرسطو بأنها «أعظم مدن العالم»؟
الاسم
   الاسم السومري لبابل هو «كا دينغر را»، أي «باب إيلي» في الأكدية، ويعني الاسم «باب الإله». لكن وجود صيغة النسبة «بابيلايو» أي «بابلي» من الألف الثاني ق. م. يرجح أن الاسم كان في الأصل «بابيلا» وأن كلا الاسمين في السومرية والأكدية ليسا إلا محاولة لإضفاء معنى أكدي أو سومري على الاسم. وفي النصف الثاني من الألف الثالث ق. م. ثمة ذكر للمدينة على نحو «بابيليم» في السومرية مع إشارة إلى وجود أمير فيها. وفي الفترة نفسها يشير «شار كالي شري»، ملك أكده، إلى أنه قام ببناء معبدين لإلهين أكديين في المدينة. البقايا الآثارية في مدينة بابل لا تقدم الكثير حول تاريخ المدينة القديم، كبقية المدن السومرية في الجنوب مثل إريدو وأور وأوروك أو الأكدية في وسط العراق مثل كيش وسيبار، ففي منطقة بابل تقع البقايا المعمارية القديمة تحت مستوى المياه الجوفية.
تاريخ المدينة
تاريخ بابل هو التاريخ السياسي للعراق القديم لأكثر من ألف وخمسمائة عام. فمنذ نهاية الألف الثالث ق. م. يبدو أن بابل قد أخذت تتطور تدريجيا لتحتل مكان العاصمة أكده التي أسسها شروكين، فكانت عاصمة أولى إمبراطوريات العالم القديم. وفي بداية الألف الثاني ق. م. أصبح وجود الأموريين، الذين تعود أصولهم إلى الجزيرة السورية، أكثر وضوحا في المنطقة الوسطى من العراق وحكموا البلاد جاعلين من بابل عاصمة لهم بشكل مشابه لأكده عاصمة الأكديين من قبلهم. حامورابي صاحب أول التشريعات البشرية هو أشهر ملوك هذه السلالة، ومن المؤكد أن المدينة توسعت في عهد السلالة الأمورية كما تدل على ذلك الإشارات العديدة في النصوص، التي عثر على بعضها في بابل نفسها. أحد هذه النصوص يشير إلى «حي تجاري» («كاروم») كان يقع على نهر الفرات الذي يخترق المدينة.
لم تدم السلالة الأمورية طويلا وحلت محلها سلالة تنتمي لقبائل كانت تتجول أيضا في مناطق القبائل الأمورية ولكن موطنها الأصلي قد يكون شمال شرق العراق. هؤلاء هم «الكاشيون» الذين اندمجوا تماما في الحضارة البابلية واستمروا يحكمون بلاد بابل حتى نهاية الألف الثاني ق. م. وفي هذه الفترة برزت القبائل الأرامية وتمكنت من تأسيس ممالك في شمال سوريا. الكلدانيون هم أحد فروع هؤلاء الأراميين وقد تمكنوا من السيطرة على بابل في الألف الأول ومنهم الملك نبوخذنصر الذي شهدت المدينة في فترته أكبر توسع لها وأصبحت أكبر مدن العالم. كان نابونيد آخر الحكام الكلدانيين أو البابليين، وقد حاول إعادة الاستقرار للدولة البابلية المضطربة بمحاولة السيطرة بشكل مباشر على طريق القوافل الذي  ينطلق من اليمن وينتهي في بلاد الشام في الشمال وإلى الغرب في غزة. لهذا قاد نابونيد حملته المشهورة إلى شمال الجزيرة العربية واستقر في تيماء مدة عشرة أعوام. واستمرت بابل تلعب دورا مهما حتى بعد القضاء على المملكة البابلية العام 539 ق. م. فالإسكندر المقدوني أراد اتخاذها كعاصمة له حتى ينطلق منها نحو الجزيرة العربية، مثل نابونيد، بهدف السيطرة على طرق القوافل، ولكن المنية وافته في بابل نفسها قبل تحقيق أهدافه التوسعية. ومع وفاة الاسكندر عام 323 ق. م. بدأت تخبو أهمية بابل لتفسح المجال أمام مراكز جديدة أهمها طيسفون (المدائن حاليا) وفي النهاية بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى الشمال من بابل. 
بابل اليوم
اندثرت المدينة العظيمة بابل، لكن ذكراها بقيت عند العراقيين حتى اليوم، فعندما زار أطلالها الرحالة الدنماركي كارستن نيبور العام 1765 كان سكان المنطقة يسمونها «أرض بابل» ويشير نيبور أنه لولا هذه التسمية لما كان بالإمكان التعرف على المدينة، خاصة وأن مبانيها المشيدة باللبن تعرضت مع الزمن للانهيار بسهولة. لقد كانت المباني تبنى بالآجر أو الطابوق (اللبن أو الطوب المشوي)، لكن هذه المادة كانت صالحة للبناء ولهذا نزعت من الأبنية القديمة لبناء البيوت من قبل السكان في فترات لاحقة. في العام 1898 قررت الجمعية الشرقية الألمانية التنقيب في بابل الأثرية بعد ملاحظة وجود كميات كبيرة من كسر الطوابيق المزججة على السطح. والغريب أن هدف الجمعية المباشر كان رغبتها في التوصل إلى معلومات دقيقة حول أساليب زخرفة الجدران في المدينة لأن هذا هو الأسلوب الفني الذي استخدمه الفرس في القصور واقتبسوه من البابليين. إذن، الاهتمام بالموقع الأثري لا علاقة له ببابل بحد ذاتها وإنما بالقصور الفارسية ولا علاقة للمشروع بأي من الشعبين، العراقي أو الإيراني. آنذاك، ترأس فريق التنقيب المهندس المعماري الألماني روبرت كولدوي وبدأ العمل في الموقع العام 1899 واستمر حتى العام .1917
السور
تبلغ مساحة مدينة بابل القديمة حوالي أربعة كيلومترات مربعة ولها شكل مستطيل يخترقه نهر الفرات في الوسط تقريبا من الشمال إلى الجنوب، وهناك ثماني بوابات في الأسوار الداخلية للمدينة، أهمها بوابة عشتار في الجهة الشمالية ويمر منها «شارع الموكب» وهو الشريان الرئيسي للمدينة. سور المدينة مزدوج ويبلغ عرض الجزء الخارجي منه 45.6 م والداخلي 60.3 م ولكليهما أبراج كبيرة وصغيرة ويحيط بالسور الخارجي خندق ماء. أقيمت هذه الأسوار حول الجزء المركزي من المدينة أي منطقة المعابد والقصور وبيوت علية القوم. أما المدينة الفعلية فتحتل مساحة تبلغ ألف هكتار، وبالمقارنة بلغت مساحة العاصمة الأشورية نينوى 740 هكتارا فقط وأعظم اتساع لأثينا أثناء عهد بيريكليس لم يتعد 220 هكتارا. ويحيط ببابل الكبرى سور خارجي وهو مكون من ثلاثة أجزاء ويبلغ طوله ثمانية وعشرين كيلومترا. وقد بنى نبوخذنصر في الزاوية الشمالية من هذا السور قصرا سماه «حياة نبوخذنصر». واليوم يعرف هذا الموقع باسم تل بابل لضخامته، وقد أطلق المنقبون على القصر اسم «القصر الصيفي». وقد بنى نبوخذنصر هذا القصر لأغراض دفاعية كما يقول هو نفسه في أحد النصوص التي عثر عليها في الموقع.
معظم معالم البناء في بابل تعود إلى فترات متأخرة، وخاصة فترة الملوك الكلدانيين. وقد أعاد بناء المدينة المركزية بشكل جذري الملك نبوخذنصر، فإلي فترته يعود تشييد معابد عديدة وقصرين جديدين بالإضافة إلى أعمال توسعة ضخمة في «القصر الجنوبي» وهو القصر الملكي والمركز الإداري للمدينة. وقد نظم نبوخذنصر نهر الفرات وأعاد بناء بوابة عشتار و«شارع الموكب». وهناك بعض البقايا المعمارية التي قام بإنجازها الحكام الأشوريون أثناء سيطرتهم على المدينة، كسنحريب وأسرحادون وأشوربانيبال، أو فيما بعد أثناء الفترة الفارسية واليونانية.
بوابة عشتار وشارع الموكب
 كانت بوابة عشتار في المرحلة الأولى مزدانة بصفوف من الثيران والحيوانات الأسطورية التي تشبه التنين واسمها بالأكدية «موش خشو» وفي المرحلة الثانية وضعت طبقة من الألواح التي تحمل رسوما للحيوانات نفسها لكنها كانت من الطابوق المزجج والملون. البوابة مزدوجة وتتألف من بوابتين الواحدة تلو الأخرى لكل منهما باب خارجي وداخلي، ولكل بوابة برجان بارزان. ويلاحظ أن واجهات البوابة والأبراج وجدران ممر البوابة كانت مزدانة بصفوف الحيوانات التي يصل عددها إلى 575 بقي منها 152 نقلت إلى متحف برلين.    
أطلق المنقبون الألمان على الشارع الذي يبدأ من بوابة عشتار ويقطع المدينة من شمالها إلى جنوبها اسم «شارع الموكب» نظرا لأن موكب الاحتفالات بعيد رأس السنة البابلية كان يسير فيه. ينطلق «شارع الموكب» من «بوابة عشتار» ويمتد بمحاذاة الجانب الشرقي لـ «القصر الجنوبي» ومنطقة الزقورة ثم ينعطف غربا ليصل إلى النهر ويقطعه باتجاه الضاحية التي سميت «المدينة الجديدة». يبلغ طول الشارع ابتداء من بوابة عشتار حتى باب سور الزقورة 710 أمتار ويبلغ عرضه ما بين 10 ـ 20 م. وقد كشف عن الجزء الشمالي من الشارع المحاذي للقصر الجنوبي، وكان يرتفع عن مستوى الأبنية المجاورة له بمقدار اثني عشر مترا وقد رفع مستوى الشارع أكثر من مرة، قام بآخرها نبوخذنصر كما تثبت ثلاث اسطوانات منقوشة عثر عليها المنقبون العراقيون. وقد رممت «المؤسسة العامة للآثار والتراث» العراقية المقطع الشمالي من الشارع المحاذي للقصر الجنوبي.
زخرف الجداران المحيطان بالشارع والبوابة بلوحات تضم كل لوحة منها خمسين طابوقة مزججة، يبلغ طول الواحد منها حوالي 33 سم وعرضها 10 سم. الزخرفة في لوحات الشارع تمثل أسودا وفي الجدار الواحد هناك ستون لوحة لأسود تسير باتجاه وفي الجدار المقابل ستون لوحة لأسود تسير بالاتجاه المعاكس. لوحظ أن هناك تشققات منتظمة في الطابوقة الواحدة سببها أن البابليين كانوا يشكلون الطوابيق بشكل منتظم في قالب يضعون فيه ست أو سبع كتل من الطين بدون دمجها، ولدى حرق قطع الطوب كانت تظهر التشققات في الأماكن الأصلية لالتصاق الكتل الطينية. وقد ظهر على أطراف هذه الكتل آثار أصابع مشكلي هذه الكتل ومن بينهم نساء وأطفال. وقد سقطت هذه الكسر في ردم البوابة والشارع حسب التشققات التي كانت تفصلها في وضعها الأصلي. وهذا ما ساعد المرممين الألمان على إعادة جمعها بالرغم من مئات الآلاف من الكسر التي كانت تملأ الموقع. 
«القصر الجنوبي»
كان يغطي ما يسمى «القصر الجنوبي» تل يسميه السكان في منطقة بابل بتل قصر. ويحتل القصر الذي كشف عنه المنقبون الألمان مساحة تبلغ 51 ألف م2 وبهذا يكون هذا البناء من أكبر قصور العالم القديم. يقع «القصر الجنوبي» في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة ويحده من الشرق «شارع الموكب» ومن الغرب مصطبة عالية تطل على المجرى القديم من نهر الفرات ومن الشمال السور الداخلي للمدينة. أقدم فترة للقصر تعود إلى حكم الملك الأشوري سرجون الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد. أجرى مشاريع البناء الضخمة في القصر الملك نبوخذنصر الذي يقول عن ذلك في أحد النصوص: «وضعت أنا أسسه الصلبة ورفعته بالآجر والقار ليصبح علو الجبل وأمرت بجلب الأرز العظيم ليمتد على طوله لأجل سقوفه ووضعت في أبوابه المصاريع من الخشب المغطى بالنحاس والمداخل من النحاس وجمعت فيه الفضة والذهب والأحجار النادرة وكل ما يصبو إليه الخيال من الأشياء الثمينة وخزنت فيه ثروة طائلة من الكنوز الملكية». ويتألف القصر من مائتي غرفة وقاعة وفيه خمسة أفنية ضخمة ويتم الدخول إليه من الجهة الشرقية عبر بوابة سميت «بوابة السيدة» ربما لقربها من معبد «نين ماخ». وأكبر الأفنية يقع وسط القصر وتطل عليه قاعة العرش. يبلغ طول قاعة العرش 56 وعرضها 17 مترا وسماكة كل من جداريها الجنوبي والشمالي ستة أمتار وهو ما يرجح أن هذين الجدارين كانا يحملان عقدا برميليا ضخما. وفي الجدار الجنوبي تظهر آثار حنية تمثل موضع العرش الملكي. زينت الواجهة الخارجية التي تطل على الفناء بالطابوق المزجج وهي الواجهة التي أعيد تركيبها في متحف برلين.
«الجنائن المعلقة»
اعتقد المنقب الألماني كولدوي أنه كشف في المدينة عن «الجنائن المعلقة» التي ذكرتها المصادر اليونانية كأحد عجائب الدنيا السبع، ولكن التنقيبات العراقية أثبتت أن البناء كان يستخدم كمخازن للقصر. يقع البناء في الزاوية الشمالية الشرقية من القصر الجنوبي ويطل على بوابة عشتار من الشرق وعلى سور المدينة الداخلي من الشمال. في الجهة الغربية والجنوبية يحيط بجدار البناء ممران يفصلانه بشكل واضح عن بقية مرافق القصر. ينخفض البناء بشكل ملحوظ عن مستوى أرضيات القصر ويتألف من أربع عشر غرفة قسمت بحيث تكون سبع في الجهة الشرقية ويقابلها سبع في الجهة الغربية ويفصل ممر بين المجموعتين. من جميع الجهات، ما عدا الجهة الشمالية، تطل على هذا الممر غرف صغيرة مختلفة الأحجام. وكل غرف هذا المبنى معقودة السقف على شكل أقواس نصف دائرية. عثر في المبنى على نصوص اقتصادية وهو ما يضعف تفسيره كمبنى «الجنائن المعلقة» المزعوم بالإضافة إلى أنه ليس قريبا من جناح الملكة.
المعابد
 من معابد المدينة هناك معبد «إي ماخ» («البيت العالي») للإلهة «نين ماخ» ويقع بالقرب من بوابة عشتار داخل الأسوار إلى الشرق من «شارع الموكب» وقد تم ترميم هذا المعبد بأكمله ضمن مشروع إحياء مدينة بابل. وتتوزع داخل المدينة معابد آلهة أخرى وهي للآلهة: عشتار أكده، نينورتا، إشخارا، نابو، شمش، أدد، وغولا. واكتشف المنقبون العراقيون معبدا كاملا يخص الإله «نابو» الذي كان يلعب دورا في مراسيم تسلم الملوك لمناصبهم. وفي إحدى غرف هذا المعبد عثر على كميات كبيرة من ألواح الكتابة أو الرقم الطينية استخدمت في صنع أرضية الغرفة! وليس هذا بالأمر الغريب فهذه الرقم تشكل نصوصا مدرسية استغني الطلاب عنها ليعاد استعمالها في رص الأرضيات. الأمر الأهم أنه يستدل من هذا الاكتشاف أن هذا المعبد قد ضم أيضا مدرسة وهذا يتفق مع وظيفة الإله نابو كإله الحكمة.
الزقورة («برج بابل»)
كما في بقية المدن العراقية القديمة كان هناك في بابل معبد مرتفع للإله مردوك. وتتمثل الزقورات في مدن سومر وأكده بأبراج عالية متدرجة يصعد إليها بثلاثة أدراج واحد على كل الجانب وآخر في الوسط. وفي أعلى الزقورة أقيم المعبد المرتفع الذي كانت تجرى فيه طقوس الكاهنة العليا المكرسة للإله مردوك حسب المؤرخ اليوناني هيردوت في القرن الخامس ق. م. تبلغ مساحة المنطقة التي تحيط بالزقورة حوالي مائة وثمانين دونما وتمثل عمليا قلب المدينة.
  كان اسم الزقورة في بابل «إي تيمين أن كي» («أسس السماوات والأرض») ولم يبق من هذه الزقورة إلا لب القاعدة التي غطتها بكثافة نباتات الحلفا بفعل المياه الجوفية القريبة من السطح. عندما فتح الاسكندر المقدوني بابل كانت زقورة «أسس السماوات والأرض» كومة من الأنقاض والردم. وقد استخدم الملك المقدوني بعض هذا الردم في بناء قاعدة المدرج في الزاوية الشمالية الشرقية من المدينة. ويؤكد هذا الافتراض وجود طوابيق ختم عليها نقش ملكي لنبوخذنصر في درجات المدرج. وقد حبكت التوراة قصة أسطورية فلسفية حول تعدد اللغات عند البشر لا علاقة لها بالواقع، لكن من الواضح أن مؤلفها رأى الأبراج في بلاد بابل، وعلى الأغلب زقورة بابل نفسها، مستوحيا قصته منه، فهو يذكر أن الطابوق الذي بنى منه «البرج» كان مغطى بالقار، ومن المعروف أن سكان العراق القدماء كانوا يطلون مبانيهم بهذه المادة لحمايتها من التآكل والعوامل الجوية. 
لا يعرف تاريخ بناء زقورة بابل، فحامورابي، الذي حكم في النصف الأول من الألف الثاني ق. م. لا يذكر «أسس السماوات والأرض» ولكن «إي سانغ إيلا» )«المعبد الشامخ»)، المعبد الرئيسي لمردوك. وهناك إشارة في أسطورة الخلق التي تعود للفترة نفسها تقول ان الآلهة انتخبوا مردوك ليكون رئيس الآلهة وبنوا له «المعبد الشامخ» و«أسس السماوات والأرض». الإشارات الواضحة للزقورة تعود للملك نابوبولصر، وهو والد نبوخذنصر، الذي يذكر أنه شرع بالعمل على إعادة بناء الزقوره، ولكنه لم يكمل هذا العمل. وفيه يقدم لنا الملك مؤشرا لتصور البابليين حول معنى الاسم إذ يقول: «أمرني مردوك أن أعيد بناء الزقورة التي تداعت قبل عهدي وأن أرسي جدرانها في أعماق الأرض وأجعل نهايتها تصل إلى أعالي السماوات». وكما هو مألوف عند ملوك سومر وأكده يقول نابوبولصر أنه أمر بصنع تمثال له وهو يحمل الطين والآجر، في إشارة رمزية لمشاركته في عملية البناء، وحتى يضع هذا التمثال بين أسس الزقورة. ويستشف من نص لنبوخذنصر أن اباه لم ينجز إلا ما يقارب خمسة عشر مترا من ارتفاع البناء. وهناك وصف للزقورة من نص متأخر يعود تاريخه إلى العام 229 ق. م. ووضعه «آنو بيل شونو» وعثر عليه في أوروك. قدم هذا الكاتب البابلي وصفا للزقورة وقياسات دقيقة لها وهي المرجع الأساسي حولها إلى جانب الشواهد الآثارية مما تتبقى من قواعدها وأدراجها الثلاثة. يوضح النص السابق أن الزقورة كانت تتألف من سبع طبقات تتناقص في أبعادها حتى تصل إلى القمة التي يقول «آنو بيل شونو» عنها بأنها كانت تحتوي على معابد لعدة آلهة. غير أنه يعتقد أنه كان في الأعلى بناء واحد فقط يشبه في قياساته «المعبد الأبيض» فوق زقورة أوروك. ويتبين من نص «آنو بيل شونو» أيضا أن عرض وطول وارتفاع الزقورة هو واحد.
الزقورة مربعة الشكل ويبلغ عرض قاعدتها وعلوها 92 مترا وهو ارتفاع شاهق بالنسبة للعصور القديمة. بني لب الزقورة من اللبن وغطي بقشرة من الطابوق يبلغ سمكها 15 مترا. كانت هناك في الضلع الجنوبي ثلاثة أدراج: درجان في الجانبين ودرج في الوسط يبلغ عرضه حوالي تسعة أمتار وارتفاعه ستين مترا ويؤدي إلى وسط الزقورة ليختفي بين الطبقتين الثالثة والسادسة ويرتفع داخلها ليصل إلى المعبد المرتفع في الطبقة السابعة.   
«البيت الشامخ»
المعبد الفعلي لمردوك، إله مدينة بابل، هو «البيت الشامخ»، ويقع هذا المعبد خارج الأسوار المحيطة بالزقورة وإلى الجنوب منها تحت تل يعرف اليوم باسم تل عمران. مخطط هذا المعبد مربع نوعا ما ويبلغ طول واجهته الشمالية 3.79م والغربية 5.85م. الجدار الخارجي مزود بأبراج ويوجد مدخل في كل من واحدة من واجهاته. وكما في بقية المعابد من الألف الأول ق. م. كان الجزء الرئيسي من المعبد يتألف من فناء وغرفتين عريضتين في إحداهما حنية كان فيها صنم الإله مردوك الذي تربع على عرش. طليت واجهة خلوة مردوك بكسوة ذهبية فـ «تضيء» عندما تسقط عليها أشعة الشمس من الشرق كما وصفها نبوخذنصر نفسه في أحد نصوصه. زخرفت جدران المعبد بطلعات ودخلات وهو ما يعبر عن استمرارية تراثية تعود إلى حضارة العبيد في الألف الرابع ق. م. وقد بني المعبد كبقية المعابد البابلية من اللبن، على العكس من القصور التي بنيت من الطابوق.
البوابة والشارع فـي برلين!
تعتبر عملية إخراج بوابة عشتار و«شارع الموكب» إحدى أكبر عمليات إبعاد تراث بلد عن مكانه الطبيعي وشعبه. وتقارن هذه العملية بإخراج لوحات قصر أشورناصربال من العاصمة الأشورية كالخو (نمرود) إلى بريطانيا في القرن التاسع عشر وتركيبها في المتحف البريطاني في لندن لتصبح أبرز معروضات ذلك المتحف. منذ البداية ركز المنقبون الألمان على الشارع لأن كسر الطابوق المزجج كانت توجد فوق سطحه، وهذا بحد ذاته يشكك في موضوعية أهداف التنقيبات الألمانية. وبالفعل اكتشفت البعثة بقايا بوابة عشتار والشارع المرتبط بها في الموسم الأول من التنقيبات. وفي العام 1903 وصلت إلى برلين أولى الصناديق التي تحتوي على كسر الطوابيق المزججة وباشر المرممون بالعمل مباشرة على ترميم الطوابيق والألواح. ولا بد من الإشارة الى أن عمليات الترميم كانت في البداية غير سليمة فأدت إلى تشويه عدد غير معروف من الألواح . وفي العام 1927 وصل إلى برلين 536 صندوقا احتوت على «حصة» البعثة الألمانية من اللقى المكتشفة في المدينة وكانت تحتوي على بقية الطوابيق المزججة.
الخاتون
الدفعة الثانية من لوحات «شارع الموكب» وبوابة عشتار أخرجت ضمن شروط وضعتها البريطانية غرترود بيل قبل وفاتها في بغداد العام .1926 ففي العام 1923 تم تعيين بيل كمديرة لدائرة الآثار الجديدة التي كانت تابعة حينذاك لوزارة الأشغال. ولكن دور بيل في العراق كما هو معروف تجاوز مجال الآثار، فمنذ حضورها إلى هذا البلد العام 1916 كانت بيل، أو الخاتون كما كان يسميها العراقيون، الحاكمة الفعلية للعراق إلى جانب بيرسي كوكس المندوب السامي آنذاك. كانت الآثار الموضوع المحبب عند بيل وقد طورت اهتمامها به منذ بداية وجودها في المنطقة لدى زيارتها هي ولورنس للموقع الأثري كاركيميش (جرابلس) في شمال سوريا.
المسؤولون الألمان يشيرون إلى قسمة حصلوا بموجبها على الدفعة الثانية من كسر بوابة عشتار و«شارع الموكب». مبدأ تقسيم اللقى الآثارية المكتشفة من قبل البعثات الأجنبية في العراق وضعته بيل نفسها، وهو ما أفسح المجال لأن يحصل العراق على «حصته المناسبة» من هذه المكتشفات، حسب تعبير أحد المصادر. ففي بداية العشرينيات اقترح كوكس نقل مكتشفات سامراء، التي نقب الألمان فيها قبل الحرب العالمية الأولى، بأكملها إلى بريطانيا. وقد برر كوكس اقتراحه هذا بأن مكتشفات البعثة الألمانية هي «غنائم حرب»! كذلك كانت النصيحة التي قدمها لورنس إلى وزارة الخارجية البريطانية! وفي النهاية حسم «الخلاف» بتقسيم المكتشفات بين العراق ودولة البعثة الأجنبية، كما قررت بيل، وعلى الأغلب أن هذا ما حصل أيضا بالنسبة لمكتشفات بابل. ولا يعرف ما هو حجم حصة العراق من هذا التقسيم، ولكن عمليا نقلت بالكامل مواد بوابة عشتار و«شارع الموكب»، بالإضافة إلى واجهة قاعة العرش في «القصر الجنوبي»!
وضعت بوابة عشتار وجزء من «شارع الموكب» في متحف برلين وشاهد الجمهور الألماني، وليس العراقي، هذا الصرح العراقي المميز لأول مرة عام 1930 عندما أقيم احتفال بالذكرى المئوية الأولى لتأسيس المتحف. وبالطبع بقي الكثير من الألواح غير المستخدمة في مخازن المتحف وقد أهدي بعضها لمتحف الآثار في استنبول والمتحف العراقي في بغداد. وقد وزعت ألواح أخرى على متاحف عالمية في فيينا، باريس، كوبنهاغن، وشيكاغو وبعض المتاحف الألمانية. ومن هذه المبيعات حصل المتحف على مبلغ ربع مليون مارك صرفت على تجهيز قاعات عرض إضافية.
فالتر أندريه، الذي شارك في التنقيبات الألمانية وأصبح مدير المتحف في العشرينيات وأشرف على عملية بناء البوابة و«شارع الموكب»، قال في هذا الصدد ان القطع الموجودة في برلين تعود إلى أماكن في الجدار تبعد أحيانا عن بعضها البعض مائة متر، ويوضح أنه لم يعد تركيب إلا جزء بسيط من لوحات الأسود في الشارع. ويقول ان هذا النقص الكبير في الألواح أو الطوابيق سببه «لصوص الطوابيق» الذي كانوا يبحثون في الموقع باستمرار عن قطع مختلفة الأحجام! هؤلاء العراقيون، الذين أرادوا استخدام الطوابيق  لبناء بيوتهم، يوصفون بأنهم «لصوص» أما الذين أخرجوا بوابة عشتار و«شارع الموكب» من العراق فلا يوصفون بأي صفة يمكن أن توحي بأن ما حصل هو ببساطة عملية سرقة لتراث شعب!
الجهود العراقية
في السبعينيات من القرن الماضي وضع في العراق مشروع «الإحياء الأثري لمدينة بابل»، وهو خطة عملاقة لإنقاذ آثار بابل ترميمها، وجاء لإنقاذ المدينة من خطر الزوال بسبب ارتفاع مستوى المياه الجوفية وملوحة التربة ونبات الحلفا المنتشر في الموقع بالإضافة إلى منع السكان من استخراج قطع الطابوق من أبنية الموقع. وكان الهدف من المشروع، الذي يعتبر أحد المشاريع القومية الكبرى، معالجة العوامل التي كانت تهدد الموقع وإجراء تنقيبات محددة في بعض النقاط وصيانة معظم المباني المتبقية، بما في ذلك القصور في مركز المدينة ومعبد «عشتار أكده»، وصيانة المرحلة الأولى من بوابة عشتار والسور الداخلي وإعادة بناء المرحلة الثانية من البوابة.
أولت الحكومة العراقية هذا المشروع اهتماما فائقا فخصصت لتنفيذ الخطة موارد مالية ضخمة، وأسست لجنة علمية من سبعة وعشرين عضوا يدعمها فريق يضم سبعمائة وخمسين عاملة وعاملا. وشاركت في المشروع «المديرية العامة للمسح الجيولوجي والتحري المعدني» التي أجرت دراسات أولية للتخلص من المياه الجوفية. وقد اضطر المسؤولون عن المشروع إلى الدخول مباشرة في التنفيذ متجاوزين مرحلة الإعداد ما تطلب مضاعفة العمل بالتناوب في الصباح والمساء. وكان أعضاء هيئة المشروع يعملون ليلا نهارا بمعدل ست عشرة ساعة يوميا في الحقل. وفي العام 1978 عقد أول المؤتمرات الدولية التي خصصت لبحث أعمال الترميم في بابل وأشور، وعرض عمليات الإنقاذ التي كانت تقوم بها المؤسسة العامة للآثار والتراث في المناطق التي بنيت فيها سدود كحمرين وحديثة.
قاعدة عسكرية
منذ الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للعراق بدأت تتسرب أنباء عن عمليات تخريب في الموقع الأثري بابل جراء إقامة قاعدة عسكرية فيه. وفي حزيران العام 2003 زار فريق من «منظمة التربية والثقافة والعلوم» (اليونيسكو) التابعة للأمم المتحدة مدينة بابل ووضع تقريرا عن المدينة، لكن هذا التقرير جاء مخففا بدون أي إدانة قاطعة للقوات الأميركية في الموقع. فقد أشار بصيغة المبني للمجهول إلى أن الجزء المركزي للموقع قد حول إلى قاعدة عسكرية. وقال الفريق أنه لم يلاحظ أي تخريب في الموقع الذي «يمكن النظر إليه على أن له علاقة بالحرب». ويضيف أن «استخدام المنطقة كقاعدة عسكرية ربما سبب بعض المشاكل في أماكن لم يزرها الفريق». هذا كل شيء حول وجود القوات الأميركية في محيط مدينة بابل ولكن التقرير ينتقل وبدون مبرر إلى «مشكلة مرتبطة بالحرب بشكل غير مباشر» وهي «الترميم المثير للجدل» للقصر الجنوبي فوق «خرائب/أسس الأبنية الحقيقية». ويشير أيضا إلى أن هذا هو السبب وراء رفض اليونيسكو إدراج بابل في قائمة التراث العالمي! وفي الحقيقة، لا يمكن تجاهل الموقف السياسي المفضوح لهذا التقييم الذي لا علاقة له بالمهمة التي ذهب الفريق من أجلها إلى العراق!
وحسب التقرير فإن المشكلة ليست في  الوجود العسكري الأميركي في الموقع وإنما النهب الذي تعرض له أحد القصور الرئاسية و«الوحدات الإدارية» التابعة لدائرة الآثار ويقول أن هذا ما يبدو أنه «أكثر المشاكل إلحاحا». وكذلك يشير التقرير إلى أن «المتحف» قد تعرض للنهب ما عدا نموذج ضخم للموقع، ولكن طالما أن القطع المسروقة هي نماذج فلا يمكن اعتبار هذا التخريب «أمرا خطيرا»! ويتناسى واضعو التقرير أنه قد بذلت لإنشاء هذا المتحف جهود ضخمة وأنه كان يخدم غرضا تربويا لزوار الموقع من العراقيين وخاصة طلاب المدارس من جميع الأعمار. ولكن التقرير يختم تقييمه بالقول ان الموقع مفتوح أمام الجنود «الأجانب» في العراق، ويكتفي بالقول انه لم يكن واضحا فيما إذا كان يسمح للناس العراقيين العاديين بزيارة الموقع!
تقرير كورتيس
لم يعرف مدى التخريب الحاصل في المدينة إلا بعد زيارة جون كورتيس للموقع في منتصف شهر كانون الأول العام .2004 وقد أعد المسؤول في المتحف البريطاني تقريره بعد اجتماع عقد آنذاك بين آثاريين عراقيين وآثاريين بولنديين مرافقين للقوات البولندية وممثلين عن «قوات التحالف». وقد امتنعت اليونيسكو عن إرسال ممثل عنها لأسباب أمنية. أما كورتيس فقد وجهت له الدعوة من قبل مفيد الجزائري، وزير الثقافة العراقي، ليكون مراقبا محايدا ولهذا نستطيع الافتراض أن تقريره يعكس بشكل موضوعي وضع مدينة بابل بعد الاحتلال الأميركي وإقامة معسكر ومرافق أميركية وبولندية فيها. وجاء الاجتماع كخطوة تحضيرية لتسليم الموقع الأثري إلى «الهيئة العامة للآثار والتراث» العراقية الذي يفترض أنه حصل في تاريخ الخامس عشر من كانون الثاني من العام الحالي. ومن الواضح أن تلك الهيئة كانت ترغب بإضافة طرف ثالث لإضفاء درجة من المصداقية على التقرير الذي أعدته هي نفسها وعلى تقرير أعده آثاريون بولنديون وحمل عنوان «تقرير حول وضع موقع بابل الأثري والحفاظ عليه».
تقرير كورتيس يركز على الآثار التي تركها إنشاء القاعدة العسكرية وحتى يقرب الموضوع إلى الأذهان ذكر أن ما حصل يعادل إقامة معسكر للجيش حول الهرم الأكبر في مصر أو حول أنصاب الستونهينج وهو أهم المواقع الأثرية في بريطانيا. الأضرار التي لحقت بالموقع جسيمة ومتنوعة وستبقى آثارها السلبية لفترة طويلة من الزمن. ويشار أيضا إلى أن ما أدرج من حالات خراب هو مجرد أمثلة، على حد تعبير كورتيس.
أنشئت القاعدة العسكرية في نيسان العام 2003 وسلمت قيادتها إلى القوات البولندية في شهر أيلول من العام نفسه ولكن القوات البولندية كانت موجودة هناك قبل هذا التاريخ. بلغت مساحة المعسكر مائة وخمسين هكتارا وأقيم في وسط الموقع الأثري أي حول منطقة القصور والمعابد. يقول كورتيس أن أجزاء واسعة من الموقع غطيت بالحصى وأحيانا الحصى المرصوص المضاف إليه البترول لتستخدم كمواقف سيارات ومهابط مروحيات ومخازن ولا يعرف مدى العمق الذي وصلت إليه الحفريات تحت هذه المناطق. وقدر كورتيس أن مساحة هذه المناطق تصل إلى حوالي 300 ألف م.2 جميع الحصى قد أحضر من أمكنة أخرى وسوق يصل مع الزمن إلى الطبقات الحضارية ويعني هذا الأمر أن هذه الطبقات التي لم يصل معول المنقب إليها أصبحت الآن ملوثة ويؤثر هذا الوضع بشكل سلبي على أي تقييم آثاري مستقبلي للموقع.
حفر وخنادق ومتاريس!
شاهد كورتيس العديد من الحفر والخنادق في الموقع بعضها حفر في طبقات أثرية لم تشهد في الماضي أي تنقيب وهذا يعني خسارة هذه المناطق في الدراسات المستقبلية. وفي الردم الناتج من هذه الحفر لوحظت قطع آثارية كالفخار (شاهد كورتيس إناء فخاريا كاملا) وأجزاء من طوابيق عليها كتابة مسمارية وهذا يدل على تخريب مؤكد لطبقات حضارية تحت الأرض تصل أحيانا إلى ستة أمتار. يشير كورتيس إلى خراب في تسعة من الأشكال الحيوانية الأسطورية في بوابة عشتار. وخراب الجزء الجنوبي من «شارع الموكب» المرمم نتيجة مرور آليات ثقيلة فوقه ولوحظت انهيارات في أجزاء من معبد «نين ماخ». وزعت حول الموقع الآلاف من الأكياس التي عبئت بتربة من الموقع الأثري نفسه وهو ما يؤكده وجود فخار وعظام داخلها. لاحظ كورتيس في أجزاء كثيرة من الموقع آثار عجلات لآليات ثقيلة وأشار محقا إلى أن الحركة بآليات من هذا النوع تؤثر على البقايا الآثارية الحساسة تحت الأرض. بالقرب من معبد «نين ماخ» كانت توجد في السابق منطقة معبدة استخدمت كموقف للسيارات وقد وسعت هذه المنطقة بشكل كبير باتجاه الشرق لتستخدم كمهبط للمروحيات. سويت المنطقة الجديدة ورصفت بالحصى المرصوص وأضيف البترول إليها. وإلى الجنوب من المهبط سويت منطقة واسعة لتستخدم كموقف للسيارات. أعمال التسوية هذه لا تعني فقط خلخلة الطبقات الحضارية أو تخريبها فحسب بل أيضا تلويث البقايا الآثارية بمواد من خارج الموقع كالحصى والرمل والمواد الكيماوية وهذا يعني التأثير بشكل سلبي على القيمة العلمية للموقع.
من أجل حفنة من الدولارات!
بالرغم من كل ما حصل وفي رد فعل على تقرير كورتيس نجد المقدم الأميركي ستيفن بويلان يقول أن آثاريا قام بفحص كل مبادرة للبناء لبحث تأثيرها على الآثار التاريخية. ربما كان هذا الآثاري هو الكابتن غافينو ريفاس الذي ذكرته إحدى مجلات المارينز العام 2003 ووصفته بأنه «اختصاصي آثار وتحف قديمة» لكن أحدا لم يسمع به في أوساط المختصين في مجال آثار العراق. وقد روج المذكور لمعلومة مضللة مفادها أنه منذ العام 1978 لم يكن يسمح للعراقي العادي بالوصول إلى الموقع الأثري بابل. ولم يوضح «اختصاصي الآثار» لقرائه أنه في ذلك العام بدأت أعمال الترميم الواسعة في المدينة! يقول بويلان أن «أهمية بابل لم تتعرض للضياع على يد القوات الأجنبية» وأضاف أن «الموقع يعود إلى فترة نبوخذنصر لكن قليلا جدا من بقايا تلك الفترة يمكن رؤيته من قبل العين غير المدربة»! وكأن المقدم يقصد بتصريحه المباني المرممة ويبرر تخريبها، علما بأنه ما يزال ممكنا رؤية الأجزاء السفلية من جدران المواقع سواء من قبل «عين مدربة أو غير مدربة»، كجدران معبد «عشتار أكده» أو المرحلة الأولى من جداري «شارع الموكب» وهو ما تبقى للعراقيين من هذا الشارع! إذن يبقى السؤال قائما، وهو لماذا قررت قوات الاحتلال إقامة معسكر لها في محيط بابل وهي تدرك حتما وشاهدت بالفعل المعالم البارزة والواسعة للموقع الأثري؟
في نظر الكثيرين، والعراقيين بشكل خاص، تبدو بابل بمعالم الترميم الواضحة فيها ومتاحفها كصورة مصغرة للعراق الحديث الذي حاول تطوير نفسه على أكثر من مستوى، وخاصة في المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية. لهذا يبدو أن المستهدف هنا هو العراق الذي كان يعمل حثيثا على تطوير قدراته الوطنية ليصبح قوة إقليمية. وعلى المستوى الأيديولوجي، قد يكون استهداف بابل هو انتقام من مدينة نبوخذنصر الملك البابلي الذي سبى «اليهود»، بالرغم من المفهوم الخاطئ والمضلل لـ «يهود» تلك الفترة وإساءة تفسير عملية «السبي» وظروفها في فلسطين. وقد عرف العرب أشكالا مماثلة لهذا الانتقام في الماضي كالجنرال الفرنسي غورو الذي قال أمام قبر صلاح الدين عندما دخل دمشق: «الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين»!
لكن كل هذه الاعتبارات تبدو في اللحظة الراهنة تافهة لا معنى لها عندما نقرأ في تقرير كورتيس أن الشركة التي قامت بأعمال البناء من أجل إقامة معسكر للقوات الغازية في بابل لم تكن إلا «كيلوغ براون أند روت» التابعة لشركة هاليبورتن ذائعة الصيت ... من أجل حفنة من الدولارات!    

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }