د. محمد العطيات - نسترجع في هذا الزمن صوت مدافع ابراهيم باشا قبل مئة وسبعين عاماً، وفي عام 1834 تحديداً، وهي تقصف مدينة السلط ، لان زعماء نابلس بقيادة قاسم الاحمد وعيسى البرقاوي، استنجدوا بأهل السلط، وابى السلطيون ان يسلموا ابناء نابلس لابراهيم باشا، وحوصرت قلعة السلط، ووقف اهلها جميعاً كتفاً لكتف ، وساعداً لساعد، حتى اخر رجل، ودمرت القلعة، تناثرت حجارتها، وهدمت بيوت المواطنين، وتشرد اهلها في القرى المجاورة حتى وصلوا سهول حوران، واختلط الدم الفلسطيني بالدم الاردني فوق تراب هذه المدينة. حفظ اهل نابلس الجميل، لاهل السلط، فعندما انحسر حكم ابراهيم باشا. وعاد الحكم العثماني مشروطاً بعد تدخل الانجليز والفرنسيين، وتحطيم اسطول ابراهيم باشا منحت الاقليات صلاحية وامتيازات في الدولة العثمانية، لذلك كانت المدارس المسيحية تدرس بالعربية وحدها، وفتحت المدارس في السلط الى جانب دور الكتاتيب التي تدرس القرآن، وشيئاً من الحساب، وانتقلت عشرات العائلات الى مدينة السلط لتعميرها، وكانت من ذوي المهارات الحرفية من خياطين ونساجين وبنائين، واسهموا في بنائها من جديد، والذي يسير في شوارع المدينتين يسمع نبرة الصوت ، ،يلمح سمات الوجوه المطعمة بالخؤولة والعمومة التي صنعتها المصاهرة خلال قرون بعيدة ولعل هذا اول المواقف التي قادت الى بناء الاردن، فقد كانت السلط الحاضنة لحركة الوعي والنهضة من خلال الكثير من المواقف الكبيرة والكريمة.
ففي الحرب العالمية الاولى قصف العثمانيون مدينة السلط بالقنابل وتناثر الشهداء في الشوارع، وهاجر كثير من ابناء المدينة الى نابلس والقدس، واستمر لجوؤهم ستة شهور حتى انتهت الحرب، وعادوا ليعانوا ويلات استعمار جديد، قضى على حلم الوحدة العربية في معركة ميسلون. وتقصف دمشق بالقنابل، ويجتمع اهل الاردن في السلط العاصمة الادارية والثقافية للاردنيين عام 1920م، في الساحة بحضور المندوب السامي هيربرت صموئيل، الذي وعد بجلب الارز والسكر والكاز للمواطنين ، ويصر اهل السلط على قضاياهم الكبيرة، ويرفضون ان تكون مشكلتهم في السكر والارز والكاز ويضعون علي قائمة اولوياتهم الافراج عن امين الحسيني، وعارف العارف، وكان لهم ما ارادوا، فهما مطلوبان للحكومة البريطانية. وظل الجميع يهتفون بوحدة بلاد الشام بقيادة الحسين بن علي، وعباءاتهم تلتف حول اجسادهم وخناجرهم في اغمادها.ش
مدرسة السلط
تفتق ذهن اديب وهبة اول مدير معارف في الاردن، عام 1923م عن مشروع تربوي ريادي تعاوني مبارك، يتمثل بانشاء مدرسة ثانوية كبيرة في السلط، تبنى بجهود الجميع ومن اجل الجميع، وتكون هدية من اهل السلط للاردنيين جميعاً، وكأني اراه يهرول ليلاً ونهارا من ديوان سعيد الصليبي الى ديوان نمر الحمود، يذرع شوارع السلط. ويقرع باب محمد الحسين، وعبدالله الداود وبخيث الابراهيم ، والخوري ايوب، وتوفيق ابو السمن وفلاح الحمد، محاوراً وحاثاً ومرغباً في ضرورة التعاون، والتبرع لبناء المدرسة، وتجمع الكهول ومعظمهم اميّ لا يقرأ ولا يكتب، ولكنهم كانوا في اعلى درجات الوعي والمسؤولية، وفهم متطلبات العصر، وتبرع الرجال والنساء والاطفال، وشارك الطلبة بمصروفهم اليومي، والنساء بحليهن، ووضع حجر الاساس، وكان اول معهد ثقافي تربوي تعاوني اقامته همة الرجال في هذا البلد الطيب، ووقف مدير المعارف اديب وهبة يشرف على جلب الحجارة والماء والاسمنت ، ويتابع البلاط والبلور والدهان الذي جلب من حيفا لتعذر وجوده في السوق المحلي.
وطنية فائقة
الشهداء ذخيرة الامة الروحية، والحراس الخفيون لحدود الوطن، والثروة المعنوية لا تباع ولا تشترى، هم رصيدنا في المستقبل، لماذا سقط سبعون شهيداً وجريحاً في ثورة فلسطين عام 1936 م من ابناء شرق الاردن؟ لماذا باع الفلاحون مواشيهم واشتروا بنادق، والتحقوا بالثورة؟ لماذا ترك الحراثون السلطيون محاريثهم؟ وتبرعت زوجاتهم بما تملك من ذهب؟ فقد حمل العامل فراشه، وباعه في السوق، واشترى بندقية ورصاصاً، والتحق بجبال فلسطين: علي العبويني صاحب مطحنة (مكان السينما) ، ورحيم النجداوي عامل نشيط بالمياومة، واحمد النعمان العطيات راعي مواشي، ان قبور هؤلاء الشهداء شاخصة في مقبرة النبي جادور، وتواجه الزائر مذكرة بأن الشهيد هو الاخلد والابقى، احمد الهيشان الفواعير / حراث نشمي، واحمد الرجا العربيات مزارع منتج، وعبدالرزاق ابو هزيم من الرماة المهرة، واحمد النجداوي يتدفق وطنية، وكلهم مناضلون شرفاء من ابناء مدينة السلطة، وعبدالرحمن الحديدي كان صديقاً لعبدالقادر الحسيني، يندبه لقنص العدو العنيد حينما يتعذر على المناضلين اسكات نيران العدو، لقد تقفعت اصابعه من جراح عديدة، كنت كلما حاورته حول الامر ترقرقت عيناه بدمعتين ممزوجتين بالتأوه والحسرة، هؤلاء الاردنيون الاميون الفقراء الشرفاء والبسطاء الذين لم يتتلمذوا في احضان الاحزاب ولم يتخرجوا في جامعة ، ولم ينخرطوا في تنظيمات، لماذا هذه الوطنية الفائضة لديهم؟ ولماذا لم نتعلم منهم ، وفي مدرستهم حب الوطن الواحد والمصير الواحد، وعشق الوطن بالفطرة كما رضعوه من آبائهم، حمل الاميون السلاح ، وحلموا بالفجر، واتخذوا من اجسادهم جسوراً ودروباً للغد الآتي ويدهم تقبض على زناد بنادقهم ، ماذا كانوا يضمرون، وهم يعبرون حقول القمح تسمع آذانهم خشخشة الاعشاب اليابسة، وتذكرهم بصوت الرصاص في معركة آتية، لعلهم كانوا يحلمون كيف يحمى اطفال فلسطين من القتل. ونساء فلسطين من التشرد كانوا يغنون وهم ينحدرون الى الغور باتجاه وادي البادان:
الارض هذي ارضنا
فيها عظام اجدادنا
امانة باعناقنا
حتى تصل لاحفادنا
ويستقبلهم الشيخ الجليل المعروف الوجه (مبارك ابو يامر العبادي) الذي اشرع بيته للضيوف، والمناضلين العرب، وتصبح العباديات عجانات خبازات للمناضلين الذين تمتد فوهات بنادقهم صوب فلسطين، هذه صورة السلطي والاردني الحقيقي نقية، انها صورة العربي الاصيل، صافي السريرة، متقد الوطنية ، انه العربي اليورانيوم النادر هذه الايام، الجرح هو الجرح، والدم القديم هو الدم الجديد في فلسطين والعراق، فلنتحسس رؤوسنا، ونبض قلوبنا، هل تصلبت الشرايين لدينا؟ وتخثر دمنا؟ لماذا اصبح اسمنا ولوننا ولساننا وديننا الحنيف ، وشكل ملابسنا عبئاً علينا هذه الايام؟
مجتمع مركب
احتضنت مدينة السلط المهاجرين اليها، فهي مجتمع مركب، منذ القرن التاسع عشر، وفي بداية القرن العشرين، فتحت ذراعيها لرموز الفكر الوطني والقومي الذين نفاهم الاستعمار الفرنسي، وكانوا مطاردين من بطشه، واوكلوا مهنة التعليم لهذه الفئة المثقفة، المعبأة بالحس الوطني، ومنهم سعيد البحرة والشاعر محمد على الحوماني وتيسير ظبيان، ونديم الملاح، وعبدالقادر التنير ، وصبيحة التنير، وجميل شاكر، وعلي روحي، وحسن روحي (من مصر)، ورشيد بقدونس، ومحمود الكرمي، ومحمد اديب العامري وغيرهم.
* انني استحضر موقف عبدالله الداوود رئيس بلدية السلط عام 1947، وهر يرفع طرفي قمبازه ويربطه بحزامه، وقد القى بعباءته على كتفه، وهو يذرع شوارع السلط، وافواج اللاجئين تتدفق على المدينة، يزور هؤلاء ويسأل عن حاجة هؤلاء، ويخاطب وجوه المدينة واعيائها للمشاركة في استقبال الضيوف، وتوسيع صدر البيت، ويفتح مطعماً للجياع ، وابن السبيل في وسط المدينة، يأكل منه الجوعي، ويستقي العطاش مجاناً، وفي اللحظات ذاتها يسقط مئات من شهداء الجيش العربي حول اسوار القدس، بعد ان استماتوا كي لا تطأ قدم عدو ارض القدس القديمة، وسال دم ابناء مدينة السلط، وتغلغل في تراب القدس ، فهو الطهور الذي يمكث في الارض.
* الشهداء ملح الارض ، ومنارة الامة في الازمات ، والعتمة واكفهرار الرؤية انهم القوة السحرية التي توثب الروح الكامنة فينا، والجسر الذي ينقلنا للحياة التي نريد، ففي عام 1955 ، وفي عنفوان المد القومي والوطني حاولت القوى المعادية للوطن ان تضم الاردن - عنوة - الي حلف بغداد ، فالتفت الاحزاب المتنافرة والوطنيون، والمثقفون حول رفض الحلف، وزحف الناس في الشوارع، بطريقة مذهلة، وحرك كلوب قائد الجيش جنده/ وسقط شهيدان هما : (صبحي الفاعوري وعلي النسور) وكثير من الجرحى تكوموا على الارض. وحرقت سيارات الجيش المقتحم للمدينة، وعندما جاء كلوب مطالباً بثمنها قال رجال السلط له: ارجع لنا اولادنا الشهداء ، ودمنا الذي نزف نرجع لك السيارات العسكرية.
الوحدة الوطنية
في بداية الخمسينات احترب طلبة مدرسة السلط الثانوية، وانقسموا الى عشائر حزبية وعقائدية، وكانت الاحزاب التاريخية قد قسمت الناس الى قوميين واسلاميين ويساريين ، وبعضنا شاهد على ذلك، ودخل الطلبة في شجار جماعي وهياج حزبي ، وتحاوروا بالكلمات واللكمات والحجارة والعصي، انها اشبه بشجار بعض جامعاتنا في هذه الايام، مع اختلاف في الدوافع والمثيرات ، كان بعضنا صغيراً كالعصافير يلوذ في زوايا الجدران، ولا يعرف من يقاتل من؟ ولمصلحة من؟ وكنت ارقب الموقف بعيني طفل مذعور، حيث وقف المعلم محمد رجا المسعود - وحده - وقفة الغيور على الوطن، يصرخ كالملسوع، مركزاً على معنى الوحدة الوطنية، ونبذ العنف، واستبداله بالحوار، وايقاف لعبة الشر.
وفي عام 1967م، وعام 1968م، يعود نزيف الدم الطاهر من جديد، وكنت شاهد عصر، ورأيت بزم عيني كيف تعرضت (عين حزير) في جنوب السلط لقصف مفاجئ، كنت مع والدي الفلاح البسيط الذي يسكن المنطقة وعلى بعد مئتي متر من القصف ، ولذنا بظل صخرة من الرصاص المتناثر، وبعد دقائق هب اهل السلط لنجدة الجرحى، واغارت الطائرات ثانية ، وفي المساء تمت مواراة اربع وستين جثة لشهيد في مقبرة الجادور، وامتزج الدم الفلسطيني والاردني في وادي السلط، وسقط الطفل احمد رشيد سليم الكلوب وهو يحتضن حقيبته المدرسية في حالة التصاق بأبيه الشهيد في لوحة اسطورية، ادعى اثارة من لوحة الطفل محمد الدرة، ولكن تاريخ السلط الغني بالبطولة والاستشهاد لا بواكي له، ولا مؤرخ يجسده للناس.
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر، فعندما احترب الاهل في فتنة ايلول عام 1970م، وامتشق الاخوة السلاح، كانت مدينة السلط المدينة الوحيدة في الاردن التي جسدت الوحدة الوطنية، فلم يتعرض مواطن واحد فيها لجرح او لخدش، كانت المدينة الواحدة والخيمة الامنة، والجزيرة التي لم تطأها امواج الفتنة، بينما كانت تمتد النار الى كل قرية وبلدة ، تحرق وتتلف، انها المدينة الرمز، والبذرة المباركة لوحدة الناس، كان الشيخ امين زيد الكيلاني، ود. فهد العزب، وعبدالرزاق العطيات ، ومروان الحمود ومحمد الحياري، واحمد العربيات وغيرهم يذرعون شوارع السلط باسمين مهدئين النفوس ، يرفعون يديهم محيين الجميع، يهتفون : انما المومنون اخوة، فأصلحوا بين اخويكم ، ظلت بذرة الوحدة الوطنية متوهجة، لانه لو تجمع كل ظلال العالم ما اطفأ شمعة صغيرة واحدة.
في خريف عام 1981 م، اقامت مدينة السلط ممثلة بجمعية السلط الخيرية احتفالاً مهيباً لرئيس بلدية نابلس انذاك بسام الشكعة، ومنحت درع السلط، اعترافاً من المدينة بالمؤاخاة والقربى، ومتانة الوشائج، وكان منظراً لا ابهى ولا اوقع في النفس، لانه جسد مدينة السلط المدينة العربية، واسعة الانتماء، المدينة التي لا تعرف الانغلاق، وفي العام نفسه قامت الجمعية بفكرة وثيقة السلط الشعبية لتطوير العادات البالية ونقد المعتقدات الفاسدة ونبذ المفاهيم الزائفة، قارعة الجرس لاحداث التغيير الايجابي في المجتمع الاردني.
وفي هذه المدينة تربى هزاع المجالي، ووصفي التل وغيرهم وتتلمذوا على يد المربي الكبير حسني فريز الذي كان اشبه بالجرافة التي تصارعت مع حراس التخلف، وسدنة الخرافة وقوى الشد العكسي، لقد تعرض للعقاب وتنزيل الدرجة لان سلطة التقليد اقوى من سلطة التغيير، انه جيل الاردنيين الاوائل الذين قادوا نهضة الوطن، مروا من هنا وتزودوا من هذه المدينة بخير الزاد، واطيب الفكر النافع.
وتبقى مدينة السلطة موشحة بالزهو، ويبقى الشهداء والشعراء والشرفاء والفقراء الطاهرون والفلاحون وعشاق الارض هم الخالدون ، يظلون كنجمة الصبح وزاد المسير في عتمة هذا الليل الحالك.