كرة القدم.. «الاستراتيجية الحربية» و«الاستيهام الجنسي»

كرة القدم.. «الاستراتيجية الحربية» و«الاستيهام الجنسي»

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 11-2-2005
No Image
كرة القدم.. «الاستراتيجية الحربية» و«الاستيهام الجنسي»

سعيد بنكراد *
لعب جدّي وجدّية في اللعب
يميل المهتمون بأهواء النفس البشرية إلى الاعتقاد أن لحظات الجد في حياة الطفل هي تلك التي يكون فيها منهمكا في اللعب. وهي لحظات كثيرة قياسا إلى حالات الفعل الغريزي التي يغطيها النوم أو نوبات البكاء احتجاجا على حالة حرمان أو خوفا  من الظلام وغياب الأم. فكل ما يصدر عن الطفل وما يقوله ويفكر فيه أو يطلبه لا يمكن أن يفهم إلا باعتباره لعبا. فهو يلعب أثناء الأكل ويلعب في الحمام وأمام المنزل ويلعب في الشارع، بل إن المدرسة ذاتها ليست سوى فضاء للعب لا ينتهي.
ولأن الفاصل بين الجد واللعب في حياة الطفل واه ويستعصي على الضبط، فإن هناك حالات كثيرة تنتهي فيها اللعبة بشجار بين الأطفال عادة ما يورط الآباء أنفسهم في معارك قد تنتهي أمام المحاكم. وهذا أمر طبيعي، فالطفل لا يمكنه أن يتصور اللعبة خارج «الانتصار» والتباري من أجل «الحصول على متعة» هي جزء من اللعبة وليست هدفا يوجد خارجها.
إن اللعب على هذا الأساس، عنصر مركزي في ميكانيزمات إدراك الطفل لمحيطه الخارجي، وهو أيضا جزء من السيرورة التي تقوده إلى إسقاط وضعيات مستقبلية تحضر بين يديه على شكل مواقف «هزلية» أو «تمثل سخري لجزئية سلوكية»، أو تحضر  على شكل «محاكاة مؤجلة» على حد تعبير بياجي (1). ومن هذه الزاوية يعد اللعب تشكلا ثقافيا قبليا لحياة رجولة متوقعة. وبعبارة أخرى، إنه حالة من حالات التعلم الثقافي، «فالأطفال يلعبون بالأحصنة الخشبية والدمى والطائرات الورقية لكي يتكيفوا مع القوانين الفيزيائية والأفعال التي سيقومون بها عندما يصبحون كبارا»(2).
ومع ذلك، فإن اللعب ليس «خاصية طفولية»، كما قد يتوهم البعض. فالكبار يلعبون بنفس قوة الأطفال وحماسهم، بل قد تفوق متعة اللعب عندهم تلك التي يستشعرها الصغار أنفسهم. فهم يلعبون بكل شيء، بالورق والداما والبلياردو، ويلعبون بهواتفهم المحمولة، ويلعبون ب «الكلام» من خلال سرد النكات لاستثارة المواقف الهزلية، ويلاعبون أطفالهم وقططهم وكلابهم. بل إنهم يفعلون أكثر من ذلك، فهم «يلعبون» وهم يداعبون أجساد بعضهم البعض في السرير تمهيدا للعبة جدية تأخذهم إلى «السماء السابعة» كما يقول الفرنسيون.
 بل قد تتسع دائرة اللعب وتتنوع أشكاله إلى الحد الذي تتوارى فيه الحدود الفاصلة بين ما ينتمي إلى «العالم الجدي» حقا، وبين ما يمكن تصنيفه ضمن حالات اللعب المعروفة، وهو الفاصل بين ما يمكن التعامل معه باعتباره يشكل الوجه النفعي للمعيش اليومي، وبين المتعة الخالصة التي تجعل الملكوت الإنساني قابلا للعيش. وهذا ما يتضح من خلال التداخلات الممكنة بين «المقدس» و«اللعب». وهو أمر معروف ومألوف في ثقافتنا، وفي ثقافات كل الشعوب أيضا. فالطقوس المقدسة لا تتحقق، في أحيان كثيرة، إلا من خلال «مهرجانات» صاخبة تبيح للجسد أن يخرج عن وقاره من أجل التعبير عن انفعالات لا ترى من خلال «الممارسات الجادة»: احتفالات عاشوراء، ليالي رمضان، طقوس الختان والعقيقة. هذا إذا لم ندرج في هذا المقام أيضا حفل الزواج ذاته باعتباره «لعبة مقدسة» يشكل دم البكر بعض إحالاتها الرمزية.
وللحفاظ على الحدود الفاصلة بين عوالم «اللعب الجدي» وبين لهو الصغار ومرحهم، سارعت الآليات الاجتماعية الضابطة للسلوك الإنساني إلى بلورة سلسلة من القواعد والقوانين المرتكزة على تنظيم للعبة يأخذ في الحسبان زمن اللعب وفضاءه وأسلوبه وشكله. وهذا أمر بالغ الأهمية، فاللعبة لا تستمد مشروعيتها إلا من خلال وجود ميثاق قد يكون مكتوبا ومدونا كما هو الحال مع الألعاب العالمية المعروفة، وقد يكون متعارفا عليه ويستحضر باعتباره جزءا من ممارسة خاصة. وفي جميع الحالات، لا يمكن أن نتصور لعبة ما خارج قوانين وقواعد تنظم التباري وتحتكم إليه في حالات التشنج والغش والمخالفات. وتلك القواعد ذاتها هي التي تمكننا من التمييز بين اللعب وحالات الجد.
وحالة «العقلنة» هذه هي التي تمثلها مجموعة كبيرة من الرياضات الجماعية، ومنها على الخصوص «كرة القدم» و«كرة السلة» و«كرة اليد» . فعلى الرغم من أن «الميثاق» في هذا التباري صريح وبين، فإن التعاطي الفعلي مع المباريات مختلف تماما. وكثيرا ما أدت بعض المباريات إلى حالات للوفاة أو الهستيريا والاكتئاب النفسي والبكاء. فاللاعبون «يلعبون»، ويعرف المتفرجون أن الأمر يتعلق بلعبة لا أقل ولا أكثر، ومع ذلك كثيرا ما تنتهي المباريات بمعارك تمتد إلى شوارع المدينة وأحيائها الشعبية منها والراقية.
ذلك أن الأمر لا يتعلق بزيف اللعبة أو حقيقتها، ولا هو مرتبط بحالة من حالات التخلي عن لباس الجد، كما لا يتعلق بالبعد الفرجوي كما يرى ذلك بارت وهو يتحدث عن «الكاتش» (3)، بل لأن اللعبة في ذاتها ( والمقصود هنا لعبة كرة القدم في المقام الأول) ليست سوى محاولة عصرية لتصريف مجموعة من الانفعالات المتنوعة، بعضها آني شخصي، وبعضها اجتماعي يعكس حالة إحساس جمعي، وبعضها الآخر مغرق في القدم، قد يكون صورا نمطية أو إرثا نفسيا مخبأ في الدهاليز المظلمة للاشعور (4)، قد لا يستطيع السلوك الفردي، من خلال تجلياته العادية، أن يفسره ويكشف عن كامل أبعاده.
وسنكتفي هنا بتأمل  «الحالة الثقافية» الفريدة التي تمثلها «كرة القدم» التي يصفها الكثيرون بمعبودة الجماهير، وهو وصف «مريب» و«ملتبس». إنه كذلك من خلال حالة التأنيث أولا ( فلا يمكن ألا تثير العبارة حالة لقاء جنسي بين ذكر وأنثى)، وهو كذلك من خلال الهوى الجارف الذي يحيل عليه فعل العبادة ثانيا.
ويزداد هذا الأمر وضوحا إذا ما نحن قارنا هذه اللعبة بمجموعة أخرى من الرياضات الجماعية كـ «كرة السلة» و«كرة اليد» و«الكرة الطائرة». فهذه الرياضات لا تتوفر على ما يكفي من «الكم الانفعالي» الذي تختزنه حالات «السيسبنس» التي تخلقها حركة الكرة  وتحرك اللاعبين على رقعة الملعب، ففضاء اللعب محدود، والانتقال من معترك إلى آخر لا يتطلب سوى ثوان معدودة عادة ما تتلخص في انتقال الكرة من لاعب إلى آخر ضمن «حركة عادية» تنتهي بقذفة ترتطم بالحارس، أو تخترق الشباك (وهذا ما يفسر كثرة الأهداف في هذه الألعاب، وهذا دليل إضافي على قلة التشويق) لتعود الحركة من جديد إلى سابق عهدها.
وعكس ذلك ما يحدث في كرة القدم. فهي لعبة تتميز بقدرتها على إثارة طاقة انفعالية تشل المتفرج، وتلقي به في حالة جذب رهيبة لا يخرج منها إلا مع انتهاء المقابلة. فـ «الصعود» و«الهبوط» و«الصرخة المدوية» و«الصمت الرهيب» ثم «الوقوف» و«الجلوس» و«التلويح باليد»، وما يعقب ذلك من شتائم تنهال على اللاعبين و المدرب، أو على الحكم وحده، كلها حالات لا تفسرها سوى شساعة الفضاء و«الحركة اللعبية» التي تشبه أوركسترا تعزف أنغاما بمقامات متنوعة تمزج بين الميلودرامي والحزين والسريع والمتواتر . وهذه الأوركسترا ليست سوى «اللعب الفردي الجميل» (التقنيات الفردية) أو «الحركة الجماعية» أو «الغارات المباغتة». والغاية من ترسانة القوانين التي تنظم اللعبة هي خلق المزيد من المتعة، واستثارة أكبر قدر من الانفعلات الممكنة. وتنوع هذه الانفعالات وتعددها هو الذي يحولها إلى خزان لمواقف متعددة  نكتفي هنا بتحليل الحالات الدالة على نوعين منها:
1- ما يتعلق بالحرب باستراتيجيتها وتكتيكها وإحالاتها المتعددة على «العدوانية» و«الاقتتال» و«الاستبسال» و«الشهادة» ومحاولة تدمير الآخر (التدمير الرمزي).
2- وما يتعلق بعوالم «الأنوثة» و«الذكورة» بإحالاتهما الجنسية الدالة على الارتواء أو حالات الكبت والفعل الناقص، والدالة أيضا على حالات التمييز الجنساني الذي تؤكده اللغة المستعملة في وصف المقابلات والتعليق عليها، وتؤكده أيضا الحالات التي تكون فيها المرأة فاعلة في اللعبة عبر الممارسة الفعلية للعبة.
الاستراتيجية الحربية
تقدم كرة القدم عالما عجيبا تمتزج فيه مجموعة من الأهواء المتباينة، إلى الحد الذي يستعصي معه أحيانا الفصل بين هذه الجزئية الانفعالية وتلك. وربما تكون مباراة في هذا النوع من الرياضات من اللحظات المميزة التي تبيح لنا التعبير عن مواقفنا الحقيقية تجاه مجموعة من القضايا الخاصة بـ«القوة» و«العنف» و«الضعف» و«المرأة» و«الحرب» و«السلم» ، بل قد يصل الأمر إلى الكشف عن بعض الأحاسيس العدوانية المتأصلة فينا التي لم يفلح التهذيب الحضاري المتواصل في محوها والتخلص منها نهائيا. ولعل أبرز خاصية تميز كرة القدم عن غيرها من الرياضات هي تطابقها المطلق مع الفعل الحربي، وبإمكان الملاحظ المحايد أن يكتشف من خلال التعرف على مكونات «الوقعتين» ما يوحد بين مباراة في كرة القدم وبين معركة حربية يقودها جنرالات لا يتورعون عن استعمال أبشع الوسائل من أجل دحر العدو.
فمباراة في كرة القدم لا تختلف في شيء عن معركة قتالية تجمع بين جيشين. فهي تستعيد، من خلال الوصف الخارجي، كل العناصر المكونة للمعركة بدءا من الأجواء المصاحبة للحرب، مرورا بميقاتها وانتهاء بفضاء وقعتها. وتلك هي العناصر التي تسهم في تحديد من ستؤول إليه الغلبة في نزال مصيري لا يبقي ولا يذر.
 وتشترط، من جهة ثانية، وجود جيشين على أهبة الاستعداد لخوض معركة يلعب فيها الاستعداد النفسي والتوقيت وامتياز الأرض الدور الرئيس. يضاف إلى ذلك وجود خطة للحرب وقائد يدير أطوارها ومساعدين ومرافقين، ومن يتكفل بإسعاف الجرحى والمعطوبين، وطاقم للدعاية والتشويش على العدو والنيل من نفسيته. وهناك البيارق والرايات الخفاقة التي تفصل بين الخميسين، فالألوان هنا حمراء زاهية، وهناك بيضاء صافية وفي مكان ما خضراء لا تذبل ولا يصيبها الشحوب أبدا.
وضمن هذه الشروط يتحدد التنظيم الخاص بالجحافل العسكرية، وتتحدد طريقة توزيعها على رقعة الأرض التي ستدور فوقها المعركة. هناك كتائب تحمل على العدو من اليمين ( الميمنة)، وأخرى تكر عليه من اليسار ( الميسرة)، وثالثة تمثل رأس الحربة، فهي «قلب» الهجوم المكلف بإلحاق أكبر الخسائر في صفوف العدو، ووحدات أخرى مخصصة لحماية الوسط والتصدي للغارات المباغتة، وخامسة تحمي الظهر وتمنع العدو من التسرب إلى العمق الاستراتيجي.
استنادا إلى هذه المواقع الثابتة تبنى الاستراتيجية الحربية لكل فريق، واستنادا إلى دور كل موقع على رقعة الأرض تصرف هذه الاستراتيجية في «جمل تكتيكية» : غارات سريعة، تارة فردية وأحيانا أخرى تكون جماعية، وثالثة تتم على شكل اكتساح شامل لأرض العدو بهدف إنهاكه ومحاصرته ودفعه إلى الاستسلام. وهناك ما هو أهم من الخطط المتقنة، فنجاح المعركة يعتمد أيضا على المبادرات الفردية وشجاعة المحاربين وقوتهم واستبسالهم في المعركة. فالاستراتيجية التي لا تتوفر على جنود شجعان وأذكياء لتطبيقها، ولا تتوفر على بدائل جاهزة للقتال في حالات وقوع جرحى أو مفقودين لا يمكن أن تحقق النصر.
على أن هذه الحرب لا تستبعد أيضا عوامل أخرى غير متوقعة في الاستراتيجية الأصلية، أو تعد جزءا من سيناريو معد لأغراض أخرى غير حالتي النصر والهزيمة. فحالات الخيانة في صفوف هذا الفريق أو ذاك واردة (التاريخ زاخر بالشواهد الدالة على ذلك )، كما أن حالات «اللاغالب واللامغلوب» (التعادل) واردة أيضا، يشهد على ذلك «الحروب الحدودية» العديدة التي شهدها القرن العشرون. بل هناك ما هو أخطر من ذلك، فقد تحدث الناس طويلا عن حرب أكتوبر واعتبروها حربا تحريكية لا حربا تحريرية كما اعتقد المواطنون السذج في البداية.
إن البدايات في الحرب تدشنها ألفاظ من قبيل «الحيطة والحذر» و«جس النبض» و«انتظار رد فعل الخصم» و«قراءة أفكاره»، و«التربص به» و«الاحتياط من وحداته الأكثر قدرة على القتال». لتنطلق بعدها الغارات المتتالية على شكل «هجوم كاسح»  يحرم «الخصم من التفكير» و«يضيق عليه الخناق»  من خلال «محاصرته في أرض لا يجيد اللعب فيها» و«الانقضاض عليه بشراسة» و«دفعه إلى ارتكاب أخطاء»،  يمكن استغلالها من أجل إيقاع أكبر الخسائر في صفوفه.
وضمن حركية الفعل الكروي يبدأ إطلاق النار: فأحيانا «تطلق رصاصة» وتارة أخرى «تنبعث قذيفة» من رجل لاعب تدمر الشباك. هذا بالإضافة إلى «مد» لاعبي قلب الهجوم بـ «الكرات العالية» و«التقويسات الخادعة» ، و«تسريبها أرضا» من خلال «حركة تمويه جسدي»، أو «تسربات مباغتة». وهناك بطبيعة الحال أساليب حربية أخرى، منها تبادل القصف من مواقع ثابتة يلعب فيها الذكاء أحيانا الدور الرئيس، ويستعان فيها أحيانا أخرى بالقوة الجسدية، وهذا الأسلوب شبيه بالمبارزة الثنائية في الحروب القديمة.
ومع ذلك هناك ما يميز الحرب الفعلية عن اللعب، وهو تمييز بالغ الدقة والحساسية، فالوقعتان تختلفان من حيث الميثاق والفضاء وأدوات الفعل والغايات النهائية. فالمحاربون هنا «يؤدون أدوارا» ضمن زمن معدود، فهم لا يحملون سيوفا ولا يضعون خوذات حديدية على رؤوسهم ، ويتحركون فوق أرض خضراء تحمي أجسادهم الفتية من الأذى. ومع ذلك لا شيء  يمنعنا من استحضار عوالم «التقتيل» و«الذبح» و«القرصنة» و«والمراقبة اللصيقة»، وغيرها من التعابير التي تحضر على لسان المعلق باعتبارها تصويرا لفظيا يستمد وحداته من معجم حربي.
وتلك الخصوصيات هي التي تحد من هذا التطابق وتمنحه حجمه الحقيقي، ويتعلق الأمر بالعناصر التي تميز بين «الطقوس الرمزية»  وبين «آليات القتل الحقيقي» . ومثالنا يندرج، كما حاولنا إثبات ذلك أعلاه، ضمن سجل «العنف الرمزي»، أي ضمن الممارسات الرمزية الحديثة التي تقود إلى التخلص من الانفعالات العنيفة من خلال أساليب التفريغ الحضاري للشحنات الانفعالية عبر استثارة حالات العدوانية بما يشبه حلقات الذكر أو «الزار» ( البدائل الرمزية)، أو ما يشبه حالات البوح السريري كما هو الشأن في التحليل النفسي القائم على دفع الذات العليلة إلى التخلص من عقدها من خلال التلفظ غير الخاضع لأية رقابة.
وبعبارة أخرى، يتعلق الأمر بمحاولة نقل «عدوان حقيقي» يسكن الوجدان واللاوعي من حالته «الحقيقية» إلى ما يشبه «البروفة»  التي لا تمثل الدور حقيقة ولكنها تعود الممثل على القيام به خارج الخشبة الحقيقية : إيجاد بدائل رمزية للحرب الحقيقية تضمن نوعا من التوازن النفسي دون أن تؤدي مع ذلك إلى قتل حقيقي. فالهستيريا الجماعية والصراخ الذي لا ينقطع وتموجات الأجساد البشرية في حركة متناغمة ليست سوى محاولة للوصول إلى «حالة سكينة» تطمئن لها الذات المنهكة، وهي حالة لا يمكن الوصول إليها ـ كما يخبرنا بذلك تاريخ طقوس الاستئناس ـ إلا من خلال استنفار كلي للطاقة الجسدية.
وذاك هو الأساس الذي تقوم عليه التجليات السياسية للعبة. فالجموع المهزومة تدفع إلى الاستعاضة عن الأبطال الحقيقيين بأبطال من ورق يخوضون معارك وهمية في نهاية كل أسبوع داخل حلبة مغلقة تحت حماية الشرطة. فكل انتصار يؤجل البحث عن البديل الحقيقي. وهو أمر تحتضنه اللغة ذاتها. فبينما يمتلك الفرنسيون مثلا كلمتين للتمييز بين بطل رياضي وبين شخصية تاريخية لها إسهامها في تحرير الوطن أو بنائه : الأول يطلقون عليه champion ، أما الثاني فيسمى h?ros ، لا تستعمل العربية سوى كلمة واحدة للدلالة على البطل الرياضي والبطل الحقيقي. لذلك فمفاهيم الاقتتال والاستبسال والشهادة والدفاع عن الألوان الوطنية لا تحضر في الخطاب الواصف إلا عندما تتوحد الفرق تحت راية واحدة هي التعبير الأسمى عن تطابق الوجدان والإرادات والمصائر. حينها تتحول اللعبة إلى تمجيد بطولي للوطن الذي يخوض أبناؤه معارك الشرف والأنفة على أرضه أو في أدغال إفريقيا.
إن الأمر شبيه بالحملات الحربية القديمة حين كانت تبعث الجيوش بحثا عن نصر في أقاصي الأرض : بعد انتصار المغرب على البرتغال في مكسيكو أعلنت جريدة عن الخبر من خلال العنوان التالي: من وادي المخازن إلى غوادا الخارا إشارة إلى معركة وادي المخازن. وشبهت الصحافة المصرية مقابلة بين المغرب ومصر بحرب أكتوبر، ودعت اللاعبين إلى استعادة أمجاد هذه المعركة التاريخية. ولقد كانت «معركة تونس» الأخيرة دليلا ساطعا على ذلك، فقد خرجت الجموع المقهورة تهتف بحياة فريق مهزوم ( حدث ذلك في مونديال 1998 أيضا) : لقد ضاع البطل الحقيقي، فلنتشبث بالشهيد المزيف.
الاستيهام الجنسي
وصف أومبيرتو إيكو الرياضة، في إشارة بارعة إلى المخزون الطاقي والانفعالي الذي يختفي في تلابيب النفعي، بأنها «تبذير»، تبذير للطاقة الزائدة وتبذير للانفعال المنفلت من عقاله. ووصف الخطاب الموازي للرياضة بـ«الثرثرة» ، أي اللغو الذي لا يصنف ضمن أية خانة سوى تلك التي تحتضن «الزائد» من السلوك والكلام. وفي الحالتين معا، فإن الأمر يتعلق بـ«فائض» قد يتحول، إذا لم يجد طريقه إلى التصريف السليم، إلى قوة هدامة تقود الإنسان إلى العودة إلى حيوانية مازال يجاهد للتخلص منها.
وبين «التبذير» و«الثرثرة» تتحدد الطبيعة الحقيقية للرياضة. فالرياضة تعبير عن «حالة صحية» تقود الفاعل المتحرر من نفعية الوجود إلى الانتشاء بنفسه ضمن فعل لا غاية منه ولا هدف. إلا أنها قد تستحيل، في حالة «المشاهدة» إلى فرجة «تنشر» الصحة على الملأ وتصفها من خلال فعل استعراضي يلعب فيه المشاهد دور المتلصص (6) الذي يشبع رغباته من خلال التلذذ المرضي بمشاهدة الآخرين ينزعون ثيابهم شيئا فشيئا استعدادا لممارسة جنس لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إسقاط حالات إشباع افتراضي، أو لذة منفردة .
والأمر في كرة القدم شبيه بـ«التلصص»، إلا أنه تلصص جماعي يقود الحشود إلى «إنفاق» طاقات هدارة من خلال التماهي في «مثيرات» لعبية تحاكي فعل «الارتواء» الاستيهامي الذي يشبه حالات الجنس المقدس، وهي حالات تستعيد بعض الطقوس البدائية التي كان الناس يتقربون فيها من الآلهة من خلال تنظيم حفلات يمارس فيها الجنس بشكل جماعي : تهتز الجماهير طربا وهي تعاين لاعبا يقوم، بمهارة فائقة، بتسريب الكرة بين رجلي خصمه، وهو ما يسمى في المعجم الكروي «القنطرة الصغيرة»، وللفعل الموصوف كل الإيحاءات الجنسية الممكنة، ومنها ما يدل على الإخصاء.
وفكرة «المحاكاة» هذه هي البوابة الأساس التي من خلالها يمكن إسقاط البعد الرمزي لمجمل ما يقع في «زمن المباراة »- ما يقع على أرضية الملعب وما يقع في المدرجات. فالتوازي بين الفعل الجسدي بحركاته التي لا تنتهي واندفاعه الدائم نحو «هدف» مرسوم بدقة، وبين  انفعالات الجمهور، يتحدد من خلال الطبيعة الطقسية للفعل الكروي ذاته، أي من خلال استحضار فضاء الفعل وأدواته وغاياته المحددة في إيلاج شيء داخل ثقب يمثل لحظة الإشباع التي تستكين معها النفس وتنتهي عندها كل الانفعالات.
فمع انطلاق المباراة تبدأ «مداعبة الكرة» و«ملامستها» من أجل «معانقة الشباك» و«اختراق المرمى»، إلا أن الكرة عنيدة، فهي «تتمنع»و«تتدلل»، ترتد إلى الوراء، ثم تتقدم، تقترب من الهدف ثم تبتعد، تأتي ثم تمضي، تنتقل من اليمين إلى اليسار. وكلما ازدادت «حركة الكرة» وازداد تنقلها من لاعب إلى آخر ضمن حركة فنية وبدأت تقترب من المرمى، انحبست الأنفاس وامتدت الأجساد إلى الأمام، لتسقط بعد ذلك على الكراسي الباردة في حركة انحصار انفعالي يشبه الانتصاب غير الكامل، أو الفعل الجنسي الناقص. لتعاود الجموع صراخها من جديد، وهي تتابع الكرة ترتد على نفسها وتتوجه نحو غايتها المثلى: البوابة التي تحتضن انفعالات اللاعب والجمهور. إن الأمر قريب جدا من حالات «المراودة» و«التهييء» و«التمنع» و«الرغبة المتأججة»، ثم الانكفاء على النفس في حركة يائسة تعبر عن رغبة لم تتحقق أو لذة لم تكتمل.
فالأمر يحدده «الهدف»،  أي الارتقاء  الانفعالي التصاعدي من حالة بدئية تمثل حالات «المراودة» و«التغزل» و«الاستمتاع بالمفاتن» والتنقل في «جغرافية الملعب»  تمهيدا للولوج النهائي، وهي اللحظة التي تمثل أقصى حالات الانتشاء. لذلك تشبه بعض الأهداف، في أدبيات كرة القدم، حالات  «الاغتصاب الجنسي» . فـ«الكرة الطائشة» التي تلج المرمى دونما فرجة أو متعة أو مداعبة تعد، في عرف القوانين هدفا، إلا أنها لا تمثل أي شيء عند الجموع التي تبحث عن «متعة» في الفعل الكروي، لا عن إيلاج عنيف أو «قذف سريع».
وذاك هو الحد الفاصل بين «البحث» و«الهدف»، بين «البداية» و«الغاية»، بين «الأصل» و«المنتهى»، بين «الرحلة» و«الوصول». إن سيرورة البحث متجددة، أما حالات الوصول فعقيمة لأنها تمثل «اليقين» و«الحقائق الثابتة» . لذلك لا يشكل الإشباع سوى لحظة عرضية ضمن مسيرة لا يمكن أن تنتهي عند حد بعينه، فالنفس «أمارة بالسوء»  عاشقة لحالات الإشباع المتجددة، وهذا ما يجعل البحث أصلا للمتعة ومادتها. إن الإشباع لا يساوي شيئا أمام لذة الكشف والتلذذ بدروب الرحلة، صاعدها وهابطها، أولها وآخرها، فأجمل من عشتار براقعها، فعندما تنزع كل البراقع عنها، يصاب الناظر إليها بالجنون .
وهذا ما يبدو من خلال «رد الفعل» اللفظي المصاحب للفرجة. فعندما تتراجع الإثارة ويتقلص حجم الانفعال، يرتخي الجسد، ليتم الإشباع على شكل خطاب «سبابي» يحول اللاعبين والمسيرين إلى كائنات مخصية شبيه بالخنثى أو الشواذ جنسيا ( يصرخ الجمهور في وجه اللاعبين واصفا إياهم بـ «الدريات» الفتيات) . بل إن الحكم ذاته ليس سوى شاذ يمنع الانتصاب ويحول دون تحقق اللذة الجنسية التي يمثلها انسياب الكرة في الشباك كحالة من حالات الارتواء.
وهذا يفسر الطابع الذكوري للعبة. فاللعب «رجولي» (8) وتدخلات اللاعبين «رجولية»، والواقف أما المرمى «أسد»، ويتكون الجمهور في أغلبيته الساحقة من الرجال، و الكرة وحدها «مؤنثة». لذلك يداعبها الرجال، ويجرون وراءها، ويتسابقون لوضعها على صدورهم أو بين أرجلهم. وعندما يتهاون اللاعبون في اللعب ويهزمون ينعتون بـ «الفتيات» ، أي بالضعف والوهن والرقة والأنوثة وقلة الفحولة. بل قد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك. فالكرة رجالية أي كونية، لذلك تخصص اللعبة وتسمى «كرة القدم النسائية» ( لا يقال «كرة القدم الرجالية»، ويقال «كرة القدم النسائية»)، وهذه الكرة ليست سوى محاكاة ساخرة للأولى، فاللاعبات بارعات بقدر قدرتهن على الاقتراب من النموذج الرجالي في اللعب.
ومبدأ «الرجولة» هذا هو الرابط بين الاستراتيجية الحربية والاستيهام الجنسي. فالجنس في المتخيل الذكوري معركة، وكل أداة هي إحالة على الانتصاب والفحولة، وكل شيء مجوف هو بالشكل والتناظر عضو نسائي، لذلك فاللاعب فارس يمتطي صهوة جواده، والفروسية فحولة وعشق وتوغل في متاهات الصحراء وأدغال إفريقيا.
* ناقد وأكاديمي  من المغرب

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }