سوزان سونتاغ فـي «الالتفات إلى ألم الآخرين»: ما وراء خطاب الصورة الفوتوغرافية

سوزان سونتاغ فـي «الالتفات إلى ألم الآخرين»: ما وراء خطاب الصورة الفوتوغرافية

جعفر العقيلي- تطرح الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ، في كتابها ''الالتفات إلى ألم الآخرين'' الذي صدرت طبعته العربية الأولى مؤخرأً عن دار أزمنة، بترجمةٍ من مجيد برغوثي، أفكارها الخاصة حول موضوعة الحرب، فيما هي تردّ على ما جاء في كتاب فرجينيا وولف ''ثلاث جنيهات'' الذي صدر في العام 1938، متضمناً تأملات وولف الجريئة حول جذور الحرب. إذ كانت وولف مهتمة بأحداث العصيان الفاشستي المسلح في إسبانا وقتها، ولم تلقَ الأفكار المناهضة للحرب ترحيباً في الأوساط الأميركية آنذاك.
في ''الالتفات إلى ألم الآخرين'' تحاول سونتاغ التي ولدت في أميركا العام 1935، ورحلت في الأسبوع الأخير من العام 2004، الإجابة عن سؤال ''كيف لنا برأيك أن نمنع الحرب؟''، وهو السؤال الذي سبق وأن طرحه أحد المحامين على وولف، وكان كتابها بمثابة رد عليه. وبالنسبة لسونتاغ، فإنه لا يمكن الإجابة، دون أخذ الجندر أو الجنس البشري، بعين الاعتبار، وتقول في كتابها: ''على الرغم من أنهما ينتميان إلى نفس الطبقة )تقصد وولف والمحامي) إلا أن هوّة واسعة تفصل بينهما: فالمحامي رجل وهي امرأة، والرجال يصنعون الحرب. والرجال، معظم الرجال، يحبون الحرب، لأن الرجال يجيدون بعض المجد وبعض الشهرة وبعض الإشباع في القتال، وهي أمور لا تحسّ ولا تستمتع بها النساء، معظم النساء، فما الذي تعرفه امرأة مثقفة، قل محظوظة، وميسورة الحال مثلها عن الحرب، هل يمكن أن يكون نفورها من غواية الحرب مثل نفوره هو؟''.
 وترى سونتاغ أن أهمية كتاب ''ثلاث جنيهات'' متأتيةٌ من تركيزه على فكرة أن الحرب لعبة الرجل، أي أن من يدير جهاز القتل هو جنس محدّد؛ الذكورة، وأن ''الصور الفوتوغرافية لضحايا الحرب هي في حدّ ذاتها نوع من البلاغة الرنانة، فهي تُكرر، وتُبسّط، وتُثير''، على أننا نجد سونتاغ تنتقل من مناقشة فكرة الجندر التي تختفي من الكتاب بالسرعة التي ظهرت بها، لتنتقل للإجابة عن السؤال المطروح حول إمكانية إلغاء الحروب، وترى أن لا أحد يستطيع إلغاء الحرب حتى دعاة السلام، وتقول في هذا السياق: ''نأمل فقط (بلا جدوى في هذه اللحظة) في إيقاف الإبادة الجماعية، وفي إحضار أولئك الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة لقوانين الحرب إلى العدالة (لأن قوانين الحرب موجودة، وعلى المتحاربين الالتزام بها) كما نأمل التمّكن من إيقاف حروب محددة عن طريق فرض بدائل للصراع يتم التفاوض بشأنها''.
 يمثل كتاب سونتاغ التي وصفها جونثان ميللر بأنها ''أكثر نساء أميركا ذكاء''، بحثاً مختلفاً، حول التصوير الفوتوغرافي، وبيان مدى تأثير صورة المعاناة على الجمهور الدولي، وبالتالي تحريكه لاتخاذ بعض الإجراءات السياسية التي من شأنها الحدّ من الحروب، وما تخلفه من كوارث على البشرية.
 وترى سونتاغ أن ''الصور التي تعكس عملاً وحشياً قد تثير استجابة مضادة؛ دعوة للسلام، صرخة للانتقام، أو ببساطة، وعياً مربكاً يعاد تخزينه باستمرار بواسطة المعلومات الفوتوغرافية بأن أشياء مريعة تحدث''. وتشير في هذا السياق إلى أن الحرب التي شنتها أميركا ضدّ فيتنام هي أول حرب تشاهَد يومياً عبر كاميرات التلفزيون، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت المعارك والمجازر التي تُصَوَّر حال وقوعها، من المكونات الروتينية للتدفق المتواصل لمتعة المشاهد للشاشة الصغيرة. كما ترى سونتاغ أن فهم الحرب عند الناس الذين لم يجربوا الحرب جاء بتأثير مما تحدثه هذه المشاهدة، مؤكدةً على أن الكارثة كتجربة حية لا تشبه في الغالب صورتها، إذ تبدو الصورة أكثر سريالية، ومرد ذلك حسب ما ترى سونتاغ هو أن الصورة المجنّدة كجزء من الصحافة يُتوقَّع منها أن تأسر الانتباه، وأن تُفزع المُشاهد، وتُدهشه، وهي تقول في ذلك: ''ما يحرك المشروع المتعلق بالتصوير هو جزء من الطبيعة العادية للثقافة التي أصبحت الصدمة فيها مثيرةً للاستهلاك ومصدراً للقيمة''، مستشهدةً بقول أندريه بريتون ''الجمال إما أن يكون صاخباً أو لا يكون''.
وتلفت سونتاغ إلى مقدار ما تتحلى به الصور الفوتوغرافية التي تُحنّط لحظات الموت والدمار من مصداقية، وإلى ضرورة التدقيق في صانع الصورة، مؤكدةً على أن صور الأحداث الجهنمية تبدو موثوقة أكثر عندما لا يكون لها المظهر الذي يُنتَج من كونها مُضَاءَة ومؤلَّفة بعناية، لأن المصور إما هاوٍ، أو أنه تبنى أحد الأساليب المضادة للفن، وتشير في هذا السياق إلى أن ''الصور الأقل صقلاً لا تحظى بالترحيب، فقط لأنها تمتلك نوعاً خاصاً من المصداقية، فبعضها يضاهي أفضل الصور، فمعايير الصورة الفصيحة والجديرة بالتذكر معايير متساهلة إلى حد كبير''.
وهي تلفت إلى أن الصور التي تُفزع المشاهد حين يكتشف أنها أعدت مسبقاً، هي التي تبدو وكأنها تُسجّل لحظات الذروة الحميمية، وفي طليعتها لحظات الحب والموت، وتسوق مثالاً على ذلك في صورة ''موت جندي جمهوري'' للمصور كابا، إذ تبين أن الجندي المتهاوي كان يمثل ذلك أمام آلة التصوير. كذلك بالنسبة للصور التي التقطها روبرت دويزنو لعاشقين يقبلان بعضهما بعضاً على جانب الطريق، حيث كانت الصورة مرتبة، إذ تم استئجار رجل وامرأة ليقبّلا بعضهما بعضاً أمام الكاميرا.
غير أن سونتاغ تؤكد على أن الصور التي تم التقاطها منذ حرب فيتنام توحي بأن المصورين كانوا ملتزمين بمعيار الأمانة الصحفية، ويعود السبب في ذلك إلى التلفزيون الذي أصبح في حرب فيتنام الوسيلة التي تحدد كيفية عرض صور الحرب، وحتمت على المصورين أن ينافسوا فرق التلفزيون ويكونوا في قلب الحدث دائماً.
وتتحدث سونتاغ عن الهدف الذي تسعى الصورة الفوتوغرافية إلى إظهاره في لحظات الألم والمعاناة، وهي في هذا السياق تربط بين ما تدعوه ''الشهية لرؤية الصور التي تُظهر الأجسام في حالة الألم''، وبين ''الرغبة في رؤية الصور التي تُظهر الأجسام وهي عارية''، وتوضح ذلك بقولها: ''يمكن أن يشعر المرء بأنه ملزَم بالنظر إلى الصور التي تسجل الويلات الكبرى والجرائم، ويجب أن يشعر المرء بأنه ملزَم بالتفكير في معنى النظر إليها، وفي القدرة على استيعاب ما تظهره، ولا تكون كل ردود الأفعال إزاء هذه الصور تحت إشراف العقل والضمير. إن معظم صور الأجساد المعذبة والمشوهة تثير فعلاً اهتماماً شهوانياً''. وتستشهد سونتاغ في هذا الرأي بقول لأفلاطون يؤكد فيه أنه من المسلّمات أن  لدى البشر شهية لرؤية مناظر السخط والألم والتشويه.
وتعتبر سونتاغ أن الحرب هي المصدر الأساسي للأخبار التي لا تقاوم، والأكثر إغراء للتصوير، مبينة أن تحنيط لحظات الموت، وتثبيتها عبر الزمن، أمر تستطيع أن تفعله آلات التصوير فقط، وأن الصور التي يلتقطها المصورون في الميدان للحظة الموت أو اللحظة التي تسبقها مباشرة، هي أكثر الصور التي يتم الاحتفاء بها وإعادة إنتاجها أكثر من مرة.
ولم تخفِ سوزان سونتاغ رفضها لعرض صور القتلى أمام أهلهم وذويهم، لما يسببه ذلك من ألم ومعاناة لهم، مشيرة إلى أن آلة التصوير تقرّب المشاهد أكثر مما يجب بمساعدة عدسة التكبير، مما يجعل الصورة تقدم معلومات غير ضرورية وغير لائقة من الناحية الأخلاقية. وسونتاغ إذ تعترف بوجود الرقابة على عرض مثل تلك الصور، إلا أنها تقر بأنها في الغالب رقابة عشوائية، تخع لرغبة الجنرالات ورؤساء الدول. وبحسب سونتاغ فإن أول حظر منظم على الصور الصحفية في جبهة القتال، جاء إبان الحرب العالمية الأولى، حيث وجدت الرقابة الذاتية والمفروضة من قبل الجيش عدداً كبيراً من المؤيدين والمدافعين عنها.
غير أن سونتاغ تسجل ملاحظاتها الجريئة حول النظرة الأوروبية التي لا ترى غرواً في عرض صور الآخر، غير الأوروبي، في لحظات الموت والألم، وهي ترى أنه في عقد التسعينيات واشتعال حملات القتل الصربية في كوسوفو، أظهرت الصور بشاعة تلك المجازر ولم تحرك أوروبا ساكناً، ذلك أن دول البلقان لم تكن أبداً جزءاً من أوروبا.
وتقول سونتاغ موضحة: ''إن الأجساد التي تظهر في الصور المنشورة هي من آسيا وأفريقيا، والتقليد الصحفي يرث الممارسة التي يبلغ عمرها قروناً وتتمثل في عرض الكائنات البشرية الغريبة، أي المستَعْمَرَة، وكأنها حيوانات في حدائق الحيوان''، وتضيف ''أن صور الأعمال الوحشية التي وقعت على هؤلاء ذوي البشرة الأدكن في الأقطار الأغرب تظل توفر مثل ذلك العرض، مع نسيان الاعتبارات التي تمنع مثل تلك العروض عندما يتعلق الأمر بذوينا نحن من ضحايا العنف، لأن الآخر -حتى لو لم يكن عدواً- يُعتبر شخصاً يمكن رؤيته فقط، وليس كشخص مثلنا يرى أيضاً''. وفي هذا السياق تسوق سونتاغ مثالاً لصورة أحد جنود طالبان وهو يتوسل إبقاءه على قيد الحياة، والذي نشرت صحيفة ''نيو يورك تايمز'' صوره بشكل صريح.
وتحاول سونتاغ الربط بين المشاهد الدموية لصور الحرب، وبين الجمال، وهي تقول إن ساحة المعركة الدموية جميلة، وتسجَّل في خانة الجمال السامي أو المرعب أو المأساوي. وعلى الرغم من اعترافها بأن فكرة وجود الجمال في صور الحرب يبدو مسعى بلا قلب، إلا أنها تؤكد أن منظر الدمار يظل منظراً، وأن هناك جمالاً في الأنقاض، وأن ''الاعتراف بجال صور أنقاض مركز التجارة العالمي في الأشهر التي أعقبت الهجوم كان يبدو طيشاً وكفراً، وأكثر ما تجرأ الناس على قوله هو أن الصور كانت فوق الواقعية (سريالية)''.
وترى سونتاغ أن المشاهد الملتقطة في الصور الفوتوغرافية تبدو أفضل حين يتم تجميدها في الصورة، وأن إحدى وظائف فن التصوير هي تحسين المظهر العادي للأشياء، فالتجميل بحسب سونتاغ يمثل إحدى العمليات الكلاسيكية لآلة التصوير، وأن الصورة لكي تَتهم أو تعمل على تغيير السلوك فإنها يجب أن تكون صادمة.
وفي تأملاتها حول تأثير فن التصوير على المشاهد، تناقش سونتاغ فكرتين شائعتين بموضوعية. وتقول الفكرة الأولى إن الاهتمام الشعبي الموجه لوسائل الإعلام، وبشكل خاص الصور، يعزز من ''واقعية'' الحرب، وبالتالي يشكل ما ينبغي للمشاهد أن ينتبه له من كوارث وصرخات واهتمامات، ويثير أنوعاً مختلفة لتقييم هذه الصراعات. أما الفكرة الثانية التي تبدو مناقضة للفكرة الأولى، فهي القائلة إنه في عالم مشبع بالصور، يتلاشى تأثير الصور التي يجب أن تثير الاهتمام بالتدريج، فيصبح المشاهد متبلداً، وأقل قدرة على الإحساس واستثارة الضمير الإنساني.
وتقول سونتاغ في معرض توضيحها للفكرتين: ''حين يصبح الحدث الذي يُعرف من خلال الصور أكثر واقعيةً مما لو لم يرَ المرء الصور، إلا أنه بعد تكرار عرض تلك الصور يصبح الحدث أقل واقعية، فبقدر ما تخلق الصور إحساساً بالتعاطف، فإنها تضعفه بنفس القدر''.
عداء سونتاغ للحرب، هو شيء عام، لا يرتبط بمكان أو زمان أو أشخاص، وهي بذلك ترى أنه لا يوجد يقين كامل بأن هناك حقاً مطلقاً، أو ظلماً مطلقاً، وبالتالي تسقط الدعوات القائلة بوجوب استمرار الصراع بين الحق والباطل عبر الحروب. وهي تدلل على ذلك بقولها: ''بالنسبة لليهودي الإسرائيلي، فإن صورة طفل مزقه الهجوم على )سبارو بيزاريا) داخل مدينة القدس هي في المقام الأول صورة طفل يهودي قتله انتحاري فلسطيني، وبالنسبة للفلسطيني فإن صورة طفل مزقته دبابة في غزة هي في المقام الأول صورة طفل قتلته المدافع الإسرائيلية''.
وترى سونتاغ أن الصور ذات الموضوعات الكئيبة والمؤثرة عميقاً في النفس هي فن، وأن عرضها في متحف أو معرض من شأنه أن يشتت انتباه الرائي لها، مؤكدةً على أن تأثر تلك الصور يكون أكبر من خلال تواجدها في كتاب، حيث ''يستطيع المرء أن ينظر إليها على انفراد، ويتمعن أكثر في الصور، بدون حديث''.
وفي ختام كتابها تلفت سونتاغ إلى ضرورة وقف الحروب، من منطلق وعي الإنسان بألم أخيه الإنسان في كل زمان ومكان، وتقول بكلمات معبّرة: ''لا نستطيع أن نتخيل كم هي الحرب مخيفة، مرعبة، وكيف تصبح شيئاً عادياً. لا نستطيع أن نفهم، لا نستطيع أن نتخيل. ذلك ما يحسه بإصرار كل جندي، وكل صحفي منقذ ومراقب محايد أمضى زمناً تحت النار، وحالفه الحظ ليتفادى الموت الذي صرع الآخرين بجواره. وهم على حق''.