سالم النحاس في «أوراق عاقر» البحث عن سر الهزيمة وسر الخصب

سالم النحاس في «أوراق عاقر» البحث عن سر الهزيمة وسر الخصب

نزيه ابو نضال- ربما لم يتح انشغال سالم النحاس بالهم العام: السياسي والنقابي، وبصورة شبه يومية، وعلى مدى أربعين عاماً، تقريباً، الفرصة الكافية والوقت الضروري للكتابة الابداعية، وخاصة في حقل الرواية التي تحتاج الكثير من الوقت والجهد.. حيث لم يقدم في هذا المجال سوى «أوراق عاقر»، 1968، عن هزيمة حزيران ، و«تلك الاعوام» ، 1984، عن يوميات الدروبي عواد، ثم رواية الساحات عن تجربة السجن، 1987، وقبلها مجموعة أنت يا مادبا القصصية، .1979 والى جانب ذلك نشر مسرحيتين، الاولى الانتخابات، 1981، والثانية وادي النسا أو طائر الشوك، .2003
* * *
يلحظ نقاد الأدب ومؤرخوه ثلاث مراحل أساسية في مسيرة الرواية الاردنية:
أولاً: الريادات المبكرة والمتفرقة بأقلام: أديب رمضان (1935) وروكس بن زائد العزيزي (1936)، تيسير ظبيان (1940)، شكري شعشاعة (1945)، عبد الحليم عباس،    (1949) .. الخ..
 ثانياً: الدور التأسيسي لثلاث روايات صدرت عام 1968، وأسهمت  في اطلاق الرواية الاردنية المعاصرة: «أنت منذ اليوم» لتيسير سبول، و«أوراق عاقر» للنحاس، و«الكابوس» لأمين شنار، وبالطبع الى جانب مجمل روايات القامة العملاقة غالب هلسا، ابتداء بـ «الضحك» 1970 ثم على التوالي: «الخماسين» 1975،  «زنوج وبدو وفلاحون» 1977 «السؤال» 1979، «البكاء على الاطلال» ..1980 الخ..
ثالثاً: الانطلاقة، وهي مجمل الابداع الروائي المتصاعد بامتياز، منذ السبعينات الى اليوم.
* * *
أوراق عاقر
نظراً للموقع التأسيسي المتميز الذي تحتله أوراق عاقر على خريطة الرواية الأردنية فسنفرد لها هذا البحث، رغم ان نص النحاس شبه الروائي المسمى بـ «تلك الأعوام» هو في رأيي واحد من أهم الروايات الأردنية، بل وتكاد شخصية الدروبي عواد، بمكوّنها الناري المضاد للقمع، تماثل بطلي حنا مينة: مفيد الوحش، في نهاية رجل شجاع، والطروسي في الشراع والعاصفة.
في أوراق عاقر لا يقترب سالم النحاس من هزيمة حزيران 67، رغم أنها هي المحرك المباشر للكتابة، ولكنه يلجأ الى الرمز، والى مجموعة من الاشارات والقرائن الدالّة على الموضوع، وهو حين يفعل ذلك يبتعد عن الغموض والابهام باتجاه رمزية أرادها الكاتب شديدة الوضوح، كي يتجنب التأريخ المباشر للوقائع والاحداث وليفسح المجال كي تروى الحكاية بنص شعري يجنّح باللغة بعيدا عن دلالاتها المباشرة.. فيكون للخطاب الابداعي قيمة تأثيرية مضاعفة، وهو ما تسعى اليه الكتابة الملتزمة، كما هو الحال في كل كتابات النحاس.
***
تتشكل أوراق عاقر من أربع مجموعات من الاوراق، يرصد الكاتب من خلالها محاولات بطل الرواية العقيم (أبو يعرب) للعثور على العلاج الذي يجعل الخصب ينطلق في أحشاء زوجته أمية.. فيتاح لـ«يعرب» أن يرى النور، ليصبح أبو يعرب بالفعل، وليس بالاسم فقط.. متأملاً أن يأتي خلاص الامة على يد يعرب المنتظر.. انه هنا يشبه الى حد بعيد المشهد الذي بناه مؤنس الرزاز لاحقاً في الذاكرة المستباحة حين راح المشلول عبد الرحيم الامين يعلق آماله، بل أوهامه بالخلاص على ولده المعتوه منقذ. كما أن دلالة الاسم (يعرب) يتقاطع دون اتفاق مع بطل رواية سبول (عربي) التي صدرت في نفس العام (1968).
وأبو يعرب بدوي يدرك بعمق أن المشكلة تكمن به هو.. ولهذا نجده يتردد على أخصائيي الامراض التناسلية في عمان للعلاج، وحين يطلب بعضهم اجراء الفحوصات للزوجة..فقد تكون هي السبب. فإن «أبو يعرب» يرفض باصرار، لأنه على يقين بأن «أمية خصبة كأرض الاغوار»، وأن معنى احضارها لطبيب أنه يشك في قدراتها على الانجاب، وهذا الامر ليس موضع شك.. ذلك أن أمية ليست مجرد امرأة فهي رمز للعروبة، وهي تشتق اسمها من بني أمية الذين أقاموا، في دمشق، مجد الأمة قبل أكثر من ألف عام.
 وعن هذه الخصوصية الحميمة بين «أبو يعرب» و«أمية» يقول الزوج العاقر «.. وكثيرا ما اعتقد أنّا زوجان منذ بدء التاريخ، أو فلنقل منذ ترك نوح سفينته العجيبة، ووطأ الطين الاسمر، ومشى يحمل في كف جثّة الموت، وفي الكف الأخرى خارطة الشرق القديم، وعلى كتفه الحكمة التي ولدتها قسوة الطوفان».
ولأن شراكة الزواج بين البدوي العاقر وأمية تحمل كل هذه الرموز والابعاد فإن  «أبو يعرب» يشعر بالمهانة تجتاحه كالعرق الساخن في حر الصيف.. يقول لنفسه: «أنا عاقر، وليس هناك مأساة اعمق من مأساة البدوي العاقر.. أمية خصبة.. وأنا المجدب القاحل، انا الموقد البارد، وأمية يقتلها الزمهرير.. تحتمي من الشتاء بالشتاء».
ويبلغ ألم «أبو يعرب» الاوج حين يقول له الطبيب: «لا فائدة في الظرف الحاضر على الأقل»، ولكنه يتشبث بالأمل فقد نصحه الطبيب في عمان بالذهاب الى دمشق.. فهناك طبيب موصوف في معالجة أمراض العقم.
* * *
في دمشق يخبره الطبيب بأنه لا يعاني من أية إعاقة جسدية.. ولهذا لا بد من فحص الزوجة.. ولكن «أبو يعرب» يرفض بشدة.. لأنه يرفض مجرد الشك بقدرة أمية على الانجاب.. فيقرر العودة الى عمان، وهناك يسكن في بيت صديقه محي ويبدأ رحلة علاج جديدة بين الاطباء والمشعوذين.. ثم ليفاجأ الجميع بعد أسابيع بأن امية حامل.. فتغمر السعادة القلوب بقرب مجيء «يعرب» المخلص.
ثم تبدأ المأساة منذ الشهر الثالث والرابع فإن حركة الجنين لم تظهر. ويؤكد الخبراء بإن من المستحيل ان يمر الشهر الخامس دون ان تشعر الأم بحركة الجنين .. وألا فلا بد ان يكون في الأمر شيء... ثم لا تلبث كل هذه المخاوف ان تتأكد حين يتبين الجميع أن حمل «أمية» كاذب ، وأن الولادة لن تتحقق بهذه السهولة.. ذلك أن زمن الفعل الذي يصنع جنيناً حقيقياً لم يأت بعد..
حين يعجز الطبيب الماهر سامي عقله ثم د. عارف عن علاج عقم ابو يعرب يلجأ إلى طبيب آخر هو فيصل الامام ثم رابع هو د. خليفة ... ولكن النتيجة لم تتغير.
ونلحظ من خلال اسمي الطبيبين عقله وعارف دلالاتهما الرمزية فهما مشتقان من العقل والمعرفة أي العلم، بينما يرمز اسما الامام وخليفة إلى مراتب دينية.
وكأن الكاتب يريد ان يقول بأن لا محاولات العلم ولا الدين قد شكلت الحل المنشود لعقم الزوج البدوي.
إن ثمة خللا مركزيا في تكوين البدوي المعاصر وهو انقطاعه عن تراثه وتكوينه الخاص كما قال له صديقه محي «كان البدوي فارساً وملتقى الروافد» .. وكنت اعرف مبلغ صدقه عندما أكد لي: «إن تاريخ اجدادك هو ضمانتك الوحيدة ضد العقم». 
يتساءل أبو يعرب بعد أن أبلغه الأطباء بأن لا عائق لديه، وبعد أن فشل المشعوذون بإيجاد الحل: «أين اخطأ الإطباء؟ ام انهم لم يغعلوا شيئاً؟ وما عذابي ولهاثي المحروق إلا عقاب استحقه؟ والمرض بلوى عرفنا كيف نصطبر عليها؟»
وسط هذه الدوامة من البحث الملتاع عن سر الخصب وسر العقم يعثر في سوق العطارين في المدينة على لوحة لامرأة حامل تشبه أمية، فيقول أبو يعرب لنفسه:
«سنعلّق اللوحة في الصالة ليراها كل الناس».. ولكنه لا يلبث ان يتراجع «آلامنا ليست للزينة .. إذن لنضع اللوحة في غرفة النوم».
ويصرخ أبو يعرب متألماً : «يا للعذاب ! سأترك الأمر لأمية». اما هو فيذهب الى الشعر: متوحد انا واعزل.. ورمل الصحراء العربية يستفيق.. الأفق غلالة تنسدل على جبين صبوح كالندى.. ينبيك نوره بأنه يود لو ينعتق، يود لو يضيىء.
غير أن موعد الضوء لم يحن بعد.
* * *
ينكشف سر الحمل الكاذب في شهر حزيران .. وفي ذات التوقيت  5 حزيران تنفجر انبوبة غاز المبنى وينتشر الحريق في المطبخ والحمام والصالة، ويحاول أبو يعرب إنقاذ زوجته أمية... اما موجودات البيت كله فقد تحولت إلى رماد، باستثناء صورة صديقه محي التي انقذها في اللحظة الأخيرة، وقد تشوهت بالدخان الأسود .. كل هذا حصل خلال ست دقائق.
تنتقل أمية مع صورة محي عند ابو سلطان، وهو صديق قديم لـ«أبو يعرب» فيما يدخل أبو يعرب إلى المستشفى ليعالج من الحروق الشديدة التي لحقت به.
بالطبع الرموز هنا أكثر من واضحة : فالحرب نشبت في 5 حزيران واسموها حرب الأيام الستة.
كان الخراب كبيراً .. ولكن امية انقذت وكذلك تم إنقاذ صورة صديقه محي، الرمز المناضل في الثبات على المبدأ وفي رفض واقع الهزيمة.
رغم السواد والحريق فلا زال ثمة نور.. ولا زال ثمة أمل بأن «يعرب» لا بد سيأتي..
نتعرف من خلال «اوراق عاقر» على اصدقاء «أبو يعرب»، ونكتشف من خلال تداعياته واحلامه كيف حاولوا الفعل قدر طاقاتهم:
«كانوا ثلاثة وكنت رابعهم. وكنا نهبط المنحدر نحو أرض الغور»
والغور هو مكان خصب .. كما هو مكان العّماد والعبور المسلح إلى الوطن، وهو كذلك حيث تختبىء البذور انتظاراً لمواسم الحصاد...
واصدقاء «أبو يعرب» الثلاثة هم: محي ومحمد قاسم وصلاح...
وكان محي دائماً هو حامل مشعل الأمل رغم قسوة الشتاء الطويل، يقول: «البذور القوية هي التي تعيش.. هذه هي حكمة الشتاء الوحيدة»..
وحين انكشف الحمل الكاذب ، أي الاوهام التي سبقت ورافقت حرب حزيران... وحين وقعت الهزيمة المرة عام 1967، وأحس الجميع بالضياع والعار، فإن محي وحده ظل قادراً على القول والفعل من أجل مجد الوطن وشرفه:
«الشرف والعطاء توأمان».. ولأن احداً لم يعط حقاً ، فليس ثمة شرف.. فلا بد إذن من العمل.. لا بد من التضحية.. من أجل ان نتجاوز زمن الحمل الكاذب... من أجل مجيء يعرب الحقيقي... ولكن الأمر لن يكون سهلاً ولا ميسوراً.
يلتقط ابو يعرب الاشارة من محي فيقول: هذا انا اضحيتكم ... لنمضي مع القادرين على الموت من اجل العيون الربيعية التي تختنق في الاغوار...آه .. ما أصعب خلق الرجال.
* * *
في «أوراق عاقر» حرص النحاس على تأكيد انتساب «أبو يعرب» للبداوة رغم ان اسمه يرمز بوضوح للمواطن العربي عموماً.. غير ان دلالة البداوة هنا ترتبط بمفهوم الاصالة والصدق. وقد تأكد هذا المعنى اكثر من مرة... فأبو سلطان، صاحب مكتبة الشعلة ورمز المحافظة على تراث الأمة يثق بالبدو وبأصالتهم حتى انه على استعداد ان يؤمن الواحد منهم على كل شيء «على ماله وعياله».
وفي الحوار الطويل الذي دار  بين أبو يعرب وبين الطبيب الدمشقي يتضح هذا الاصرار على تأكيد البداوة، حتى لو كان هذا البدوي (أبو يعرب)  «مسجون في الماضي، والماضي مسجون فيه» ... ذلك ان البدوي يظل أقرب صلة وأشد التصاقاً بالتراث وبالتاريخ «ان تاريخ اجدادك هو ضمانتك الوحيدة ضد العقم» اكثر من ذلك، وكما قال للطبيب الدمشقي «إن الطريق الوحيد الموصل الى الأمام هو طريق العطاء والخصب، وعبر هذه الطريق وحدها يحافظ على ممتلكاته العظيمة وهي الايمان والحب والكرامة والصمود.. وحتى الكثبان الرملية»..
والكثبان الرملية هنا هي الدلالة المكانية المباشرة لوعاء التاريخ العربي، بما يحويه من قيم مقدسة.
ولهذا فإن «ابو يعرب» يتشبث بعناد كبير بما يؤمن به حتى ان الطبيب الدمشقي يقول له: انت عنيد يا أبا يعرب، وعنادك من نوع غريب لا أفهمه.
فيقول أبو يعرب: ألم أقل لك أنني بدوي؟
- أعرف بدواًً كثيرين وعالجت الكثير منهم، ولم اقابل مثل عنادك هذا..
- ذلك ان العناد الذي لا تفهمه نابع من أن البدوي مؤمن الى الحد الذي لا يعترف معه باللون الرمادي:
 الله أو الشيطان، الفضيلة أو الخيانة، الحياة أو الموت.
وابو يعرب مستعد تماما لاختيار الموت إذا كانت الحياة خالية من الكرامة
لقد سألته المرأة الانكليزية التي قابلها في دمشق «ماذا أبقى لك العالم؟»  فأجابها «أبو يعرب : «الموت ، لم يبقى الا الموت».
إن التكوين النفسي لـ «أبو يعرب» وبحثه المضني عن يعرب وقبول االموت، تعني فقط أن هذا الاختيار الواعي والحكيم هو أقصر الطرق المؤدية الى الحياة الحقيقية.
وهذا الاختيار يتبدى في العبارة الاخيرة من «اوراق عاقر»، إذ يقول «ها أناــ! ساكون تضحيتك المقدسة!! . فلنلحق بالرجال القادرين على الموت، لإعادة الحياة لعيون الاغوار

nazihabunidal@hotmail.com