يعصف الألم بأوتار قلب، فتنبعث من بين حناياه تأوهات حزينة تنكأ جرحا عميقا يخال بأنه اندمل ولم يعد لخطوطه أثر على سطح الاحساس، الذي يوشك ان يتلبّد ويصبح اقرب الى الجفاف، فيشتد النزف وتندلع نيران الحيرة ويتأجج الألم بين الضلوع ويتوهج الزيف في وجوه الأشياء
ترتعش الخفقات فيتجسد القنوط..ويتهاوى الصبر..ويخر الصدق صريعا مضرجا بدماء الخجل، ويستل الكذب والنصب والاحتيال الحياء من اوردة الوعد وشرايين الغد، فيحتضر الأمل ويتلاشى في طرقات الأيام، فتقفز من بين ادراج الزمن المنتحب دفاتر الماضي الزاخرة بأروع الذكريات فتتمزق الصفحات.. وتتساقط الكلمات.. وتتناثر هنا وهناك، فتتكسّر الحروف، ويخبو بريق الأحلام، فتزحف الذكريات متحشرجة الى حافة الواقع المرير تبحث عن الحقيقة الغارقة في خضم الأوهام، تصارع امواج القهر والغبن، تغوص في اعماق جحور الغش، وتغرق في لجة الخداع فتثور براكين الأحزان وتقذف من اعماقها حمما ملتهبة من الألام والعذاب، فيغشى ضباب الرهبة دروب وممرات الحياة الوعرة المدججة بنتوءات الحيرة وحفرالتشتت والضياع، وتغيب في ارجائها عناصر الفرح وتوشك على الاضمحلال على مشارف الزمن المراوغ العاقر الذي تتسامى فيه روح الأنانية وتحتضر في اروقته وعلى ابوابه ومداخله حمائم السلام
آه للقدر ما اقساه، ولابتسامته الساخرة حين يوزعها على افواه اللحظات، وآه من اشواك القلق الدامية التي يزرعها في مواطن الاطمئنان والأمان ينشرها ويوزعها على ارصفة محطات الانتظار، وآه من اجنحة البؤس القاتمة التي يفردها على امتداد مساحات الأمل، وآه ثم آه من خيوط اليأس الباهتة التي يحيك بها اوشحة الأماني، وآه من اقلام الأسى التي يلوّن بها تقويم الأيام
ويحك وتبّا لك ايها الزمن العابق بروائح الخيانة والظلم والتشرد والغدر والفساد، ما بالك تترك لشراذم الشر والطاغوت تطويق اعناق الحق والحقيقة بحبال الباطل، لم تصب نقمتك على قلوب نقية ناصعة البياض صادقة عامرة بحلاوة وروعة الايمان، لم تسكب المرارة بغزارة في صدور تتحلّى بالصدق والطهر والتفاؤل، وتعتمر بالنزاهة والأمان، لم تجر ذيول الخيبة والشقاء في دروب الشرفاء وتنثر بذور الذل والانكسار في حقول الكبرياء، مالي اراك تجتر مصائب ومحن الأحباء بسخرية وازدراء، وكذلك محن الأمم الغافية عن كل مايدور حولها ويحاك ضدها من قبل عناصر القوى التي تتحكم بمصائر البشرية، ما بالك تجرف الأوفياء بتيار الافتراء
ويحك ايها الزمن الملطخ بوصمات العار المكتظ بنوازع الحقد والغدر والشر، ويحك لا تطلق رياح غضبك فوق مروج البشر وحقول السحر ولا تدعها تعبث بمكنونات الخير، هدّئ من روعك ايها الزمن ودع الأماني تسير في مجاريها وتصب في ينابيع البلوغ والأهداف لتستقي وترتوي منها النفوس المعذبة التائهة في مسارب الوجع والضياع، غضّ بطرفك المتحجّر عن بوارق الأمل التي تلتمع في عتمة الأحزان، واترك الصبح ينبلج في المدن والمواقع الغارقة في حلكة الظلام ومستنقعات الأوهام.