رأفت سارة
لا تمر أية كلمة في أية أغنية لفيروز مرور الكرام ، فكيف ان كانت تلك الكلمة من شعر جوزيف حرب الذي لم ياخذ حقه من الشهرة التي يستحقها وتليق به ، ومن ثم ان كانت من الحان فيلمون وهبي ، ففيروز نبهت الناس وحببتهم بالحان وأشعار (الأخوين رحباني) .
فيروز التي ظهرت في إحدى البروفات الأولية لأغنية (كيفك أنت ) وهي تقول حرفيا (أبصر ، مش طربانه الها) لتصف واحدة من عبقريات زياد ابنها ، في مطلع الأغنية التي باتت بعد تعديلاتها واحدة من روائع ما قدم زياد.
وقبل الدخول إلى(الباب) ، قد ينفع التذكير بأمرين ، ان فيلمون وهبي الشخص الوحيد الذي كان يسمح له الأخوان رحباني بأن يقدّم لفيروز لحناً واحداً على الأقل في كل مسرحياتهم. وان فيروز خصته بلقبين هما «سبع الأغنية وشيخ الملحنين»لكن ماذا عن الباب.
الباب ..رمز وحقيقة
على وجه الحقيقة اتخذ الشاعر جوزيف حرب من الباب ، مدخلا وبداية لقصة غنائية، كل كلمة فيها تسوق وتصور نفسها على الطريقة السينمائية خير تصوير، والباب فيها لم يكن الا بداية، بداية استهلالية جمعت بين ظرفي زمان ومكان بطريقة مبتكرة ، وأتحدث هنا عن شكل البداية النارية لمطلع أغنية حملت إسم (لما ع الباب ) ، حيث بدأت باللفظة الباب ولم تعد طوال القصيدة النثرية الجميلة ، وفيها يقول حرب (لما ع الباب يا حبيبي بنتودع) لتبدو كما في لغة الرسامين البصرية أقرب للإطار، وفي اللغة الصحفية أقرب للعنوان الشارح الذي يتحدث عن موضوع المقالة أو الحدث ، ومن هذا الإستهلال يحصرنا حرب عند حدث وقع عند الباب ، وهو الوداع، والباب هو الحاجز الواقع بين حياتين، واحدة ستتبع وتخشاها فيروز وتدل عليها الكلمات التي تنقلنا للمشهد الرومانسي الحالم، والتصوير الجمالي المفعم بالإحساس، حيث يقول حرب وتغني فيروز، (بيكون الضو بعده شقيق عم يطلع ) وهذا يؤكد على ان هناك من سهر حتى مطلع الفجر ، ومن بهذه الحالة هو ركن اساسي في حياة الحبيبة التي يعبر عنها ضمنيا بالمنزل الذي بالمطلق له (باب) ،وتقول فيروز:
(بوقف طلع فيك
و ما بقدر أحكيك
وبخاف تودعني
و تفل و ما ترجع)، فالحبيبة مذهولة ، عاجزة عن التعبير ، وسبب ذلك ، الخوف من الوداع و الفراق ،وتقول:
(بسكر بابي
شوفك ماشي عالطريق
فكر أنزل أركض خلفك عالطريق
و تشتي عليي ما تشوفك عينيي
و أنا أركض وراك أمدلك أيديي
و أندهلك أنطرني حبيبي... و ما تسمع )
وفي المقطع الاخير من القصيدة تعبر عن الخوف:
(ما رح ترجع بعرف أنن غيروك
يا حبيبي و عذبوني و عذبوك
سهروا عينينا و فرقوا أيدينا
و صرنا كتير نخاف اذا نحنا تلاقينا
ما بنتلاقى الا وقت اللي منتودع)
لكن المقطع الختامي يجعل من القصيدة خاتمة لكلمات مؤثرة ولأفعال صادمة في آخر الجملة، واعطت التأكيد على ان الأغنية او القصيدة برمتها قصيدة فلسفية شفافة ، وهذا نعرفه من الجملة التي تجعل النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات ، (ما بنتلاقى الا وقت اللي منتودع) وهذا يعني ان الباب بهذه الحالة ، مشروع مكان وزمان مؤقت ، تنتج عنه حالة رحيل بزمن ومكان اللقاء ، كأنه تأكيد على ما يحدث في الحياة بشكل عام ، فبعد الولادة والوجود هناك العدم الذي يفسر ويعبر عنه بكلمة الموت ،،ومن هنا فان (الميلاد والفناء) هما المغزى الأول والأخير للقصيدة الشعرية ، كما اتخيلها وأقرأها أنا كاتب السطور ،،،دون أن ألغي احقية الأخير في تفسيرها كما يحب ويرضى.
استكمال أم انفصال
في قصيدة ثانية لجوزيف حرب ، يتم تكرار ( الباب) ما يعني تعدد وجوه وجوده ، مكانيا وزمانيا ولفظيا وبالقطع رمزيا فلسفيا، وفي مطلع القصيدة يقول جوزيف حرب:
( على باب منوقف ، تنودع الأحباب
نغمرهن وتولع، ايدينا بالعذاب
وبواب بواب ،،شي غرب، شي اصحاب
شي مسكر وناطر،، تيرجعوا الغيّاب)
و تصف الكلمات ما يحدث عند الباب، لحظة الوداع الاجباري القسري ، حيث تعني المصافحة الأخيرة قبل الوداع لاشتعال اليد بنار العذاب ، عذاب الفراق ،وهناك أبواب متعددة الجوانب فمنها من يطرقها غرباء وأخرى أصدقاء ،وبعضها الاخير بهذا المقطع مغلق ينتظر عودة الغائبين) .
(أه يا باب،
المحفور عمري فيك
رح انطر وسميك
باب العذاب)، وفي اللحظات التي تودع الحبيبه حبيبها ، يأخذها الحنين ، والشوق والحبيب امامها ولما يغب بعد ، لانها وفي لحظات الوداع والحبيب لما يزال أمامها بعد ، تفكر في لحظة ما قبل خطوة الوداع ، لأنها تخشى ان تنتظره سنين:
(وقت اللي بلوحلك وبسكر الباب
بياخدني الحنين
بفكر رح اشتقلك
بفكر عا هالباب
رح انطر سنين) ، وتؤكد الحس الفلسفي الذي يتمتع به جوزيف حرب الذي ينوع على دلالات الباب:
( في باب غرقان، بريحة الياسمين
في باب مشتاق
في باب حزين
في باب مهجور
أهلو منسيين).
هناك بيت لا يزال أحبابه فيه، بدليل رائحة الياسمين رمز التجدد والامتداد في الحب، وهناك الباب الرمز الذي يختصر وجود ناس خلفه، وهذا الباب مشتاق وحزين، وباب مهجور أهله تركوه من سنين، وهنا خرج الشاعر من حالة الفرد إلى أحوال بلد ، عالم كامل وحياة كاملة، ليختم قائلاً:
(هالأرض كلها بيوت
يا رب خليها
مزيني ببواب
ولا يحزن ولا بيت
ولا يتسكر باب) .
كلمات بسيطة، ونص مفتوح، وهذا ما يجعل منه نصا عالميا، حيث تنطبق الحالة على اي مكان وزمان من هذا العالم .