( تمرّ هذا العام المئوية الأولى لنهضة العرب والتي تعارفنا منذ قرن بأنها الثورة العربية الكبرى بقيادة شريف مكة الحسين بن علي وأبنائه، وقد حفظت جريدة القبلة التي صدرت في مكة المكرمة منذ قرن من الزمن ،خطاب النهضة، ومبررات الثورة، وأدبياتها، واحتفاء من جريدة الرأي الأردنية بهذه الذكرى النبيلة، تفرد للأديبة والمؤرخة الأردنية الدكتورة هند أبو الشعر صفحة أسبوعية تستعيد فيها أدبيات جريدة القبلة وخطابها النهضوي، ثقة من الرأي بحاجتنا في هذا الزمن وبعد قرن كامل، إلى استنهاض هذا الخطاب واستعادته من عمانّ المدينة التي احتضنت رجالات النهضة وحافظت على فكر أحرار العرب)
هذه النهضة العربية :
لأن عرب اليوم الذين قامت الثورة العربية الكبرى قبل قرن من الزمن انتصارا لكرامتهم المهدورة، وغضبا لاغتيال أصحاب القلم والفكر والرؤية من شبابهم، لأنهم لا يجدون الوقت لالتقاط أنفاسهم بين جنون التفجيرات ومواكب الموتى والجياع والمهجرين، ولأننا في الأردن نقبض على سارية علم (الدولة العربية الهاشمية) التي أطلقها شريف مكة قبل قرن من الزمن، و التي أعاد حفيده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين نشرها في عمان قبل أيام، لأننا ما زلنا نقبض على جمر الحرية والعروبة وننتصر للكرامة، ولأننا أطلقنا على جيشنا في أول عهدنا بالإمارة
(الجيش العربي) ونذرناه للعرب، فإن من حقنا الآن ونحن نستعيد زمن ثورة العرب قبل قرن من هذا الزمن، أن نقرأ مع العرب كل العرب (ذاكرة الثورة العربية الكبرى) التي احتفظت فيها جريدة القبلة التي صدرت في الحجاز يوم الاثنين 15 شوال 1334 هـ / 15 آب 1916 م، وهي مصدرنا الثمين لنقرأ مع قراء الرأي حيثما انتشر الحرف العربي فكر النهضة التي هزت ضمير العرب في مشارق بلاد العرب ووصلت عرب المهجر في الأمريكيتين وأوروبا بامتياز، وتأثير لا يصدقان .. فلنبدأ أولا بالتعريف بالجريدة التي نحتفظ بأعدادها كاملة، لننشر من خلال هذه الزاوية الأسبوعية ما أثار إعجابنا ودفعنا إلى تعميم الخطاب العميق الذي يستحق الاستعادة والاستذكار والحفظ والتحليل .. ومن هنا نبدأ .
جريدة القبلة (1916 – 1924 م) :
كنت وأنا طالبة في الجامعة الأردنية أحتفظ بأوراق مصورة من بعض أعداد الجريدة التي احتفظ فيها مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية، والتي صورها المركز على أفلام المايكرو فيلم من مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد وجدت على الصفحة الأولى وبخط اليد كلمات عمرها قرن من الزمن تقول : (هدية إلى مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت من عبد الله بلخير بديوان جلالة الملك / مكة المكرمة) ولحسن الحظ، فقد تمكنت من الحصول على الأعداد وافية واغتنمت بعض الوقت لقراءة مقتطفات منها، لانشغالي بدراسات مختلفة، إلى أن استعدتها هذا العام، وتبين لي أن ما عرفته عن هذه الجريدة أقل من القليل، وأن من أراد أن يدرس فكر العرب وخطابهم قبل الثورة وأثنائها، عليه أن يقرأ الأعداد وافية، وقبل أن نتناول المحاور التي نراها جديرة بقراء اليوم من عرب القرن الحادي والعشرين نتوقف عند التعريف بالجريدة تعريفا أوليا :
صدرت الجريدة في مكة المكرمة في عددها الأول يوم الاثنين 15 شوال سنة 1334 هـ / الموافق للخامس عشر من شهر أغسطس / آب عام 1916 م، وطبعت في المطبعة الأميرية بحارة جياد، وظلت تصدر حتى يوم الاثنين 22 صفر عام 1343 هـ / 12 سبتمبر / أيلول 1924 م، وبلغ عدد ما صدر منها (823) عددا، بواقع أربع صفحات للعدد الواحد، وكان صدورها يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ولو حسبنا عدد الصفحات التي نتحدث عنها والتي نتصفحها الآن، لوجدناها تتجاوز ال (3295) صفحة، وقد حمل العدد الأول منها ترويسة تقول :
العدد الأول - السنة الأولى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)
القبلة جريدة دينية سياسية اجتماعية تصدر مرتين في الأسبوع لخدمة الإسلام والعرب
أبواب - د.هند أبو الشعر
تفاصيل معارك الطائف وسقوطها / اللقاء مع الأمير عبد الله بن الحسين
من حسن حظنا أن نجد تفاصيل الحصار والمعارك التي دونتها القبلة في لقاء خاص مع قائد فتح الطائف الأمير عبد الله بن الحسين ، ففي العدد25 الصادر يوم الخميس 13 من المحرم لعام 1335 هـ / الموافق 8 نوفمبر 1916 م ، نشرت القبلة مقابلة خاصة وموسعة عنوانها ( فتح الطائف ) في حديث مع حضرة صاحب السمو القائد العظيم الأمير عبد الله فاتح الطائف ووكيل الخارجية الجليلة ، ونظرا للتفاصيل العسكرية والقبلية التي ضمتها هذه المقابلة ، والتي لا نجدها لا في كتب التاريخ ولا في الروايات الشفوية بعد قرن من هذه الحادثة التاريخية ، فإننا نجد لزاما علينا أن نستفيد منها تماما وننشر تفاصيلها ، لنضعها بين أيدي الباحثين والمهتمين بالأحداث العسكرية لميادين الثورة العربية الكبرى .
تقول القبلة في الصفحة الثالثة : ( تشرف مدير هذه الجريدة لمقابلة فاتح الطائف حضرة الأمير الخطير والقائد الكبير الأمير عبد الله قائد الجيش العربي الشرقي ، ووكيل الخارجية الجليلة في الحكومة السنية العربية ، ونائب وكيل الداخلية فيها ، وقد تفضل سموه فحادثه في أخبار الحروب التي قامت في الطائف أثناء حصارها ، وما كان بعد ذلك من تسليم حاميتها ، وإلى القراء نص هذا الحديث التاريخي الجامع لتصريحات سمو الأمير الجليل حفظه الله :
كيف كان سفر سمو أميرنا المحبوب إلى الطائف قبل حصاره .. ؟ وكيف تلقاه الأعداء يومئذ ..؟
الجواب : - برحت مكة المكرمة يوم الخميس السابع من شهر شعبان المعظم سنة 1334 هـ قاصدا الطائف ، وليس معي غير سبعين هجانا من عقيل ، فبلغت « السيل « في اليوم التالي ، وفي اليوم التاسع من شعبان وصلت الطائف ، وكان متوقعا هناك حدوث أمر مهم في الحجاز ، حتى ان الترك أنفسهم كانوا معتقدين ذلك ، فكانت مهمتي الأولى إزالة هذا الحس من نفوسهم ريثما يحين الوقت ،ولقد نجحت في هذه المهمة تماما حتى أنني لما اجتمعت بغالب باشا في داره في الساعة الأخيرة أراد أن يستجلى القيقة ، فاستمر معي في الحديث إلى ان صرحّ أنه شاعر بتكدر خاطر الإمارة الجليلة من معاملات الحكومة المركزية التي لا تتفق مع المصلحة العامة ، وأنه مستعد للسعي في إزالة غلطات المركز ، فأجبته بأنه لا يمكن الضغط على الحكومة فتعتقد بأن وجودنا هنا يخل بكل أعمالها ونياتها في الحجاز ، وأن المجاملة الظاهرية التي قامت بها الحكومة الاتحادية في هذه الآونة ليست إلا من قبيل التخدير ، وعلى هذا فلا سبيل إلا لترك الأمر للمقدرات الإلهية ، ثم أبديت له سروري وشكري من حسن سلوكه الشخصي منا ، وقد توجهت من داره إلى المقرّ العام لجيش المحاصرة وهو في « الوجريات « جهة القديرة .
كيف كان مقدار القوة العمومية لجيشنا يومئذ ..؟
جواب : - إن قوتنا العمومية كانت يومئذ مقسمة إلى ثلاثة أقسام : أهمها قسم قبائل « عتيبة « وهو في الشمال الغربي للطائف ويدخل فيه الشرق كله ، والقسم الثاني هو الجنوبي مؤلف من قبائل « عوف « وثمالة وبني سالم وبني سفيان وهذيل ، والقسم الثالث وهو الغربي مؤلف من قبائل قريش وطويرق والنمور .
وكيف كان بدء القتال مع الأعداء هناك ..؟
جواب : - أول عمل قمنا به قطع الأسلاك البرقية ، وكان ذلك ليلة السبت تاسع شعبان الذي نهض فيه العرب بحركتهم المباركة في مكة المكرمة ، وبسبب تأخر وصولي إلى الطائف وعدم تمكني من اتخاذ التدابير الحربية اللازمة ، تأخرت إلى يوم الاثنين عن القيام بالهجوم الذي كان مقررا إجراؤه في يوم السبت ، وقد تلقيت من غالب باشا مذكرة يدعوني فيها للرجوع إلى الطائف لتفاقم الأمر ، وإني لم أجبه عليها بالطبع ، وفي صباح يوم الاثنين 11 شعبان وقع الهجوم العام في مواقع العدو بالطائف ، واستمر القتال يومئذ إلى وقت الظهر بكل شدة ، وفي تلك الأثناء أحرق الترك جميع المباني الجسيمة الخاصة بالعائلة المالكة ، وبعد الظهر وقف القتال وتبادلنا المناوشات الأمامية فقط ، ورجعت أنا إلى المعسكر العام ، وقررت اتخاذ خطة الحصار ، لما ظهر لي من قوة معاقل العدو وكثرة مدافعه وآلات دفاعه ، وبالطبع لم أترك المهاجمات الخفيفة والمباغتات الفجائية ليلا ونهارا ، لأستنفذ ذخائرهم الحربية ، ولئلا يتمكنوا من الاستراحة ، بالفعل حصل لهم انزعاج وعدم اطمئنان بسبب ذلك ، فاضطروا لتوسيع خط الحصار وخرجوا إلى جبال « أم الشيع « الكائنة في شمال الطائف ، وإلى جبل « شرقرق « في تلك الجهة إلى « هضبة أم السكارى « في الجهة الغربية ، واستمروا محافظين على هذه الجبال خمسة أيام ، ووجدوا من هذه الحركة الراحة التامة لهم ، لأن نار المحاصرين صارت لا تصل إلى المراكز المهمة ، وبعد ذلك وصلت إلينا الأسلحة الجديدة وهي عبارة عن البنادق فقط ، فتسلح بها قسم من القوة العربية ، وفي تلك الليلة خرجت قوة من الترك واستولت على « هضبة الشهداء « شرقي الطائف ، وعلى « هضبة دقاق اللوز « ، ولما وصل إلينا هذا الخبر أرسلت ثلة من الخيالة بقيادة الشيخ فاجر بن شليويح الروقي لطردهم من هضبة دقاق اللوز ، وأرسلت مقدارا كافيا من المشاة لدفع المتسلطين على هضبة الشهداء ، وما غربت شمس ذلك اليوم إلا بطردهم من هذين الموقعين الصعبين ، وإلحاق الضرر الأعظم بهم ، فإن تلك الوقعة التي دامت النهار بطوله انجلت عن قتل 48 جنديا من الأعداء البالغ عددهم 150 وسوف يسجل التاريخ في أصح حقائقه أنه لم يجرح ولم يقتل يومئذ من رجالنا الأبطال أحد ، وفي اليوم الثاني من هذا الفوز أمرت قسما من « هذيل الطلحات « و « آل حجة « من بني سفيان وهم من القسم الجنوبي من جيشنا المحاصر ، بأن يهجموا على « هضبة أم السكارى « ويخرجوا الأعداء منها ، فنفذوا هذا الأمر بكل سهولة وأخذوا المدفع الذي كان للأعداء هناك ، وقتلوا كل حامية تلك الهضبة عن آخرهم ، وكانوا بلوكين كاملين واستولوا على الهضبة .
هل يتفضل سيدي الأمير بتفصيل هذه الوقعة ، فقد سمعت أسرى الطائف وكثيرا من مجاهدي العرب يذكرونها باهتمام عظيم ..؟
جواب : - لما صدر الأمر على الشيخ « مسعود الطلحي « احد شيوخ هذيل الطلحات وعلى « ابن جملة « و محمد بن عمار وهما من أكابر آل حجة من قبائل بني سفيان ، بالهجوم على هضبة أم السكارى للاستيلاء عليها ، وعلى حاميتها والمدفع الذي فيها ، أعطيت لهم الخطة التي يسيرون عليها ، وذلك بأن يقوموا من مقرهم الجنوبي في الساعة السابعة ليلا ، فيذهب مقدار من هذيل الطلحات إلى جبل « أم الآدم « الذي يقابل هضبة أم السكارى لجهة الغرب ، وأن يصعد مقدار آخر إلى أم السكارى حتى يقتربوا من أماكن العدو ، بدون أن يشعر أحد بهم ، وأن يحيط آل حجة بسفوح هذه الهضبة لكي يمنعوا مجيء المدد لحاميتها وليمنعوا مهزومي الأعداء من الفرار ، وكان موعد القتال وقت الفجر حيث يبتدئ القسم الذي على جبل أم الآدم بإطلاق النار ليحولوا أنظار العدو عن إخوانهم الذين أصبحوا على مقربة منهم ، فلما أخذ العدو بتحكيم مدفعه إلى أم الآدم ، وانصرفت أذعانهم إلى رمي الرصاص على تلك الجهة ، باغتهم قسم من هذيل الطلحات بالسلاح الأبيض فأفنوا البلوكين عن آخرها في 35 دقيقة ، وقد استولى الرعب على قلوب الأعداء ، فلم ينالوا قطرة واحدة من دماء أبطالنا ، وفي تلك الأثناء انتبه الأعداء الموجودون في « قلعة عثمان « وفي « الثكنة الكبرى « التي تبعد عن أم السكارى مسافة 15 دقيقة فقط لما سمعوه من إطلاق الرصاص من جبل أم الآدم وإطلاق الرصاص والمدفع من حامية أم السكارى ، فتلقاهم آل حجة بنار حامية وسيوف ماضية فجرح من العدو 85 ولم يعلم عدد قتلاهم تماما ، وقد بلغ عدد ما أطلقه الأعداء من الحصون الأخرى على هذه الهضبة يومئذ 149 قنبلة كما هو مثبت في تقاريرهم الرسمية ، ولكن كل ما فعلوه باء بالفشل ، واستولى شجعاننا على الهضبة والمدفع .
وماذا حدث بعد ذاك الانتصار المجيد ...؟
جواب : - رأى قائد أعدائنا أن المواقع الأمامية ذات خطر على جيشه ، فأمر قواته بالانسحاب من جبل « ام السيع « وجبل المداهين وجبل شرقرق إلى « هضبات الشريف « وجبل أبي صحفة وجبل ممشى وجبل عكايه ، وكانوا قبل ذلك قد انشأوا الخنادق على الطراز الجرماني الحديث ، فيما بين هذه الجبال بينها وبين الحصون القديمة والأماكن التي اتخذوها حصونا في الوقت الأخير ، وحموا كل الحصون القديمة والجديدة بالخنادق وملأوها بالمقاتلين ، واستمروا بالدفاع بكل جد ونشاط إلى العشر الثاني من رمضان ، وحينئذ وردت إلينا المدافع العربية وهي مؤلفة من ستة مدافع ميدان ومدفعي كروب القديمة ومدفعي مانتيل من صنع كروب وستة رشاشات ، فشددنا عليهم الحصر والتضييق إلى شهر شوال ، وكانت مدافع الطرفين متكافئة في التأثير في تخريب حصون العدو ، ومع ذلك استمر الدفاع إلى 22 ذي القعدة ، حيث اضطر قائد العدو للالتجاء إلى بيت عرب بنفس الطائف بالرغم من إنذارنا له بأن لا يسكن المدينة حرصا على حياة الأهالي وعائلات الترك أنفسهم ، وقد استطعنا بعد إصراره على سكنى البلد أن نحصر التار بالدار التي يسكنها ، فاضطر إلى التسليم ، وكان دخولنا إلى الطائف في يوم 26 ذي القعدة وهو اليم الذي نقل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم عائدا إلى مكة المكرمة .
هل تتكرمون يا مولاي بوصف مختصر لحصون العدو وخنادقه ومقدار قوته وعدد مدافعه والأماكن التي كانت فيها ...؟
جواب : - إن ثكنة الطائف الكبرى مربعة الشكل ومساحة ساحتها المكشوفة نحو مائتين وخمسين مترا طولا ومائتين وخمسين مترا عرضا بأقل تقدير ، وهي متصلة بالخنادق العميقة إلى كل الحصون والجبال ، ومملوءة بالجنود ، وفوقها قلعة ذات أبرج ترتفع عن الثكنة من الجهة اليمانية بأكثر من سبعين مترا ، وهي مركبة من طبقتين وقائمة على جبل وفي سطح أبراجها أربعة مدافع من طراز كروب مستورة عن الأنظار في كل برج مدفع ، وهذه القلعة مستطيلة الشكل ومملوءة بالجنود ، ووراء قلعة الثكنة « جبل ابن منديل « من جهة اليمن ، بينه وبين الثكنة خمسة وعشرون مترا ، وعليه حصن فيه مدفع وحامية من الجند ، وبعد مائة متر برج مدور اسمه « برج غلقة « من جهة اليمن وظيفته حماية الجهة اليمانية وفيه مدفع وحامية ،وبعد ذلك البرج منزل اسمه « بيت البخارى « فيه أكثر من 200 جندي ، وبيت آخر داخل بستان ذي سور مربع ارتفاعه سبعة أمتار وفيه 200 جندي أيضا ، وفي بيت شيخ درويش العجيمي بقرب غامة عساكر لا يقلون عن 50 ليحافظوهم وجنود المنزلين الآخرين على مدفع البرج .وفي شرق برج غلقة « مسجد الحبر عبد الله بن عباس « رضي الله عنه ارتفاعه 15 ذراعا ، وقد قامت الجنود على سطحه واستترت بجدرانه ، وبالقرب منه باب متصل بمدينة الطائف اسمه « باب ابن عباس « أمامه خندق مستطيل ، وقد بني هناك جدار عسكري وبعده خندق طوله أكثر من ثلاثين مترا وفي شرق الباب على مسافة عشرة أمتار مكان مربع فيه متاريس للجنود ، وبعده بمسافة مائة متر شرقا حمام اتخذوه حصنا عسكريا وفيه جنود وقد أقاموا له جدارا وخندقا ، وفي شرق الحمام « منزل الدباغ « فيه جنود ، وأمامه من جهة البر خندق وفيه عسكر ، وبعده بيت « عبد الرحمن الوزندار « اتخذوه حصنا وبنو له خندقا ، وبعده بعشرين مترا من جهة الشرق « بيت ابن جريب « فيه عسكر وخندق ، وبعده بيت « ابن محمود « في نهاية الركن الشرقي للبلد عسكر وخندق ، ثم بيت حضرة الشريف عبد الله ابن المرحوم الشريف محمد فيه عسكر وخنادق تحيط به من كل أطرافه ، وفي جانب « باب الحزم « ثكنتان عسكريتان وأمام الباب خنادق متعددة وبنيان عسكري ، وبعده من الجهة الشامية خلف جبل أبي صحنة وجبل الشريف قرب البادية بيت حضرة الشيخ يس البسيوني فيه قوة عسكرية وخنادق ، وهو على مائة متر من الثكنة الكبرى ، وأمام الثكنة لجهة الغرب بيت بانجه قائم بين الثكنة وبين «قلعة عثمان «ومن بعده بيت حضرة الشيخ عبد القادر الشيبي وبيت حضرة الشيخ محمد صالح الشيبي ، وكل هذه البيوت حصنت وملئت بالجنود ، وبعد ذلك قرية « قروة « وقرية « السلامة « وكلاهما تحولتا إلى حصون عسكرية ، وفي بيت ابن محمود مدفعان وعند باب الحزم مدفع ، وكان في هضبة السكارى المدفع الذي أخذته هذيل الطلحات وآل حجة ، وعلى الباب الشامي مدفع ، وعلى الباب الغربي مدفع ، وعلى الباب اليماني مدفع ، وهذه الخنادث بعضها بشكل نصف دائرة كالتي أمام جبل عكابه وقرية قروة ، وبعضها مستطيلة وهي التي تصل الحصون بعضها ببعض ، وكلها عميقة بحيث يمر فيها الفارس فلا يرى ، وللجبال خنادق حلزونية مسقوفة من سفوحها إلى ذراها ، وفي ذروة جبل عكابه استحكام محفور فيها يسع 150 مقاتلا ، وهو مسقوف بالحديد وله متاريس متقنة يجلس الجنود وراءها ، وكذلك الحال جبل أبي قحنة ومشي والعقيق ، ومن وادي الغير إلى أبي صحفة خنادق حسنة ، وجموع قوة العدو التي وقعت في الأسر عند التسليم نحو ألفي مقاتل ، ومجموع قتلاهم بحسب اعترافهم 705 وجرحاهم التي استقناها 300 ، وعلى ذلك فقوة العدو ثلاثة آلاف مقاتل عليها قائد برتبة جنرال أركان حرب ، وأكثر من خمسين ضابطا بين كل الفنون الحربية ، وازدادوا قوة بالحصون الطبيعية الموجودة في هذه المنطقة الجبلية وبالخنادق الحربية المبنية على الطراز الجرماني الحديث ، وعندهم من الأسلحة والذخائر ما يزيد على حاجتهم كما تبين عند التسليم .
الجزء الأول من اللقاء :
بهذا أنهت القبلة نشر الجزء الأول من هذا اللقاء الغني بالتفاصيل الحربية والمكانية والمعلومات التي تدل على معرفة واسعة للأمير عبد الله بن الحسين بواقع المعركة ، وتفاصيل قوة العدو الذي يواجهه ، بحيث يستطيع القارئ أن يرسم خارطة دقيقة عسكرية وجغرافية لهذه التفاصيل التي تدل على مقدرة الأمير واستعداده ، وعلى قدرته على رسم الخطط ، وعلى قوة القبائل المشاركة واستعدادها للمجابهة رغم أن الأسلحة محدودة أمام قدرات الجيش التركي المتحصن والذي أتقن حفر الخنادق الحديثة على الطريقة الجرمانية .
القسم الثاني من اللقاء .. القبائل والخطط :
وفي العدد 26 من القبلة الصادر يوم الاثنين 17 المحرم من عام 1335 هـ / الموافق 12 نوفمبر عام 1916 م وعلى الصفحة الثالثة ،أتمت القبلة نشر الجزء الثاني من اللقاء ، وفيه تفاصيل أخرى تغني القارئ والباحث العسكري ، وسننشره في هذه الحلقة المخصصة لسقوط الطائف ولعمليات الثورة العربية الكبرى العسكرية التي لا يعرفها كثير من الباحثين نظرا لعدم توفر الرواية المباشرة من مصدرها .
وكيف كانت محاربة العرب لأعدائهم في هذه المنطقة ..؟
ربما كان يجب علينا أن نتوقف عند جواب الأمير عبد الله على هذا السؤال ، ولن نورده بتفاصيله ، ولكن سنضعه بمحاور وهي :
1 – إن الأوامر التي كانت تصدر للمقاتلين معينة ، فيها الخطة المراد إتباعها والترتيب الواجب إجراؤه وتطلق لهم الحرية في جزئيات ذلك بما لا يتناقض مع الخطة الكلية .
2 –كان وضع المعسكر العربي وتقسيمه فنيا ، وعند القيام بحركات عمومية تجري من كل أقسام الجيش على وتيرة واحدة وبحسب الخطة المرسومة من قيادة الجيش .
3 – عند الطوارئ الفجائية يتم الاستعانة بالإشارات ، ويوجد بين أقسام الجيش رسل من الفرسان يوصلون أخبار القيادة إلى كل جهة بسرعة ومهارة .
4 – للعرب أثناء القتال مهارة عجيبة في الاختفاء وراء حجر صغير والانبطاح على الأرض والتقلب من مكان إلى مكان .
5 – عدم انقياد العرب للصفوف وعدم اشتراكهم جميعا في الحرب إلا في المواقف الكبرى جعل أعداءهم يجهلون مقدار قوتهم ، وقد علمت ذلك من تقاريرهم الرسمية التي كانوا يقدمونها لقائدهم في كل يوم ، ووقعت في أيدينا أثناء التسليم .
6 – أكثر ما يحارب العرب وقت الظهيرة ، وإذا أرادوا الهجوم اختاروا له منتصف الليل ورجعوا وقت احتجاب ضوء القمر .
7 – للعرب حروب سهلية وحروب جبلية ، فالحروب السهلية يمتطون فيها الخيل والهجن لسرعة الانتقال ، وأكثر عربنا مهارة في ذلك قبائل عتيبة ، وأما الماهرون في حرب الجبال فهم ثقيف وقريش وبنو سفيان والنمور وطويرق وهذيل وسائر عرب الحجاز .
أشار سمو الأمير إلى تخريب الترك للبيوت وقتلهم الجرحى والأسرى، فهل يتفضل ببيان شيء آخر من فظائعهم التي شاع أمرها في كل الحجاز ..؟
جواب : - إن أول ما فعلوه في بدء محاصرتي للطائف تخريب دور عائلتنا وتحريقها ، ثم هدموا بيوت محلة السليمانية الخاصة بأهالي الطائف ، وبعدها خربوا بيوت محلة السلامة كمنزل الشيخ سليمان أبي الفرج ومنزل السيد محمود طبيلة وقصر الشيخ محمد علي عبد الواحد ومنزل الشيخ عبد الله باناجه ، وكانوا يدخلون على الناس في بيوتهم فينهبون ما فيها من الجواهر والنقود بحجة أنهم يبحثون عن حبوب الأهالي ومؤنهم ، وقد أخذوا من الشيخ حسن السندي بضائع وحبوب ثمنها خمسة عشر ألف ريال مجيدي ، ومن محمد عرب أربعمائة جنيه إنكليزي ، ومن عبد القادر عابد جواهر وقماشا قيمتها ثلاثة آلاف ريال مجيدي ،ونهبوا من الشيخ باحمدون الحضرمي كل ما عنده من البضائع وقيمتها عشرون ألف ريال مجيدي ، وكانوا يأخذون بضائع بعض التجار ويعطونهم بها سندات غير مصدق عليها من دوائرهم الرسمية ، وضربوا على كل عائلة في الطائف ضريبة يومية من ثلاث أقات من الحبوب إلى عشرين أقة ،وفرضوا عليهم إعانات شهرية من ريال مجيدي واحد إلى خمسين جنيها ... وقد حبسوا من العلماء قاضي الطائف فضيلة الشيخ عبد الله كمال ، وأمين فتوى الديار الحجازية الشيخ درويش العجيمي الخطيب بالمسجد الحرام ، والشيخ محمد صدقة من المشتغلين بالعلم في الطائف وأحد كتبة مفتي مكة المكرمة ، وسجنوا أيضا ستين شخصا من أعيان الطائف ..وجلدوا الشيخ محمد بن مهدي أحد أعيان الطائف ثلاث مرات في يوم واحد ليأخذوا منه مئونة منزله ..ومات تحت الضرب ..وقد نهبوا منزل حضرة الشيخ عبد القادر الشيبي ومنزل حضرة الشيخ عبد الله باناجه وأخذوا منه أثاثا ومفروشات وغيرها بما يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه ، وبيت عبد الله حبيب من أعيان الطائف ، وبيت ورثة الشيخ أسلم الحضرمي ..
وكيف كان تسليمهم ، ومعاملة حكومة جلالة مليكنا لهم ..؟
سنحرص على إيراد تفاصيل إجابة الأمير القائد عبد الله بن الحسين على تسليم الطائف ، حيث قال : ( لما اشتد تأثير المدفع الكبير على حصونهم ومراكزهم ، وتخريب الشق الشرقي للثكنة الكبرى ، وأصبحت قلعة عثمان غير صالحة لوضع المدفع فيها ، وتهدم منزل حضرة الشيخ يوسف القطان الذي اتخذوه دائرة رسمية لحكومتهم ، اضطر قائدهم العام للفرار لبيت عرب في داخل الطائف ، ظنا منه بأن مكانه يخفى على معسكرنا فلا تصل إليه قنابلنا ، ولكن أخطأ حسابه فإنه لم يلبث أن رأى القنابل تتساقط عليه في الساعة السابعة من يوم 24 ذي القعدة ، وقد سقطت عليه قنبلتان وهو في المجلس العسكري المنعقد عنده ، .. وهرب المجتمعون من المجلس ، وقد حصل ذلك بعد إنذارات متعددة صدرت له من معسكرنا بأن لا يختلط هو والمحاربون بالأهالي حرصا على حياة الأهالي وحياة عائلات الأتراك أنفسهم ، وعلى إثر ذلك أرسل لي قائدهم العام كتابا يطلب فيه قبول التسليم على شروط مكة، ولم يكتب في إمضائه كلمة « والي الحجاز « كما كان يكتب من قبل ، وذلك اعترافا منه بأنه لم يبق لهم شيء في هذه البلاد ، وقد طلب في كتابه تعيين مكان للمذاكرة في أمر الصلح ، فعينت له منزل حضرة الشريف فتن بن محسن في قرية « المليساء « وهي تبعد عن منطقة الحرب ساعة وربعا ، وكان ذلك بالفعل في الساعة الرابعة من نهار الجمعة ، فحضر البيكباشي أركان حرب ثابت بك رئيس أركان حربهم ، والبيكباشي سليمان بك وأمضيت أوراق التسليم على شروط مكة ، وأن يخرج قائدهم العام وكل ضباط الترك في الساعة السادسة ليلا إلى « شبرا « وهي على مسافة ثلث ساعة من الطائف وفيها قوة من جيشنا ، ثم تذهب القوة العربية إلى الثكنة الكبرى في الطائف ، وحينئذ ينسحب كل جنود الترك من واقعهم العسكرية ويدخلون الثكنة ، فيشبكون بنادقهم في قسم منها ، ويجلسون في غرف الثكنة ويستلم جنودنا السلاح والدوائر الرسمية والبلد ، فجرى ذلك كله في اليوم التالي بين البيكباشي عثمان بك ومندوبينا ، وقد أمرت يومئذ بالمحافظة على كل منزل من منازل عائلات الأسرى ، وأرسلنا لهذه العائلات الخبز واللحم والخضار والفواكه ، وصرفنا لكل رجال الفرقة التركية راتب شهر كامل مما كانوا يأخذونه من حكومتهم ، وكذلك أرسلنا إلى الجنود أغناما ودقيقا وخبزا وسمنا وأرزا وخضارا وفواكه ، وأدبت للقائد وضباطه مأدبة كبرى حضرت معهم فيها أنا وفضيلة قاضي القضاة ، وظلوا في ضيافتنا إلى يوم سفرهم ، وقد أعد لهم مطبخ خاص تقدم لهم كل لوازمهم ، ثم أحضرت الجمال لنقلهم على حساب الحكومة العربية ، وكل من شكا لنا ضيق ذات يده صرفنا له ما يلزمه من النقود ، وإننا لم نجردهم من سيوفهم ولم نأخذ منهم مسدساتهم ، ..وقد جيء بهم لى مكة بالراحة والرفاهية والمحافظة التامة ، وسار في صحبة قائدهم بعض الأشراف ، و عومل بعد أسره بمثل ما كان يعامل به أثناء ولايته ، وعلى هذه الصورة أرسل إلى جدة لينصب إلى المكان الذي عين لإقامته لى نهاية الحرب ، وإننا لم نكن نلاحظ فيما أجريناه لهم من الإكرام غير الأخلاق الإسلامية والفضائل العربية التي نشأنا عليها ، والتي نريد أن تكون أساس أعمالنا وأحوالنا في حكومتنا إن شاء الله ..)
وبعد ،
فإننا حرصنا على نقل هذا الحوار بتفاصيله ، لأنه وثيقة عسكرية بلسان القائد الذي خلص الطائف من الحكم التركي ، وحقق النصر العسكري للعرب بطريقة مشرفة فيها من السلوك الأخلاقي ما يستحق أن يدرس ويصبح مثالا للأخلاق والإنسانية في زمن السلم والحرب معا ..ونحن إذ نضع هذه التفاصيل بين يدي الباحثين لنأمل أن تجد من يدرسها ويتعرف إلى الخطط العسكرية لقادة الثورة العربية الكبرى وللعرب قبل قرن من عمر الزمن .