للعرب أوابد من الحكمة وجوامع مع الكلم قلّما تجد مثيلات لها في الامم. ولعل لعبقرية العربية دوراً في ذلك لما حفلت به من ضروب الايجاز الذي هو بعض تجليات بلاغتها.تقول واحدة من هذه الاوابد انه «ليس سيد القوم بالغبي, ولكنه المتغابي». ومن يقرأ «عيون الاخيار» لابن قتيبة, ولا سيما «باب السؤدد» فيه يطّلع على صفحات مضيئة في طرائق التعامل الحكيم مع الأنفس والعقول, ويرى الى «التغابي» بصفة كونه فعلاً محموداً يستعلي به الرجل الكبير على الصغائر, ويغض طرفه عن اصحابها, ويتراحب اذ يضيقون, ويعلو اذ يسفلون ولا يعلق بصره وهمته الا ما هو جدير به من مكارم الاخلاق.يقول ابو العلاء المعري في «سقط الزند»:ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظن أني جاهلفوا أسفا كم يظهر النقص فاضل وواعجبا كم يظهر الفضل جاهلوكيف تنام الطير في وكفاتها وقد نصبت للفرقدين الحبائلوواضح لدى التدبر أن «تجاهل» أبي العلاء منطو على كبرياء معرفي يتنكب بصاحبه وطيء الافاق, ثم يفضي به الى ادراك النهايات التي يتساوى عندها الافذاذ والشذاذ, والنجوم الزهر وضعاف الطير.أما ابو فراس الحمداني, فالتغابي يأخذ عنده بعداً آخر وإن كان لا يُخفي كبرياءه المعرفي ايضاً, فهو يقول:تغابيت عن قومي فظنوا غباوتي بمفرق اغبانا حصى وترابولو عرفوني حق معرفتي بهم إذن علموا أني شهدت وغابواثم لا يلبث أن ينفث بشكوى بالغة المرارة حين يقول:الى الله اشكو أننا بمنازل تحكّم في آسادهن كلابومهما يكن الامر في الاسباب الداعية الى «التغابي» فهو محمول على معنى المفارقة والاغتراب, سواء أكانت مفارقة أم اخلاقية. والذي لا ريب فيه أن اصحاب النفوس الكبيرة والعقول الفذة مضطرون, على نحو او آخر, الى التغابي, إذ لا يقابل «تذاكي» الاغبياء في كثير من الاحيان إلا «تغابي» الاذكياء.ولله في خلقه شؤون.
فصل في التغابي
12:00 16-4-2016
آخر تعديل :
السبت