الصين: قوة دافعة للتجارة العالمية

الصين: قوة دافعة للتجارة العالمية

شيوي شوانغ شين أعلنت منظمة التجارة العالمية في جنيف، يوم ثلاثين أيلول 2015م عن تخفيض توقعاتها لنمو التجارة العالمية في عام 2015م مرة ثانية، مشيرة إلى أنها ستنمو فقط بنسبة 2.8%، بدلا من 3.3% التي توقعتها سابقا في منتصف نيسان. وأشار البنك الدولي في تقريره مؤخراً أن نسبة النمو الحقيقية للتجارة العالمية للعام الماضي كانت 1.7% فقط، وهي أقل بكثير مما كان متوقعا. ويعد هذا انخفاضاً مستمراً للتجارة العالمية. وهي السنة الرابعة التي تشهد نمواً أقل من 3% للتجارة العالمية، وهذه النسبة أقل بكثير من معدل النمو التجاري منذ عام 1990 وهو 5%. وقد جاء في تقرير البنك الدولي وكما يذهب بعض الرأي العام الدولي، إلى أن السبب الرئيسي لانخفاض نسبة النمو للتجارة العالمية يرجع إلى انخفاض نسبة النمو للتجارة الصينية. فهل هذا الرأي صحيح ومنطقي ويلمس أرض الواقع؟ لكي نفهم ما يحدث الآن لاقتصاد العالم، علينا أن ننظر عبر الظواهر، ونحصل على حكم منطقي قائم على التفكير والتفسير، بدلا من التوهم. هناك أربعة عوامل رئيسية تؤدي إلى انخفاض التجارة العالمية هي:أولاً: التباطؤ الاقتصادي العالمي. فقد شهد نمو التجارة العالمية انخفاضاً ملحوظاً منذ الأزمة المالية العالمية، رغم أنه قد وصل إلى مرحلة ثابتة نسبياً عام 2014، لكن الاقتصاد العالمي لا يزال يتهادى في مشيه بصعوبة إلى حالة الانتعاش؛ نتيجة لما كان يشهده النمو الديمغرافي العالمي من التباطئ، وعدم بلوغ التوقعات في الإصلاح الهيكلي لكل دولة. فكان توقع صندوق النقد الدولي في تشرين الأول 2014 أن تصل نسبة النمو للتجارة العالمية لعام 2015م 3.8%، ولكنه غيّر ذلك التوقع إلى 3.1% عند تشرين الأول 2015، مما يوضح أن النمو الاقتصادي العالمي أقل من التوقعات.ثانياً: جمود التجارة العالمية الحرة؛ ويتمثل ذلك في الركود في المفاوضات المتعددة الأطراف التي نُظمت بمنظمة التجارة العالمية، مما يؤدي إلى ركود عملية التجارة الحرة على الصعيد الدولي.ثالثاً: تنتهج الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة سياسة إعادة التوازن لانتقال قطاع الصناعة إلى داخل حدودها، مما يشكل تباطأ في انتقال القطاعات من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. إضافة إلى أن الشركات المتعددة الجنسيات تحول صناعاتها من الدول النامية إلى الصناعات الداخلية، أو في الدول القريبة منها جغرافياً. وهكذا يقلل نصيب مساهمة استيراد الدول المتقدمة في رفع نسبة النمو للتجارة العالمية. رابعاً: عدم تنسيق السياسات المالية العالمية، خصوصاً في حالة ارتفاع الدولار وتراجع أسعار المواد الخام، مما يصغر حجم الصفقات التجارية على صعيد العالم، وتسوء حالة الدول المصدرة للموارد كالبرازيل وروسيا.أما الصين، فلا تعد عبءً على التجارة العالمية، بل تشكل قوة دافعة رئيسية لتطور التجارة العالمية. ويظهر ذلك من خلال الحقائق التالية:الحقيقة الأولى: أن الصين مساهمة رئيسية في النمو الاقتصادي العالمي. فحسب التوقعات من صندوق النقد الدولي تشرين الأول من عام 2015، سينمو اقتصاد الصين بنسبة 6.8%، في حين أن التوقعات لنسبة النمو الاقتصادي لكل من الدول المتقدمة: الولايات المتحدة، 2.6%؛ وألمانيا، 1.5%؛ وفرنسا، 1.2%؛  وإيطاليا، 0.8%؛ واليابان، 0.6%. وكما أن التوقعات لنسبة النمو الاقتصادي لكل من دول الاقتصادات الناشئة والنامية: الهند، 7.3%؛ والبرازيل، (3.0)%؛ وروسيا، (3.8)%. فمن الواضح أن الصين مازالت من بين الدوافع الرئيسية لرفع النمو الاقتصادي العالمي.الحقيقة الثانية: أن الصين مساهمة رئيسية  في التطور التجارة العالمي. فوفقا للإحصاءات التي نشرتها منظمة التجارة العالمية، في الفترة ما بين كانون الثاني وآب عام 2015، انخفضت قيمة الصادرات العالمية بنسبة 11.1% مقارنة مع نفس الفترة من السنة السابقة، وانخفضت قيمة الواردات 12.9% مقارنة مع نفس الفترة من السنة السابقة، أما قيمة الصادرات والواردات الصينية فنسبة انخفاضها تبلغ 7.6% فقط، وهي أقل من معدل الانخفاض العالمي. وفي حين أن نسبة الانخفاض للصادرات الصينية 1.6% فقط، وهي تقل بشكل ملحوظ عن الانخفاض العالمي 11.1%، في حين أن الانخفاض الذي تشهده كل من الولايات المتحدة (6.0%)، والاتحاد الأوروبي (14.0%)، واليابان (9.1%)، والدول الرئيسية الأخرى (الهند،15.6%؛ البرازيل، 16.7%؛ روسيا، 31.9%؛ جنوب أفريقيا، 6.5% ) .الحقيقة الثالثة: أن سياسة الصين في العملة ذات مسؤولية، وقد ساهمت مساهمة إيجابية في استقرار التجارة العالمية. وقد عملت الصين بنشاط وثبات في إدخال عملتها (رنمنبي) في السوق العالمية، وحافظت على الاستقرار النسبي لسعر (رنمنبي) مرتبطا بسعر الدولار، كما حافظت على الاتجاه الصاعد لسعره مقارنة مع سلة العملات الدولية، مما ساهم مساهمة إيجابية في الحفاظ على استقرارية البيئة التجارية العالمية.أما الحقيقة الرابعة فيرجع السبب الرئيسي لانخفاض الواردات الصينية إلى عامل انخفاض الأسعار. فقد انخفضت قيمة الواردات الصينية 15.1% خلال الأرباع الثلاثة الأولى 2015م؛ في حين أن المستوردات المادية قللت 3.8% فقط، ونسبة الانخفاض الذي تشهده أسعار المستوردات تبلغ 11.6%. وكل ذلك يدل على أن انخفاض الواردات الصينية يرجع رئيسياً إلى انخفاض أسعار المواد الخام. ولولا استيراد الصين المستمر للمواد الخام في السوق الدولية، لأدى ذلك إلى انخفاض أسعار المواد الخام أكثر مما كان عليه. إضافة إلى ما سبق ذكره، والحقيقة الخامسة أن استهلاك الصينيين في الخارج ساهم في نمو السوق الاستهلاكية العالمية. فقد شهد سلوك الشراء للمستهلكين الصينيين في الخارج نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، وخلال النصف الأول من عام 2015م، بلغ عدد السياح الصينيين الذين يسافرون إلى خارج الصين حوالى 61.9 مليون سائح، وحقق الاستهلاك الخارجي نمواً ليبلغ مقداره 116.9 مليار دولار ما يعادل 14% من قيمة الواردات الصينية في النصف الأول من 2015م، مما يعوض عن انخفاض الواردات الصينية إلى حد ما. مع أن الاستهلاك الخارجي لا يستطيع أن يمثل نشاط الاستيراد والتصدير الدولي، إلا أنه يساهم في نمو الاستهلاك العالمي وازدهار السوق العالمية.ورغم وجود عراقيل كثيرة، وصلت التجارة العالمية إلى القاع مستعدة للصعود بشكل عام وستحقق الارتفاع في سرعة النمو تدريجياً. ومن أسباب رئيسية لهذا التنبؤ والحكم ما يلي: أولاً: تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق الانتعاش الاقتصادي المستدام وهي قوة رئيسية تترأس النمو الاقتصادي العالمي، كما تستطيع دولة الصين أن تشكل أليات وأنظمة وأساليب جديدة تقود التطور الاقتصادي إلى وضع طبيعي جديد، وهي تعمل على ذلك منذ فترة وتحاول تغيير سرعتها في النمو الاقتصادي، وهذا الفعل يشبه ما يقوم به السائق من استعمال مبدل السرعة لتغيير سرعة السير عند قيادة السيارة، وذلك من أجل التكيف مع الظروف المستقبلية. وبالنسبة إلى الدول المتقدمة مثل دول أوروبا واليابان، فتعمل على الانتعاش الاقتصادي تدريجياً عن طريق استخدام سياسة التيسير الكمي. أما دول الاقتصادات الناشئة والنامية، يتجه النمو الاقتصادي لها بشكل عام إلى التحسين المستمر، مثال ذلك الهند وإندونسيا والمكسيك وغيرها، سوى بعض الدول المعتمدة على صادرات الموارد كركن رئيسي في اقتصادها.ثانياً: بروز سلسلة من اتفاقيات تجارية حرة ثنائية أو على مستوى المنطقة، مما يزيد حرية التجارة العالمية وسهولتها.ثالثاً: إبراز التكنولوجيا المتجددة قوتها وتأتي باحتمالات تجارية كبيرة. فمع الانتشار الواسع لتطبيق البيانات الضخمة والحوسبة السحابية والإنترنت في التجارة العالمية، ستحقق التجارة الرقمية العابرة للحدود تسهيلات أكثر من السابق في تداول المعلومات والأموال والتجارات ونقل البضائع، مما سيؤدي إلى نمو التجارة العالمية وإتيان احتمالات أكبر وفرص أكثر. رابعاً: مع تسارع عملية التصنيع في الدول النامية في منطقة آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ستشارك أكثر في سلسلة القيمة العالمية والتنظيم الدولي، كما سترتفع نسبة النمو الاقتصادي والتجاري في دول الاقتصادات الناشئة والنامية، وربما تكون أعلى من الدول المتقدمة، وتزداد أنصبة تلك الدول في الاقتصاد والتجارة العالمية باستمرار، وكل ذلك سيلعب دوراً فعالاً في النمو التجاري العالمي.أما في المستقبل، لا شك أن الصين ستنتهج باستمرار سياستها الأساسية المتمثلة في الإصلاح والانفتاح على الخارج، وتدعم حرية التجارة العالمية، ونظام تجارة متعددة الأطراف بلا كلل، كما أنها ستعمل على تشجيع تطور سلسلة القيمة العالمية، وإتمامها، والمساهمة في ضمان ازدهار واستقرار الاقتصاد العالمي. والجدير بالذكر أن الصين قد بدأت خطواتها في العمل، فقد اقترحت مبادرة الحزام والطريق (وهي تشير إلى الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين القائم على رؤية ربط استراتيجيات التنمية لبلدان آسيا وأوروبا وأفريقيا.) وتعمل على بناء ذلك الحزام الاقتصادي والبحث عن النمط الجديد للتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، وهذه الخطة تجسد رغبة الصين في تعزيز التواصل الاقتصادي مع الخارج عن طريق بناء حزام اقتصادي حيوي تفيد معظم الدول الشرقية. وإضافة إلى ذلك، هناك عدة محاولات وتصورات لتطوير الاقتصاد العالمي، مثالها: ارتفاع قيمة الزيادة التجارية للدول النامية عن طريق التعاون الدولي في الاستطاعات الإنتاجية، تخفيض كلفة نقل البضاعة في التجارة الدولية عن طريق بناء بنية تحتية تربط الدول، تخفيض كلفة التجارة عن طريق استخدام التجارة الرقمية العابرة للحدود، تخفيض كلفة دخول للسوق في التجارة عن طريق تسهيل عملية التجارة والدفاع عن حريتها... وعلى كل حال، ستبقى الصين قوة دافعة وتكون من بين محركات اقتصاد العالم، وتدفئ الجو في الشتاء البارد لاقتصاد العالم. الاسم العربي: نهى، طالبة صينية برنامج الدكتوراه، الجامعة الأردنية.nohaxu@hotmail.com