د. نضــال الصــالح - تنطلق هذه الدراسة، في مقاربتها لرواية نبيل سليمان: «سمر الليالي» (1)، من الأطروحة النقدية القائلة إنّ «الشخصية الحكائية» مكوّن أساسي من مكوّنات السرد، وعلى الرغم من أنّها تعاين هذا المكوّن وحده من بين المكوّنات السردية الأخرى التي تزخر بها الرواية، فإنّها، بآن، لا تقاربه بوصفه مكوّناً مستقلاً بنفسه ومميَّزاً من سواه، بل بوصفه أحد أهمّ تلك المكوّنات، الذي يكثّفها جميعاً في بؤرة دلالية تجهر بنفسها وبمقاصدها بالقدر الذي ينجز الروائي معه، ومن خلاله، هذه المقاصد بوسائله الجمالية الخاصة من جهة، والدّالة على قطيعة تامّة، أو تكاد، مع تقاليد الكتابة الروائية من جهة ثانية.
تتابع رواية «سمر الليالي» ما تواتر في أعمال روائية عربية عدّة من هجاء لمصادرة حقّ الآخر في التعبير وحرّية الرأي، كما في: «الحقد الأسود»(1966) لشاكر خصباك، و«السجن»(1972) لنبيل سليمان نفسه، و«القلعة الخامسة»(1972) لفاضل العزّاوي، و«الوشم»(1972) لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و«وراء الشمس»(1975) لحسن محسب، و«شرق المتوسّط»(1979) و«الآن هنا، أو شرق المتوسط مرّة أخرى»(1991) لعبد الرحمن منيف، و«البصقة»(1980) لرفعت السعيد، و«شرف»(1997) لصنع الله إبراهيم، وسوى ذلك ممّا تقدّمَ وممّا تشير إليه الرواية نفسها في السمر الخامس منها.
ومع أنّها تبدو، في هذا المجال، امتداداً لما سبقها أو استكمالاً له، إلا أنّها تمتلك، في الوقت نفسه، ما يميزها منه على غير مستوى: مستوى الفضاء الجغرافي الذي تستمدّ محكيّها منه، ومستوى المرحلة التاريخية التي تحاول تفكيك الثابت والمتحوّل فيها، ومستوى الوعي الواقع والوعي الممكن اللذين يصوغان خطابها، وأخيراً مستوى البنية الروائية التي يتمّ عبرها، ومن خلالها، تشكيل ذلك المحكي.
فعلى المستويين الأوّل والثاني تُعدّ الرواية أوّل نصّ روائي سوريّ يتصدّى لمقاربة الجغرافية السياسية السورية بمعظم أطيافها الأيديولوجية، وفي مرحلة محدّدة من تاريخ سورية، هي النصف الثاني من تسعينيات القرن الفائت. وعلى المستوى الثالث يتجنّب الروائي الدعوة لأيّة أيديولوجية، أو حزب، أو جماعة. وعلى المستوى الأخير ينجز ذلك كلّه وفق منظومة سردية تستجمع لنفسها معظم إنجازات الرواية المعاصرة.
يتشكّل المحكيّ في الرواية من خمسة أسمار: السمر الأوّل «ليالي ريّا»، والسمر الثاني «ليالي شهد»، والسمر الثالث «ليالي شهد وريّا»، والسمر الرابع «لياليهن»، والسمر الخامس «لياليها: ليالينا». وبتتبّع الفضاء النصّي المميّز لهذه الأسمار الخمسة، التي تتكوّن الأربعة الأولى منها من أجزاء متتابعة عددياً والخامس من فواصل، يخلص المرء إلى أنّ ثمّة ما يبدو تناسباً طردياً بين عدد الصفحات التي يمتدّ عليها كلّ سمر من جهة، وعدد الأجزاء المكوّنة له من جهة ثانية، وإلى أنّ عدد فواصل السمر الخامس هي ضعف عدد الأسمار. ولئن كان ثمّة ما لا يبدو مسوَّغاً في تسمية الروائي لهذه الأسمار بـ«تبويب»، بسبب ما يتضمّنه الجذر الدلالي لهذه المفردة من إحالة إلى ما هو بحثيّ أكثر منه إبداعياً، وفي إلحاقه ضمير الغائب «ها» في المفردة الأولى من السمر الخامس بدلاً من ضمير الغائب «هنّ»، بسبب تتبّع هذا السمر لمآل أكثر من شخصية بعد خروجها من المعتقل، وليس لشخصية واحدة، فإنّ ثمّة ما يبدو مسوَّغاً لتلك المفارقة بين صيغتي الإفراد والجمع في عنوان الرواية، أي بين: سمر وليال. إذ تضمر هذه المفارقة إيحاءً ما بأنّ ليالي ريّا هي نفسها ليالي شهد، وهي نفسها لياليهما معاً، وليالي سواهنّ من المكتوين بأوار اللهاث وراء واقع خالٍ من الظلم والفساد، بتعبير ريّا نفسها التي اعتُقلت، ليس بسبب انتمائها إلى حزب، أو جماعة، أو جهة معارضة، بل بسبب مخالطتها لـ«المغضوب عليهم»، وبسبب لسانها الذي كان مشكلتها الوحيدة بتعبير ابن عمّها وهو يحقّق معها في المركز الأمنيّ.
ولعلّ من أهمّ ما يميّز الرواية، وهي تحشرج بمرثيّتها الجارحة للواقع الذي تتقلّب على جمره وفيه، هو استثمار الروائي لمختلف تقنيات السرد، وأنواع التفاعل النصّي، وأساليب التشكيل اللغوي، وعلى نحوٍ دالّ على ثراء مخزونه المعرفيّ بالإمكانات الكبيرة التي يوفّرها الجنس الروائي. ومن تلك التقنيات: تداخل خطابي الأفعال والأقوال / السرد والحوار بعضهما ببعض داخل الخطاب الأوّل، وتيّار الوعي، وتقنية الحلم. ومن أنواع التفاعل النصّي: التناص، والميتانص، والمناص. ومن أبرز أساليب التشكيل اللغوي: إضفاء المجرّد على المشخّص، والثاني على الأوّل.
ولعلّ ما يختزل ذلك كلّه، ويكنّي عنه، ما ينهض به الرقم «ثلاثة»، على نحو غير مباشر، ومفارقٍ لجذره القدسيّ، من دور في مكوّنات الرواية. ومن أمثلة ذلك أنّ ريّا تُزجّ، في أوّل اعتقال لها، في زنزانة تحمل الرقم ثلاثة، وهذه الزنزانة نفسها لا يتجاوز طولها الأمتار الثلاثة، وتُنسى ريّا فيها لمدّة ثلاثة أيام قبل أن يبدأ التحقيق معها، وهذا التحقيق نفسه يقوم به ثلاثة: المقدّم زاهر، والرائد فادي، وابن عمّها. وأنّ «شهد» تداوم في مكتب المحامي عبد الحكيم وردة ثلاث ساعات مساء كلّ يوم، وتقبض منه ثلاثة آلاف ليرة آخر كلّ شهر، وتنتقل، قبل اعتقالها، بين ثلاثة بيوت: بيت أبي معروف، وبيت الضاحية، والبيت الذي تتوارى فيه مع مصطفى نزّال ووجيهة وجمال وموريس، والشاب الأجلح يعتقلها «محفوفاً بثلاثة». وأنّ أذى «نصّور أفندي» يطال ثلاث شخصيات على نحوٍ مباشر: أبو مصطفى، وعمر شقيق ريّا، ومدام فيوليت. وسوى ذلك.
وإذا كان الروائي قد احتفظ لنفسه ونصّه بمسافة كافية تبعدهما معاً عن تمجيد حزب، أو جماعة، فإنّه لا يخفي هجاءه لما يعتمل في المشهد الروائي العربيّ من اختلاطات بسبب حزب بعينه، إذ يقول الدكتور راجي زكزك لشهد بعد خروجها من المعتقل، وهو يسلّمها عدداً من الروايات لتقرأها: «علينا أن نشكر مَن سجنوا المثقّفين، وخصوصاً: الشيوعيين، ليصيروا كتّاباً، وخصوصاً روائيين».
يقدّم نبيل سليمان، في الرواية نحو اثنتين وسبعين شخصية، تتباين أدوارها في الأحداث من جهة، وتتفاوت فيما بينها على أكثر من مستوى من جهة ثانية. وباستثناء «نشوى تميم» الفلسطينية، فإنّها جميعاً تنتمي إلى فضاء واحد من الجغرافية السورية. وإذا سلّم المرء بتلك الثنائية الهشّة التي تميّز بين المرأة والرجل، فإنّه لمن اللافت للنظر ترجّح هذه الشخصيات ترجّحاً يكاد يكون متساوياً بين طرفي هذه الثنائية.
وعامّة، فإنّ معظم هذه الشخصيات يتوزّع بين معسكرين متعارضين: معسكر السلطة، ممثّلَة باحدى مؤسساتها الأمنية، وبمن هم خارج هذه المؤسسات: المقدّم زاهر حمدو مدير المركز الأمني ثمّ مدير سجن النساء، والرائد فادي شكر الله نائب مدير المركز الأمني فمديره بعد المقدّم زاهر، ونضال العيد الذي أصبح بعد فرار ريّا ابنة عمّه ليلة زفافها إليه «موظّفاً صغيراً في إدارة السجون، ثمّ موظّفاً أكبر في سجن البادية، ثمّ موظّفاً أكبر في المركز الأمنيّ»، والشاب الأجلح الموظّف في المركز الأمني، والرائد وداد نائبة مدير سجن النساء وخليلة المقدّم زاهر، والنقيب عاتكة الضابط في سجن النساء، وقمر الزمان السجّان في سجن النساء، ومدام زكية، مديرة الثانوية، التي تعمل «مخبرة نشيطة وطيّعة»، ونصّور أفندي الذي تربطه صلة قربى قديمة بالسلطة، وزهوان خضر مدير مؤسسة الجسور والأنفاق، وزوج عائشة أخت ريّا، ووليد شقيق ريّا. ثمّ معسكر الأحزاب والجماعات المناوئة لهذه السلطة: شيوعيون (شهد خيري، وأبوها قبلها، ولويز عبد السلام، ومجيدة، ووجيهة، ومصطفى نزّال، وجمال، وموريس)، وناصريون (بهيجة، وميّاسة عزّ الدين)، وإسلاميون (عقبة، وعمر شقيق ريّا، ومنوّر حمدان، وبانة إبراهيم، ولبيبة حلمي)، وقوميون (بتول كريشة)، وجماعة حقوق الإنسان (المحامي عبد الحكيم وردة، والدكتور راجي زكزك، وملك)، وجماعة العراق (أبو تمّام)، وفلسطينيون (نشوى تميم)، ثمّ ريّا التي لم تكن منتسبة إلى أيّ حزب أو جماعة، والتي كثيراً ما كانت تردّد: «أريد أن أقاوم.. الفساد. أريد أن أقاوم.. الظلم».
وعامّة أيضاً، فإنّ معظم هذه الشخصيات يتوزّع بين قوّتين: قوّة باحثة عمّا يثمّر امتيازاتها، إمّا بسبب وجودها في السلطة (المقدّم زاهر، والرائد فادي)، أو بسبب صلة القربى التي تربطها بها (نصّور أفندي، وأمّ براء زوجة المقدّم زاهر)، أو بسبب نفوذها الطبقيّ أو سواه (أبو معروف صاحب العقارات، وزهوان خضر، وعائشة، زوجته، ومهنّد سعود الذي عاف وظيفته في شركة الجسور والأنفاق، وأطلق، بمشاركة اللواء المتقاعد «أبو زاهد» مؤسسة المحيط للتجارة والاستثمار، والست فردوس، التي تصفها جدّة شهد خيري بأنّها «قوّادة أكسترا»، وأمّ ماهر الشمّامة، وأمين الصندوق في مديرية الصحّة..)، وأخرى تكتفي بقوّة عملها، كما يمثّلها معظم شخصيات الرواية.
وبين كلّ من هذين المعسكرين والقوّتين تتردّد شخصيات كثيرة، تبدو استكمالاً لشواغل الرواية، أمثال: أبو وليد، وأبو تماضر، وزوجته، وبنته، وأبو عقبة، وزوجته، وبراء ابن المقدّم زاهر، ومجد الدين خضر، وريحانة أمّ ريّا، وعفراء ابنتها، وجدّة شهد، ورواد زوجة مصطفى، وريما، وفايزة، ونيفين، وسواهم، وسواهن.
وكما يمكن التمييز بين معسكرين متعارضين وقوّتين متباينتين في هذه الشخصيات، يمكن التمييز بين مستويين إنسانيين في الشخصيات التي تنتمي إلى المؤسسة الأمنية: مستوى غاشم، ومدجّج بالأوهام عن وظائف رجل الأمن ومهامّه، كما يتمثّل في كل من المقدّم زاهر، والرائد فادي، والرائد وداد، والشاب الأجلح، وقمر الزمان. وآخر متحرّرٌ من هذه الأوهام، كما يتمثّل في النقيب عاتكة، وفي معظم الشخصيات التي تنتمي إلى قاع السلّم الوظيفي في هذه المؤسسة، كالصوت الملتبس «بين الذكورة والأنوثة»، والصوت الذي «يشير بخفر»، والصوت الشجيّ الذي «يسأل بلهجة حلبية»، و«صوت ابن الحلال».
والروائي لا يقدّم المعلومات الخاصة بكلّ شخصية من شخصيات روايته دفعة واحدة، وفي موقع واحد، وعلى نحو تستقلّ بنفسها عن سواها من الشخصيات، بل ينثر هذه المعلومات عبر غير «سمر» من جهة، وعبر غير وحدة سردية داخل السمر الواحد من جهة ثانية، ومتماهية بمثيلاتها عن الشخصيات الأخرى من جهة ثالثة. وغالباً ما يترجّح تقديم تلك المعلومات بين وسائط ثلاثة: خطاب الأفعال، أو من خلال الراوي / سارد الحكاية، كما في تتبّع الأخير لحياة مصطفى نزّال وتحوّلاته: «ومصطفى يطلع من تحت الشجرة فتى يلعب الكرة على امتداد الشارع، من البقالية إلى موقع خيمة نصّور أفندي، يكبر ويصغر بلا حساب، يلاحق تماضر بنت السوّاس أو عفراء.. من البيت إلى الثانوية ومن الثانوية إلى البيت، يملأ مع رهطه مساءات الكورنيش الصيفية عبثاً، يرسب في الشهادة الإعدادية وفي الشهادة الثانوية، يتحسّر على الجامعة، يواظب على الندوات التي يضيق بها قصر الثقافة، يتدرّب على الكومبيوتر، ينضوي في أيّ حزب يتشقق من الحزب الشيوعي، يتباهى بانتقاله من شيوعية تؤيّد السلطة إلى شيوعية تعارض أيّة سلطة..». ثمّ ما تقدّمه الشخصية عن نفسها، كما في قول بتول لشهد: «عدّي يا عزيزتي: أبي يرحمه الله كان من مؤسسي حركة القوميين العرب. أمّي يرحمها الله من الرائدات في الحركة الناصرية، وزوجي من روّاد حزب البعث العربي قبل أن يصير حزب البعث العربي الاشتراكي. زوجي فلسطيني. كان صديق أبي الحميم وخصمه اللدود. أنا يا عزيزتي عشت هذا النسب الشريف كلّه، من حزب إلى حزب». وأخيراً ما تقدّمه الشـخصيات عن سواها، كما في قول شهد: «الأستاذ عبد الحكيم وردة والدكتور سليم من جماعة حقوق الإنسان، أو قريبان منها»، وقول منوّر للويز: «مجيدة شيعية وشيوعية».
وباستثناءات قليلة جداً، فإنّ الروائي لا يلتفت إلى الصفات الخارجية المميّزة لشخصياته، ولئن كان عددٌ من هذه الاستثناءات لا يغادر المتواتر من الوصف في المنجز الروائي العربيّ في هذا المجال، كما في وصفه للرائد وداد: «وجنتان غائرتان وأسنان تبرق، خصر نحيف وشعر يتطاير ونظرة لا تستقرّ»، فإنّ عدداً آخر يختزل الكثير من أسلوبية السرد وتقنياته التي تسم أجزاء مختلفة من الرواية. ولعلّ من أبرز الأمثلة الدّالة على هذه السمة ما يقدّمه الروائي من وصف لريّا على لسان شهد: «كان يا ما كان في سالف العصر والأوان بنت اسمها ريّا حسّان العيد جبهة كالمرآة المصقولة يزينها شعر حالك كأذناب الخيل إن أرسلته خِلتَ السلاسل وإن مشّطته قلتَ عناقيد جلاها الوابل وحاجبين(2) كأنّما خُطّا بقلم أو سُوّدا بفحم تقوّسا على مثل عين ظبية بعين مهرة وبينهما أنف كحدّ السيف الصنيع تحميه وجنتان كالأرجوان في بياضٍ كالجمان شُق فيه فمٌ كالخاتم لذيذ المبسم فيه ثنايا غرّ ذات أشر تقلّب فيه لسانٌ ذو فصاحة وبيان وتلتقي فيه شفتان تحلبان ريقاً كالشهد إذا دُلّك في رقبة بيضاء كالفضة رُكّبت على صدر الدمية وعضدان مدملجان يتصل بهما ذراعان ليس فيهما عظمٌ يُمسّ ولا عِرقٌ يُجسّ بكفّين دقيقٌ قصبهما ليّنٌ عصبهما تعقد لو شئت منهما الأنامل في صميم الصدر تعالى ثديان كالرمّانتين تحتهما بطنٌ طويت طيّ القباطي المدمجة والعكن كالقراطيس المدرجة وحول العكن سرّة كالمدهن المجلوّ وخلفها ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر لولا رحمة الله لهوى على كفل يُقعدها إذا نهضت ويُنهضها إذا قعدت كأنه دعض الرمل لبّده سقوط الطلّ يحمله فخذان كأنما قُلبا على نضد من الفيروز فوق ساقين خذلتين كالبردتين..».
وكثيراً ما يلحّ الروائي على التعريف بالسويّات الدراسية لشخصياته، ولاسيّما النسويّ منها، ولاسيمّا اللواتي تعرّضن للاعتقال أيضاً. فشهد مهندسة «تخرّجت بدرجة امتياز»، ورواد خرّيجة المعهد المتوسط للفنون، ولبيبة يحرمها اعتقالها «من أن تكمل تخصّصها في طبّ العيون»، ولويز عبد السلام يتأخّر «تخرّجها سنتين من كلّية الصيدلة» بسبب نشاطها السياسي، وبهيجة تقودها «الدورية من كلّية الفنون الجميلة إلى المركز الأمني، ومن المركز الأمني إلى سجن النساء».
وعلى الرغم من هجاء الروائي، المضمَر، للقمع، وانحيازه، المضمَر أيضاً، إلى نقيضه، فإنّه لا يقدّم شخصياته المكتوية بأوار هذا القمع بوصفها شخصيات فاضلة، أو ملائكية، أو منبتة الصلة بما هو إنسانيّ. فلويز، الشيوعية، تُسلم جسدها لـ«واحد من أهمّ خمسة في القيادة»، أي في قيادة حزبها، وتُجهض على يدي الدكتور سندس. ومصطفى نزّال، الشيوعي أيضاً، يتزوّج رواد التي لم يكن يحبّها، ثمّ يطلّقها. و«الرفيق الذي قضى خمساً وثلاثين سنة في الحزب» ينفض يده من مجيدة، رفيقته في حزبه الشيوعي، وبين عشية وضحاها يصير فقيهاً في الرأسمالية. وسوى ذلك.
وإمعاناً منه، أي الروائي، في تأكيد الجدل بين مكوّنات الواقع الذي يقوم بتشخيصه وتفكيكه، ينتهي بالكثير من العلاقات العاطفية والزوجية لشخصياته إلى الإخفاق، فمهنّد سعود يترك ريّا متذرّعاً بأنّ ما يفرّقها عنه أكثر ممّا يوحّدهما معاً، ومصطفى نزّال يطلّق رواداً على الرغم من هيامها به، وأمّ تماضر تترك زوجها احتجاجاً على استقباله للمقدّم زاهر وزوجته بعد أن قتل ابنهما براء بسيارته ابنتها تماضر، وأمّ براء تُطلّق من زوجها، وتتزوّج من خصمه الرائد فادي، وفايزة تقتل زوجها لدى إحساسها بمحاولته قتل صديقة طفولتها، ريما.
ولئن كانت الشخصية الروائية «محض خيال يبدعه المؤلّف لغاية فنّية محدّدة يسعى إليها»(3)، فثمّة في «سمر الليالي» شخصيات واقعية يسمّيها الروائي بأسمائها، ويعرّف بأهمّ صفاتها، ومن هذه الشخصيات الشاعر غازي أبو عقل الذي كما يصفه الروائي «لا زال يحرّر جريدة الكلب بخطّ يده، ويوزعها بالفاكس، ويسخر من أيّ أمر، و.. تجرّأ فعارض بردية البوصيري ببردية الزلّوع والفياغرا».
وعامّة، فإنّ الشخصيات جميعاً تتّسم بثباتها الانفعالي من مفتتح النصّ إلى خاتمته، ويكاد القارئ لا يعثر على شخصية واحدة تجري تعديلاً على مواقفها. وهي، بعامّة أيضاً، شخصيات غير مختلطة قيمياً.
وعامّة، ثالثاً، فإنّ العلامات اللغوية الممنوحة لهذه الشخصيات، وفي الأغلب الأعمّ منها، تتوزّع بين ثلاثة أشكال رئيسية: أوّل تُختزَل العلامات اللغوية للشخصيات التي تنتمي إلى مجاله إلى ألقابها بالنسبة إلى أبنائها (أبو محمد، أبو معروف، أبو مصطفى، أمّ براء، أمّ تماضر، أبو حسان)، وقد يضيف الروائي إلى هذه الألقاب ما يحيل إلى أكثر الصفات بروزاً في الشخصية (أمّ ماهر الشمّامة). وثان يكتفي الروائي فيه باسم الشخصية مجرّداً من الكنية (بهيجة، جمال، رهف، سندس، وداد، رواد، ريما، مجيدة، فيوليت، عاتكة، فايزة، فريال، قمر الزمان، ملك، موريس، فردوس). وثالث يقرن اسم الشخصية فيه بكنيتها: (منوّر حمدان، ميّاسة عزّ الدين، نشوى تميم، هناء زكزك، لويز عبد السلام، مجد الدين خضر، مرسيل الجمّال، زاهر حمدو، فادي شكر الله، ريّا حسّان العيد، زهوان خضر، بانة إبراهيم، شهد خيري).
وثمّة شكل رابع يبدو خاصّاً بالشخصيات الأمنية التي لا تمارس أيّ قمع، والتي يتمّ اختزالها إلى صفات فحسب: «صوت ملتبس بين الذكورة والأنوثة»، و«صوت يشير بخفر»، و«صوت شجيّ.. يسأل بلهجة حلبية»، و«صوت ابن الحلال».
ويمكن التمييز بين مستويين دلاليين في هذه العلامات: مستوى اعتباطي، لا تحيل العلامة معه إلى دلالة ما (رهف، سندس، إكرام، رواد، ريما، عائشة، عفراء، مجد الدين، مرسيل، مصطفى، ملك، مهنّد، موريس، ميّاسة..)، ومستوى كنائي يترجّح بنفسه بين مستويين، الأوّل طاغٍ، والثاني أقلّ حضوراً:
* المفارقة بين العلامة اللغوية للشخصية والشخصية نفسها، التي تنتمي معظم الشخصيات إلى مجالها، كما في «أبو معروف» الذي تتضاد أفعاله مع الجذر اللغوي والدلالي لكلمة «معروف»، وبراء ابن المقدّم زاهر، الذي تتضاد أفعاله هو الآخر مع الجذر اللغوي والدلالي للبراءة، إذ يشخر بإحدى سيارات أبيه في الشوارع، فيدهس ثلاث فتيات، تلقى إحداهن (تماضر) حتفها، ويتردّد على بيوت الست فردوس، وكما هذه الأخيرة نفسها التي تفارق علامتها اللغوية مهنتها، والتي تشبّهها جدّة شهد بالأفعى، لأنّها كانت «ترمي للبنات قشرة موز، ويا لطيف الطف.. من شقّة إلى شقّة، من حارة إلى حارة، الساعة بعشرين دولاراً، الليلة بمئة، بمئتين، بحسب الزبون»، وفايزة التي تخسر زوجيها، وينتهي بها قتل الثاني إلى السجن، فتخسر حرّيتها، وقمر الزمان، الجلاد في سجن النساء، الذي تنأى أفعاله عن علامته اللغوية، والذي يبدو من خلال تلك الأفعال رديفاً للعماء الأوّل، فـ«لبيبة» التي تنتهي بها لوثاتها المتتابعة إلى مشفى الأمراض العقلية، فـ«زاهر» الذي لا صلة لعلامته اللغوية به، فـ«منوّر» الظلامية، التي تتضاد أفعالها وأقوالها مع علامتها اللغوية، فهي لا تكتفي بفرض الحجاب على السجينات، بل تعطّل التلفزيون، وحين تبدأ بهيجة بتعليم هؤلاء السجينات الرسم، وحين تبدأ إكرام تعليمهن الرقص، تطلق احتجاجها القاطع: «هذا حرام»، والرائد وداد التي تبدو علامتها اللغوية مغايرة تماماً لعلاقاتها بالسجينات، ولا سيّما ريّا، اللواتي يلقين على يديها أبشع أنواع التعذيب: «فتحت الخزانة، وأخرجت عصا بنية غليظة ومدببة وقصيرة، وأمرت الشرطية الحاجبة بإغلاق الباب وتثبيت ريّا، وتركت العصا تضرب حيث تشاء، وكيف تشاء»، وأخيراً هناء التي لا تتّسق حياتها مع شيء من علامتها اللغوية.
* المطابقة بين العلامة اللغوية للشخصية والشخصية نفسها، كما في ريحانة أمّ ريّا ووليد وعمر وعفراء وعائشة، التي تضوّع شذا أمومتها على أفراد أسرتها كافّة، وشهد، وريّا، اللتين تكثّف العلامة اللغوية لكلّ منهما خصائص الشخصية على المستويين المادّي والمعنوي.
ولعلّ أهمّ ما يميّز خطاب الأقوال لدى معظم الشخصيات تنوّعه السوسيو لفظي، بتعبير «باختين»، أي إحالته على نسق من اللغات حسب «باختين» نفسه (4). وغالباً ما يتجلّى هذا التنوّع من خلال ملء الروائي للمشاهد الحوارية بمفردات وتراكيب تميز كل شخصية من سواها من جهة، وتكثّف السويّة المعرفية والانتماء الفكري لهذه الشخصية من جهة ثانية، وتحقّق، في الحالين معاً «الوظيفة التواصلية» (Interpersonal) للغة، أي بعدها الاجتماعي (5).
ويمكن تبيّن السمة الأولى من خلال ما يبدو لازمة في منطوق عدد من الشخصيات، كما لدى شهد خيري التي كانت تردّد: «الحذر، لا الخوف»، ولازمتها لجدّتها كلّما كانت الأخيرة تحدّثها في أمر تأخّر زواجها: «عندي لك عريس لقطة يا ستي»، ولازمة ريّا التي كانت تردّدها أمام المقدّم زاهر: «سيادتك تعرف». وإذا عدّ المرء ساردَ الحكاية شخصية حكائية في النصّ، فإنّ ثمّة أكثر من لازمة تميز هذه الشخصية، منها: «امرأة مشلوحة.. بلا حول ولا وقت»(6)، و«اليقظة مثل نوم شفيف حدّ أمر يسمّونه الموت»(7)، و«شجرة الكينا الوحيدة التي نجت من مذبحة تجميل الشارع»(8). كما يمكن تبيّن السمة الثانية من خلال إضاءة المشاهد الحوارية للجوهريّ تماماً من الشخصية، كما في قول نصّور أفندي لريّا: «امشي قبل أن أرشّك»، حين دخلت إلى بيته مؤنّبة إيّاه على دفع رجاله إلى العبث بسيّارة أخيها عمر، الذي يكثّف شخصية نصور إلى أكثر صفاتها بروزاً، أي إلى إدارته ظهره كلّياً إلى القانون، وابتكاره قانونه الخاصّ به، وكما في استدعاءات لبيبة الدائمة لآيات من القرآن الكريم، التي تلقي مزيداً من الضوء على طبائع النسق المعرفيّ لديها.
والروائي لا يجد ضيراً في تثبيت المفردات المناوئة للمقدّس الاجتماعي على ألسنة شخصياته، الذكورية منها والنسوية(9). وكثيراً ما تسهم لغة السرد في إضاءة خصائص عدد غير قليل من شخصيات الرواية، كما في تصدير الروائي لنصّه، في السمر الأوّل، بالفعل «تجرّأت» الذي يمكن عدّه، بالاستعارة من «جينيت» بمثابة «الإعلان» الذي لا يعني، هنا، الحدث الذي سيمارس فيما بعد تأثيراً حاسماً على حياة الشخصية، بل اللفظ الذي يرهص بخصائص هذه الشخصية على المستوى النفسي.
وبعد، فإذا كان على المرأة الكاتبة «أن تجعل كتابتها تشتغل على فضاء الرجل، بوعي واختيار ووفق استراتيجية، وإلا سيشتغل عليها هذا الفضاء»(10)، فإنّ رواية «سمر الليالي» تشتغل على فضاء المرأة بوعي واختيار ووفق استراتيجية أيضاً، ليس بسبب تمكّن الروائي من الغوص على ذلك العالم الذي يبدو خاصاً بالنساء، بل بسبب ما يخلص إليه القارئ، خلال القراءة وبعدها، من نفيّ للمتواتر في معظم المنجَز الروائي العربي الذي ينتمي إلى يُصطلَح عليه بروايات السجن السياسي من أنّ تاريخ مقارعة المقدّس السياسي، في منطقة شرق المتوسّط، بتعبير عبد الرحمن منيف، هو تاريخ رجال فحسب.
والرواية لا تستعيد للمرأة العربية، في هذه المنطقة وسواها من بلاد العرب المترامية الأطراف والمثخنة بما يشبه أو يطابق محكيّ الرواية، أو بما سّماه د. عبد الغفار مكاوي «أصل الشقاء العربيّ المتجدّد وجذور الشجرة اللعينة التي لم يزل العرب يبلون مرّها منذ آلاف السنين»(11)، لا تستعيد لهذه المرأة مكانتها ودورها في التصدّي لذلك المقدّس، اللذين تمّ تهميشهما وتغييبهما في معظم ذلك المنجز، فحسب، بل تميط عن هذا الأخير سمة الوعي البطريركي الذي يبدو في الإبداع أكثر سوءاً منه في الواقع.
هوامش وإحالات:
(1) - نبيل سليمان. «سمر الليالي». ط.1 دار الحوار، اللاذقية .2000
(2)- كذا في الأصل، والصواب: «حاجبان».
(3)- حسن بحراوي. «بنية الشكل الروائي: الفضاء، الزمن، الشخصية». ط.1 المركز الثقافي العربي، بيروت .1990 ص (213).
(4)- ميخائيل باختين. «الخطاب الروائي». ترجمة: محمد برادة. ط.1 دار الفكر، القاهرة .1987 ص (39).
(5)- انظر: يقطين، سعيد. «انفتاح النصّ الروائي: النص، السياق». ط.1 المركز الثقافي العربي، بيروت .1989 ص (17).
(6)- انظر: الرواية، الصفحات: 20 ـ 23 ـ .24
(7)- انظر: الرواية، الصفحات: 58 ـ 61 ـ .147
(8)- انظر: الرواية، الصفحات: 9 ـ 102 ـ 104 ـ 153 - .184
(9)- انظر: ص (20) وما بعد من الرواية.
(10)- حسن نجمي. «شعرية الفضاء، المتخيّل والهوية في الرواية العربية». ط.1 المركز الثقافي العربي، بيروت .2000 ص (185).
(11)- د. عبد الغفار مكاوي. «جذور الاستبداد، قراءة في أدب قديم». ط.1 سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1994 ص (70).