ربما سيرة حُبّ تاريخية تؤكد لنا أنّ المشاعر الموشاة بالحُب الصادق خالدة ومتكررة للجنسيْن. فنستطيع فيما يُسمّونه بعيد «الحُب» أن نتذكّر العديد من العاشقات والعشاق الذين قضوْا على مذبح العاطفة الجياشة والتوق الممض إلى لقاء الآخر الشيء العظيم..
ولنا في عالم الثقافة والأدب والفن أن نسمّي عشرات النساء اللواتي تحوّلن إلى مصادر إلهام للفنانين والشعراء وكبار الكتّاب، سواء كان ذلك في دنيا العرب أو على مستوى العالم. ففي الإطار العربي نستذكر على سبيل المثال لا الحصر ، الأثر الذي تركته عفراء بنت مالك في نفس عروة بن حزام وحياته وشعره. وأن نعدّد ثنائيات مماثلة كقيس وليلى وجميل وبثينة وذي الرمة وورد وابن زيدون وولادة، وحالات كثيرة يستحيل ذكرها في هذه العجالة. وإذا كان العرب قد تميزوا من بين الأمم بأنهم أمة عشق وشغف بالغيْن ، لم يكن ذلك من قبيل المصادفة أو الهبة الإلهية ، بل إن ثمرة تلك الجغرافيا القاسية التي تقاسمها الجفاف والرمل ودم الثأر المتجدد والتي حولت المرأة إلى أمنية مُشتهاة ،وواحة يتيمة العشب والماء وسط خراب العالم وبؤسه.على أن المرأة المعشوقة والملهمة لم تكن طبعة عربية خالصة فقط، بل يكفي أن نستعرض الأدب والفن العالميين ، لنرى نساء كثيرات وقد تحوّلن إلى نار دائمة الاشتعال في مخيلات الكتاب والفنانين من بياتريس التي ألهمت دانتي ، إلى كريستينا التي ألهمت غوته ، والمتعجرفة ناتالا التي ألهمت بوشكين ، وألسا الفاتنة التي ألهمت اراغون.
لم تكف المرأة في كل عصر عن أن تمد الرجل العاشق بأسباب الإبداع الخلاق وإيحاءاته المتوهجة ، ليتعدى المتوقع والعادي وهو أن تتحول المرأة بمفردها إلى ملهمة لعصر كامل ، وأن تهدد بالأرق والافتتان عشرات الكتاب والشعراء والقادة والسياسيين كما حدث مع «مَيْ زيادة» في الثلث الأول من القرن الفائت، إن المرء ليَحار وهو يستعرض حياة هذه المرأة النادرة وأدبها وسيرتها في سر تلك الفتنة التي لم يفلت من شباكها أحد ، وذلك الحضور الطاغي الذي ترك عشرات الكتّاب والعباقرة الأفذاذ لاهثين للحصول على رضا أو ابتسامة أو رفة هدب من امرأة واحدة. لم يبق أحد من كتاب ذلك العصر إلا وكان له مقعد في صالونها ، بدءا من وليّ الدين وأحمد لطفي وطه حسين وإسماعيل صبري وغيرهم ممن وقعوا في هوى مَيْ ونظموا فيها القصائد والأشعار ودبّجوا رسائل العشق المؤثرة. فلم يكن صالون مي زيادة هو الأول في التاريخ العربي فلقد تحدث صاحب الأغاني وغيره من مؤرخي الأدب عن الدور المميز الذي لعبته سكينة بنت الحسين في تحفيز الشعراء وتشجيعهم والإصغاء إليهم في منزلها الخاص الذي حوّلته إلى ديوانية لعشاق الأدب والفن، والتحدث عن العشق بما هو طيّب.
ثمة شيء هارب في حياتنا الآن يستعصي على الفهم في حب الرجل الحقيقي ، وعشق المرأة الموشاة بالأنوثة والأدب، نفسه الجنون الذي يرسمه» الحُب» في هذه الأوقات من ثمرة التمزق المُرّ بين أنوثة اللحم وأنوثة اللغة التي أنّى حضرت قلوب عشاق الحرف والأمل.
[email protected]
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .