ريمٌ على القاعِ

ريمٌ على القاعِ

 إنها قصيدة من أجمل قصائد المدائح النبوية وأطولها وهي قصيدة « نَهْجُ البُرْدَةِ « لأمير الشعراء أحمد شوقي والتي نظمها في 190 بيتاً, وقد سميت « نهج البردة « لأن احمد شوقي قد عارض بها قصيدة « البُرْدَة « للإمام البوصيري ( ومسجده الشهير في الإسكندرية بجوار أبي العباس ويسميه أهل المنطقة بالأباصيري ). وتبدأ قصيدة نهج البردة لأمير الشعراء بواحدة من أجمل وأشهر مقاطع الغزل وهي: « ريم على القاع بين البان والعلم إلخ «, وقد أطال الشاعر في مقدمته الغزلية حتى بلغت أربعة وعشرين بيتاً لكنها من أرق وأعذ ب ما يكون, ثم يتطرق شاعرنا لوصف الدنيا الغرورة الخداعة ثم يبدأ المدح النبوي فعلياً من البيت الثالث والأربعين, والقصيدة على فصاحتها وبلاغتها الشديدة إلا أن ألفاظها سهلة وأغلب أبياتها لا يحتاج شرح,ولكن لا مانع من شرح بعض الابيات الاُولى :رِيمٌ على القَاعِ بين البَانِ والعَلَمِ ... أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي في الأَشْهُرِ الحُرُمِالرِّيم: الظبي الأبيض خالص البياض , القَاع: السفح والأرض السهلة المستوية, البَان: شجر ينمو في سفوح الجبال, العَلَم: الجبل.شرح البيت: فقد تخيل الشاعر محبوبته ظبياً أبيضاً جميلاً يقف في السفح بين أشجار البان والجبل, وأن هذا الجمال الذي بهره كما لو كان قد سفك دمه في الأشهر الحرم على الرغم من تحريم سفك الدماء في هذه الأشهر .رَمَى القَضَاءُ بِعَيْنَيْ جُؤْذِرٍ أَسَدَاً... يَا سَاكِنَ القَاعِ أَدْرِكْ سَاكِنَ الأَجَمِالجُؤْذُر: صغير الحيوان, الأجم: أي الأحراش الكثيفة, ساكن القاع: الظبي, ساكن الأجم: الأسد .شرح البيت: وجمال هذا الغزال يبرز في عينيه, كما لو كان شاعرنا أسدا في قسوته وجبروته، لكن العجيب أن هذا الأسد ساكن الأجم والغابات هو من يطلب النجدة والرحمة من هذا الظبي الرقيق ساكن القاع والذي لا يثبت أمام جماله شيء وتنهار أمام رقته قوة هذا الأسد الهصور !.نهج البردة ريم على القــــــاع بين البان والعلم  أحل سفك دمى في الأشــهر الحرمرمى القضــــاء بعيني جؤذر أسدا  يا ساكن القــاع، أدرك ساكن الأجملما رنا حدثتني النفــــــــــس قائلة  يا ويح جنبك بالسهم المصيب رميجحدتها و كتمت الســــــهم في كبدي  جرح الأحبـــــه عندي غير ذي ألمسَرَت بشائِر بالهادي ومولِده  فى الشرق والغرب مَسْرَى النور فى الظلمتخطفتْ مُهَج الطاغين من عربٍوطيرت أنفسَ الباغين من عجموالخلق يفتِك أقواهم بأضعفِهم    كالليثِ بالبٌهْم أو كالحوتِ بالبَلَمأسرَى بك الله ليلاً إذ ملائكهُ  والرسلُ فى المسجد الأقصى على قدملما خطرْتَ به التفوا بسيدهمكالشهبِ بالبدر أو كالجند بالعلمصلى وراءك منهم كل ذي خطرٍ  ومن يفُزْ بحبيبِ الله يأتمم .ومعلوم ان شوقي كان قد عارض بهذه القصيدة قصيدة (البردة ) للإمام البوصيري التي يقول في اولها :« أمن تذكر جيران بذي سلم  مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم « .والمعارضة في الشعر معناها كما لا يخفى ان يقرأ شاعر قصيدة معينة لشاعر آخر فيعجب بها ثم ينظم قصيدة اخرى على وزنها وقافيتها وفي موضوعها في الغالب.وبعض الشعراء لا يقصدون من وراء ذلك الى اكثر من اظهار براعتهم في النظم وقدرتهم على مسايرة الشعراء السابقين لهم والنسج على منوالهم.وقصيدة شوقي التي قالها في معارضة قصيدة البردة للبوصيري وسماها «نهج البردة» وهو اسم يدل على مبلغ تأدب شوقي وتواضعه فهو لا يعارض قصيدة البردة وانما يقول قصيدة على نهجها كأنه يقتفي خطاها وينظر إليها على انها الاصل الذي لا يُجارى ولا يُعارض وانما يريد ان يسير على نهجه ويقتفي أثره ويستوحيه ويتتبع خطاه.ويصرح شوقي في قصيدته نهج البردة بكل ذلك فهو يذكر (صاحب البردة) فيقر له بالفضل والسبق ويعلن انه وهو ينشد هذه القصيدة لا يعارضه لأنه فوق مستوى المعارضة وإنما هو يغبطه على ما سبق اليه من الفضل وذلك حيث يقول شوقي مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:المادحون وأرباب الهوى تبعلصاحب البردة الفيحاء ذي القدممديحه فيك حب خالص وهوىوصادق الحب يملي صادق الكلمالله يشهد اني لا أعارضهمن ذا يعارض صوب العارض العرموإنما أنا بعض الغابطين ومنيغبط وليك لا تذمم ولا يلم .وهذه القصيدة نهج البردة تدل على نفس طويل في الشعر كان يتمتع به شوقي وقد أمدته في هذه القصيدة شاعريته الخصبة واحساسه الديني العميق كما يبدو انه عاش زمنا طويلا في قصيدة البردة للبويصري فتشربتها نفسه واندمج في معانيها واخيلتها وصورها وجوها الديني.ورغم ما هو واضح من ان شوقي كان في هذه القصيدة هو شوقي بكل قوته وبكل شاعريته وبكل قدرته على التصرف في المعاني وتوليدها وابتكارها واخضاعها للقوالب الشعرية فان اثر البويصري ظل واضحا بصورة او باخرى في نهج البردة لشوقي.وتقع القصيدة أصلا فى مائة وتسعون بيتا وهى ميمية من بحر البسيط وإختارت المطربة أم كلثوم  للغناء منها ثلاثين بيتا متفرقة فى الترتيب ولكن مكتملة فى المعنى .اللحنوالهندسة الخطيرة التي أبدى الموسيقار رياض السنباطي عبقريته التلحينية فيها, بلحن سلوا قلبي, ظهرت ثانية في هذه القصيدة :أولا لتضفي على اللحن تلك النفحة الصوفية, مع تكرار اللوازم .ثانيا لتحكم بناء متن القصيدة إحكاماً مطلقاً.ثالثاً لإعطاء القصيدة شكلاً يدخلها في وجدان المستمع  .رابعاً للتمكين من أن تمهد اللازمة لإعادة بيت الشعر أو الانتقال إلى ما بعده حسب مزاج ام كلثوم أو جمهورها .