من إعلان اسطنبول (2011) لمكافحة التعصب الديني، إلى مراكش (2016) إلى الدوحة (2016)، كلَّها إعلانات تهدف إلى أمرين: الأول، تنزيه الديانة الإسلامية ممّا يعلق بها حالياً، من سوء فهم ومن لغط كبير، نظراً إلى ما تقوم به التنظيمات والمجموعات الإرهابية أحياناً كثيرة باسم الدين وباسم الله تعالى، وثانيا الدعوة الى الاحترام المتبادل بين أتباع الديانات. وللإنصاف فإنّ اعلانا لم يذكر في الدوحة ، لكنّه على درجة من الاهمية ، وقد صدر عن مركز القدس للدراسات في تشرين ثاني 2014، بعد سلسلة من المؤتمرات والحوارات بعنوان: المسيحيون وربيع العرب، وجاء عنوانه: « إعلان عمّان … خريطة طريق لمستقبل أفضل لمسيحيي البلدان العربية».
أمّا إعلان مراكش ، فقال بضرورة تأسيس تيار مجتمعي عريض لإنصاف الأقليات الدينية (مع تحفظي على هذه الكلمة) في المجتمعات المسلمة ونشر الوعي بحقوقها. كما دعا إلى اعتبار «صحيفة المدينة» الأساس المرجعي المبدئي لضمان حقوق الأقليات.
ما الجديد في إعلان الدوحة الذي صدر قبل أيام قليلة؟
جاء بعد سلسلة من المداولات شارك بها مئات المحاضرين، عبر خمس جلسات عامة وتسع جلسات متخصصة، واجتمعت تحت عنوان عريض: «الأمن الروحي والفكري في ضوء التعاليم الدينية». ودعا المشاركون في البيان الختامي إلى عقد مؤتمر دولي يُعنى بالتصدي لكافة أشكال وصور الإزدراء والإهانة للرموز الدينية المقدسة عند جميع الأديان.
واستنكروا كل خطابات الكراهية والعنصرية التي تؤدي إلى العنف. الجديد كذلك الدعوة إلى التعاون –بل شراكة- بين المؤسسات المحلية والدولية المعنية بحوار الأديان. فلدينا العديد من المؤسسات، إلاّ أن التنسيق –لا بل العمل- المشترك بات شبه معدوم، والمطلوب اليوم هو خروج آمن من مراحل الإنغلاق والتقوقع والروح التنافسية الضيّقة إلى روح التكاملية الرحبة التي من شأنها بلورة خطة عمل موحدة لعمل المؤسسات والشراكة مع المؤسسات الصديقة في العالم.
يجمع بين بيانات العواصم المذكورة الدعوة الملحة إلى «تعديل المناهج التربوية». وهذا مطلب ما عاد ترفاً أو نزهة، بل هو أساسي من أجل خلق أجيال تفكر سلمياً وتتربى على معرفة الآخر واحترامه والتعاون معه والنظر معه «إلى شؤون الكون والبيئة والسلم والعدالة « نظرة إيجابية قوامها المساواة والمواطنة الحقيقية.
وتم في المؤتمر منح جوائز تقديرية لعدد من الأفراد كما المؤسسات الفاعلة والنشطة والناجحة في حوار الأديان. مع كل أسف غابت أي جائزة عن الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، ذلك أن الهم السياسي أصبح أساسياً وأنّ عمل الأديان المشترك قد بات يركز -لا على الأفعال والأنشطة–بل على ردود الأفعال. لكن من خلال الإعلان، فقد قدمت 99 مؤسسة فاعلة ترشيحها للجائزة ، وهذا يدل على غزارة عددية في الاهتمام بشؤون ما بين المؤمنين، إلاّ أنّ ذلك لم يؤثر إلى اليوم بالإهتمام بتفعيل وتعزيز العمل المشترك والتعاون بين المؤسسات.
برز في يومَي المؤتمر حضور الكاردينال جان لويس توران شخصياً، وهو عميد المجلس البابوي للحوار بين الأديان وقد جاء مثقلاً بأتعاب الجسد وأمراض الباركنسون، إلاّ أنه أغنى مؤتمر الدوحة الثاني عشر بكلمتين الأولى في الجلسة الافتتاحية والثانية في الختام. وممّا جاء على لسان هذا الإنسان الذي كرّس أكثر من نصف قرن للعمل في مجال الحوار والتقريب بين أتباع الأديان: «إنّ سكان العالم هم مواطنون ومؤمنون، وليسوا مواطنين فقط أو مؤمنين فقط». في دلالة على ضرورة صون قيم المواطنة لجميع المكوّنات الدينية. كذلك قال: «إنّ العالم يمكن أن يتحطّم ليس من مرتكبي الشر، وإنّما من الذين يراقبون حدوث الشر ولا يحركون ساكناً لمنعه».
وأخيراً قال توران، ما نقوله اليوم ونود لو يركز العالم كله عليه: «يجب أن يكون حوارنا كمؤمنين، إضافة إلى كل مسعى نقوم به ، نابعاً من المحبة والحقيقة أو من الحقيقة مع المحبة، لأنّ الله هو الحقيقة وهو المحبة».
والى اللقاء مع اعلان آخر...
[email protected]
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .