الشريعة الإسلامية وتطبيقها في القضاءين الفرنسي والبريطاني

الشريعة الإسلامية وتطبيقها في القضاءين الفرنسي والبريطاني

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 26-2-2016

سناء أبو شرار

ما هو المكان الذي تحتله الشريعة الإسلامية أو «القانون الإسلامي» في القضاء الغربي، خصوصاً في بلدين يعيش فيهما العدد الأكبر من المسلمين، هما فرنسا وبريطانيا؟ ففي فرنسا هناك ما بين 5 و6 ملايين مسلم؛ وفي بريطانيا أكثر من 2.7 مليون مسلم.
هذا يستدعي التساؤل عن كيفية تعامل القضاء في كلا البلدين مع قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين. وبالرجوع إلى القرارات القضائية الصادرة عن المحاكم الفرنسية والبريطانية تتضح مكانة القانون الإسلامي أو بالأحرى طريقة التعامل مع النصوص القانونية للشريعة الإسلامية أو للقانون الإسلامي. وتختلف طريقة التعامل أو المعالجة بشكل واضح بين البلدين.
ففرنسا لم تسمح بإنشاء أي مؤسسة قضائية خاصة بالمسلمين، وتتم معالجة جميع قضايا المسلمين أمام القضاء الفرنسي بموجب القانون الفرنسي مع الأخذ بالاعتبار القانون الدولي الخاص ليس كمرجعية دينية بل لتجنب التعارض بين القوانين.
ويأخذ القانون الفرنسي بنصوص القانون الإسلامي في حال مطابقتها لنصوص القانون الدولي العام. فقد يتم قبول وضع قائم ببلد مسلم مثل الطلاق أو الزواج على ألا يتعارض ذلك مع المبادئ القانونية الفرنسية، ويمتلك القاضي الحرية باستبعاد تطبيق القانون الأجنبي أو عدم إضفاء الصلاحية القانونية على التصرف المطلوب الاعتراف به كعقد الزواج أو الطلاق.
ولكن التناقض لا يتم نتيجة تعارض القوانين فقط، بل لا بد للقاضي من مراعاة عملية دمج السكان من أصول مسلمة على الأرض الفرنسية، ودرجة تفاعل القانون الفرنسي مع ظواهر ثقافية أساسها ديني تبدو غريبة عن المجتمع الفرنسي ومن أهمها تعدد الزوجات.
إن الجنسية الفرنسية والإقامة في فرنسا تشكلان عنصرين أساسيين في تطبيق القانون الفرنسي واستبعاد القانون الأجنبي، حتى ولو كان التصرف القانوني نافذ المفعول في البلد المسلم. فقد لا يعترف القانون الفرنسي بتعدد الزوجات وكذلك بالتطليق الذي يتم في بلد مسلمٍ من قِبل الزوج دون منح الزوجة حق الاعتراض عليه، ولا يتم الاعتراف إلا بعقد الزواج المُسجل في فرنسا وفقاً للقانون الفرنسي، وبالطلاق الذي تم بموجب منح الزوجة الحق القضائي بالاعتراض وذلك تأكيداً لتطبيق نصوص المعاهدة لأوروبية لحقوق الإنسان.
وتلتزم فرنسا بمبدأ العلمانية والحيادية تجاه جميع الأديان، بإقصاء الدين عن الدولة وعن جميع مؤسساتها؛ ولكن هذا الإقصاء لا يتفق مع تنوع الأنظمة القضائية بين علماني وديني، مما يقود إلى أوضاع متضاربة، ورجال القانون يَبدون في مواجهة هذه الصعوبات الجديدة كما لو أنهم على اطلاع سطحي أو غير كافٍ بقوانين آتية من ثقافة غريبة عن ثقافتهم القانونية.
قواعد تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص الألماني، والبلجيكي والإيطالي، تريد انفتاحاً تجاه مسألة تقبل القوانين الإسلامية؛ ولكن هذه القوانين في فرنسا تتعارض مع المفاهيم والمبادئ الوطنية الفرنسية. ويبدو أن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي نادراً ما يطبَّق في القضاء الفرنسي، ويتم استبعاده في كل مرة يبدو فيها أنه يخالف النظام العام الفرنسي، فيبدو أن تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في فرنسا قد يؤدي لصدمة وردود أفعال صادمة قد تُعيق اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي. كما إن التردد في إدخال القانون الإسلامي في المنظومة القانونية الفرنسية سببه الرغبة في الحفاظ على الجمهورية ومبادئها العلمانية.
ولا يوجد نظام قضائي في أوروبا أو شمال أميركا أقرب للاعتراف بالأحكام الإسلامية أكثر من النظام البريطانيي. كبير أساقفة كانتربري ورئيس الكنيسة الإنجليكانية البريطانية -التي تترأسها الملكة البريطانية- د.روان وليامز أقر بأن تطبيق بعض جوانب الشريعة الإسلامية «أمر لا مفر منه»، وذكَر المجالس الشرعية كمثال على ذلك، ورغم الاعتراضات والانتقادات التي وجهتها الصحافة على ذلك التعليق، فإن رئيس المحاكم البريطانية اللورد فيليبس قد اتفق مع رئيس الأساقفة لاحقاً بقوله: «لا يوجد من مانع ضد تطبيق مبادئ وأسس الشريعة الإسلامية وجعلها ضمن وسائل التوسط في النزاعات».
المحاكم البريطانية تأخذ في الحسبان أحكام الشريعة الإسلامية بصفتها قانوناً يخضع له جميع المسلمين، وتأخذ برأي خبراء معتمَدين بهذا الخصوص كما تأخذ بخبرة أيّ خبير آخر بمجال القانون الألماني أو الفرنسي، لتوضيح طريقة تطبيق الشريعة الإسلامية على المسلمين، فقد يؤخذ بصحة عقود الزواج الإسلامية وتترتب عليه آثار قانونية يعترف بها القضاء البريطاني. كما إن المسلمين في بريطانيا لهم الخيار إما باللجوء إلى القضاء البريطاني المدني أو المجالس الإسلامية الشرعية.
خلال السنوات الأخيرة، قامت اللجنة الاستشارية للأقليات العرقية للدراسات القضائية، بوضع برنامج تدريبي للقضاة لمساعدتهم في فهم تقاليد الأقليات العرقية في بريطانيا، وبفضل هذا التدريب أصبح للقضاة البريطانيين اطلاع على القضايا المطروحة عليهم والمتعلقة بالجالية المسلمة. ومما قاله قاضي المحكمة الجزائية في إحدى الصحف المتخصصة: «من المهم للقاضي أن يدرك إذا كانت أمامه قضية بها عنصر عرقي، أنه يحتاج إلى تحقيقات أوسع، وإذا كان هناك ضرورة أن يستعين بخبراء بهذا الخصوص، كما إنه من واجب المحامين وضع هذه الأمور تحت دائرة الضوء حتى يتم منح كل قضية أهمية خاصة وأن تتم مراعاة القضية ضمن السياق السليم».
فالنزاعات القضائية تتطلب من المحاكم الاستماع إلى أدلة بموجب القانون الإسلامي، متعلقة بمعلومات في البلد الذي تم به الزواج أو الطلاق، كالشهادة والقسَم وخبرة الخبراء، ثم يزن القاضي الأدلة ليصل إلى قراره الخاص، فالقانون البريطاني لا يعدّ القاضي حراً باستعمال مصادره الخاصة، بل لا بد أن يستعين بكل الأدوات اللازمة لإصدار قرار عادل.
ولا بد من الإشارة إلى أن هناك جانباً يجري الصمت عنه ولكنه شديد الحضور، وهو أن المستوى الثقافي والعلمي للجالية المسلمة يؤثر على مدى قبول القانون الإسلامي، وهذا المستوى مختلف في بريطانيا عنه في فرنسا. كما إن ظاهرة التطرف والإرهاب أثرتا وتؤثران بشكل مطّرد على هذا القبول.
ويتسبب التناقض في قوانين الأحوال الشخصية بين الدول الإسلامية في إحداث تشويش لدى النظام القضائي الغربي، فلا يمكن تقبل أحكام الشريعة الإسلامية في الغرب دون انسجام وتوافق بين جميع الدول المسملة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية.
ومن المهم الإشارة إلى دور البعثات الدبلوماسية في التعريف بماهية نصوص القانون الإسلامي والحكمة من تطبيقها، بحيث لا تكون عالماً مجهولاً بل و»مخيفاً» بالنسبة للمجتمع الغربي، خصوصاً مع تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين، وهي مهمة نبيلة للتعريف بأحكام الشريعة وتوضيح أن نصوصها بعيدة عن التطرف والإرهاب.
وأخيراً ربما لا بد من دعوة القضاة الغربيين لحضور جلسات المحاكم الشرعية بوجود مترجم لتتكوّن لديهم صورة أكثر وضوحاً وشموليةً عن كيفية تطبيق نصوص الشريعة الإسلامية ومحاولة التقريب بين وجهات النظر القانونية في طريق قبول دخول هذه النصوص في القوانين الغربية.
القضاء ليس عالماً محصوراً بالقضاة، بل هو عالم يتناول جميع زوايا الحياة، وهو أيضاً هوية للمجتمع وواجهة حضارية له، والقاضي ليس شخصاً منعزلاً في مكتبه، بل هو الأكثر تواصلاً مع كل فئات المجتمع؛ وبهذا فإن انفتاح القضاء العربي عامةً والأردني خاصةً على القضاء الغربي وإيجاد طرق تواصل متنوعة معه يعني تواصلاً ثقافياً وحضارياً ونفسياً أعمق يُزيل –وبجدارة- الوصمة السوداء التي تركها الإرهاب في العقلية الغربية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }