يحدث هذا المرض نتيجة عدم تحمل جسم الشخص المصاب للغـلوتين او بالاصح إحدى جزيئاته المسماة غليادين Gliadin و الذي يدخل في تركيب القمح و مشتقاته و الشعــير و الشوفان والجاودار.
و بالرغم من ان هذا المرض معروف منذ عشرات السنين كمرض يصيب بعض الأطفال الصغار (خاصة عند إدخال طحين القمح الى طعامهم) او الشباب الصغار إلا ان الذي دفعني للكتابـة في هـذا المـوضوع هو ازدياد حالات تشخيص هذا المرض في الأردن عند كبار السن (نـوعاً مـا) كان آخرها سيدة في الخامسة و الستين من العمر كانت تشكو من مشاكل هضمية و خطيرة..و لم يكن أحد يفكر في إمكانية معاناتها من هذا المرض (بسبب عمرها) الى ان قمنا بعمل تنظير لها و أخذ عينات من الأمعاء الدقيقة ..و بعدها بأسبوعين اكتشفنا هذا المرض عند آنسة في الرابعة و العشرين من العمر، وشاباً في التاسعة عشرة.
وعند مناقشة هذا الموضوع مع بعض زملائي الاستشاريين في امراض الجهاز الهضمي والكبد في الأردن وجدت انهم كذلك كانوا قد شخصوا و عالجوا العديد من هذه الحالات في الأردن عند كبار السن خلال السنوات الماضية.
وعند مراجعة آخر ما نشر في الأدب الطبي حول هذا الموضوع تبين لنا ان هنـاك تجديـدا وتغييرا لبعض المعلومات عن هذا المرض حيث ان الاعراض الرئيسية كانت البراز الدهني عند الأطفال او الشباب الصغار بالإضافة الى انتفاخ و شعور بالغازات و ألم في البطن.. و في بعض الحالات النادرة قد يكون هناك تقلص عضلي مستمر (الكزاز) Tetany او نزيف دموي او عمـى فـي الليل نتيجة وجود نقص خاص في بعض الفيتامينات التي لا يتم امتصاصها نتيجة هـذا المـرض.
- ولكن حالياً في هذه الأيام فان الواضح هو عدم مشاهدة تلك الاعراض الرئيسية المعروفة سابقاً ( براز دهني ..الخ ) وكثرة الحالات عند البالغين الذين يحضرون للعيادة نتيجة شكوى من فقر دم او وهن في العظـام، وبذلك اصبح اكتشاف هذا المرض عند المتقدمين في السن ظاهرة حديثة، ولكن علامات سوء الامتصاص المتمثلة بفقر الدم او ترقق ( تلين ) العظام عادة ما يصاحبها عند البالغين علامات أخرى غير خاصة مثل انتفاخ البطن و شعور بالغازات.
ولقد لو حظ هذا المرض عند حوالي 3% من مرضى السكري الذين يعتمدون في علاجهم على الأنسولين..و تبين انه في هذه الحالة عادةً ما يشتكي المريض من مشاكل هضمية بسيطة مصاحبة لنقص الحديد في الدم سواءً أكان على شكل فقر دم او بدونـه.
كما تبين ان بعض هؤلاء المرضى قد يكون عندهم ( حساسية خاصة ) على بعض أنواع البروتينات الموجودة في الطعام مثل البيض، الحليب، الدجاج..الخ و بالتالي لا يتم التحسن الكامل بالرغم من الامتناع عن تناول القمح و مشتقاته إلا عندمـا يمتنعون كذلك عن تناول تلك البروتينات التي تسبب لهم حساسيـة خـاصـة.
أعراض ( الداء الزلاقي ) التحسس على القمح:
* الإسهال:
تعدد مرات التغوط ( البراز ) عند هؤلاء المرضى قد لا يكون اكثر من مرتين او ثلاثة و قد يكون ذلك منذ مدة طويلة مما يجعل المريض يعتقد انها حالة طبيعية و لكن هناك مرضى آخرين يعانون من الداء الزلاقي و يشتكون من إسهال شديد و بكميات كبيرة و يكون البراز في هذه الحالة رغوي دهني، كريـه الرائحـة فاتح اللون،و قد يكون الاسهال المؤشر المساعـد على التشخيص و لكـن ليس بالضروري لأن بعض المرضى لا يشتكون منه و حتى ان بعضهم الآخر قد يشتكي من إمساك.
و اذا لم يتم اكتشاف و علاج المرضى بشكل مبكر فقد تظهر في الحالات المتقدمـة من المرض بعض الاعراض و العلامات التالية:
1- تلين العظام و تخلخل العظام نتيجة سوء امتصاص الكلس و نقص فيتامين D .
2- انتفـاخ البطن و آلام عضلية و بعض الاعراض القلبية الوعائية وذلك نتيجة نقص البوتاسيـوم في الدم.
3- التهاب في بعض الأعصاب نتيجة سوء امتصاص فيتامين B1.
4- التهابـات فـي اللسان و تقرحات في الفم Aphtes و جفاف الجلد و تقصف في الشعر و كلها تكون نتيجة نقص في كمـية الفيتامينات و نقص في البروتين و اضطـراب في عمـل بعض الغدد في الجسم.
5- فقر الدم يكون نتيجة نقص الحديد او نقص حامض الفوليك و نقص فيتامين B12.
6- أعراض مرض عامة مثل تعب عام و إرهاق و نقص في الشهيـة و نقص في الوزن.
7- تورم القدمين و الساقين نتيجة عوامل عدة أهمها نقص الألبومين في الدم.
8- نزيـف دموي قد يحدث أحياناً بسبب نقص في كمية البروترمبين في الدم Prothrombin
تشخيص الداء الزلاقي ( التـحسس على القمح و مشتقاته ):
1- يتم التشخيص عن طريق اجراء تنظير هضمي علوي و اخذ عينات من الأمعاء الدقيقة حيث ترسـل هذه العينات الى المختبر لدراستها و تبين خزعة الأمعاء ضمورا في الزغابات كما قد يتواجد ( تملس ) و تآكل في الغشاء المخاطي؛ و هذا الضمور و الخراب الذي يحدث للزغابات المعويـة يؤدي الى نقص كبير في مسـاحة الامتصاص..و في الحالات الأكثر شدة فان الغليادين ( الموجود في القمح ) قد يسبب تدميـراً تـامـاً و مبكـراً للخلايـا الابتلياليه الجـديـدة التكـوين في شقـوق ليبركون Crypts of Lieberkuhn و تصبح الزغابة Villi غير بارزة و ربما اختفت نهائياً و هذا بطبيعة الحال سوف يؤدي الى نقص شديد في سطح الامتصاص في الأمعاء الدقيقة.
2- هناك فحوصات مساعدة على التشخيص من بينها مثلا:
أ. فحوصات سيرولوجيه ( دم )مثل اختبار المضادات للغليادين Antigliadin Antibody
ب. تحليل البراز قد يبين الدسم ( الدهون ) في البراز.
ج. التصوير الشعاعي قد يبين علامات سوء امتصاص من بينها توسع الأمعاء و تحوصب الباريوم وزيادة في السوائل و الغازات داخل الأمعاء.
علاج الداء الزلاقي:
أولاً: حذف القمح و مشتقاته من وجبة الطعام عند هؤلاء المرضى يؤدي بإذن الله الى شفاء مدهش خلال أسابيع قليلة و خاصة اذا تم الاكتشاف المبكـر للمرض؛ لذلك على هؤلاء المرضى حذف من وجبـة الطعـام كـل المواد المعمولـة بالقمح مثل الخبز و المعكرونـة والمعجنات و البرغل و استبدالها بمواد أخرى خالية من القمح و مشتقاته..الخ.
ثانيـاً: في الأسابيع الاولى من العلاج قد يحتاج المريض الى تناول الحديد و فيتامين B وكذلك قد نمنعه في تـلك الفترة من تنـاول الحليب ومشتقـاتـه و ذلك بسبب ضمور الزغيبات الحاوية علـى إنـزيم اللاكتاز.
ثالثـا: لوحظ عند حوالي %10 من هؤلاء المرضى حاجتهم في البداية الى الستيروئيدات Corticosteriods نظراً لأنها تزيد الامتصاص الهضمي للازوت و الدسم و غيرها من العناصر الغذائية كما أنها ذات تأثير غير نوعي في زيادة الشهية و إحداث نَشوة خفيفـة.
ملاحظـات أخيرة:
أولاً:أريد ان اذكـر ان الغلوتين ( و الغليادين خاصة ) يتواجد في القمح و الشعيـر والجـاودار و كذلك فانه يستعمـل في الكثير من الأطعمة الجاهزة و الأدوية حيث لوحظ ان بعض الأدوية قد تكون محشوة من الغلوتين.
ثانيـاً:يجب إعادة التنظير لأخذ عينات مرة أخرى من الأمعاء بعد حوالي الستة اشهر من الامتناع عن تنـاول القمـح وما شابهه..و ذلك لمراقبة الشفاء الذي يجب ان يحدث (بإذن الله) في الغشـاء المخـاطي للأمعاء.
ثالثـا: اذا لم يكن هناك تحسن مقبول للغشـاء المخاطي ( و الزغبـات المعويـة ) بعد ستة أشهـر مـن بدايـة العلاج..يجب في تلك الحالـة البحث عـن أسباب أخـرى لضمـور هذه الخميلات في الأمعاء.
الداء الزلاقي و صيام رمضان :
بلا شك انه في الحالات المستقرة يمكن الصيام لاي مريض يعاني من الداء الزلاقي لان الصيام لا يؤثر على حالتهم على الاطلاق ما دام المريض ملتزماً عند الافطار بالابتعاد عن القمح و مشتقاته و كل المواد التي قد تحتوي على الغليادين.
أما في الحالات المتقدمة حيث يعاني المريض من اسهال شديد و تعب عام و ارهاق و نقص في الشهية و نقص في الوزن ... الخ , في هذه الحالة على المريض عدم الصيام الى ان تتحسن حالته العامة .
و لكن دائماً و أبداً يجب استشارة الطبيب المعالج في موضوع الصيام او عدمه.
و اللـــــــــــــه أعلــــــــــم
استشاري امراض الجهاز الهضمي و الكبد