كان أول ما قرأت للاستاذ ماجد ذيب غنما كتابه: «يوميات اندلسية». وقد أعجبت ايما اعجاب بالكتاب, وشدتني, بل اسرتني روحه العروبية وما اشتمل عليه من اعتزاز بحضارة الاسلام في الاندلس. واذ فرغت اليوم من قراءة جوانب من سيرة الاستاذ غنما في كتابه الجديد «لمحة من ذكريات», فقد وقر في خلدي الانموذج الاخلاقي العالي الذي يمثّله هذا العربي (التغلبي) الاصيل. هذا الانموذج الذي عرفنا شواهد عليه في روكس بن زائد العزيزي ويعقوب العودات ووليم الصنّاع وكثير غيرهم من مسيحيي الاردن العرب الاحرار الذين أُشربت قلوبهم معنى الآية الكريمة: «وإنه لذكرٌ لك ولقومك» أي «شرف لك ولقومك العرب» فاستشعروا انتماء حميماً لحضارتهم العربية الاسلامية, واستظلوا بظلها الوارف, ودافعوا عنها, كما نجد مثلاً في كتابات العزيزي واشعار وليم الصنّاع (التي نرى وجوب جمعها واصدارها عن وزارة الثقافة أو أية جهة معنية اخرى) واشعار ادوارد عويس, وكتب البدوي الملثم وغير ذلك كثير..
إن ما يستوقف القارئ في كتاب الاستاذ غنما «لمحة من ذكريات» يفوق وسع هذه الزاوية ويتجاوز مدى هذا «الافق» ولا سيما تجربته في النضال العروبي, وما قدّم, وضحّى, وأوفى من تكاليف ذلك. لكن ثمة اضاءات لا بد تنوّرها, بما هي كواشف دالة وخلاصات مجزئة.
اول ذلك تلك القصيدة التي كتبها الاستاذ ماجد ذيب غنما ليلقيها ولده عبدالله في عيد الطالب ومنها الابيات التالية:
طموحه لا ينتهي وعزمه عزم أبي
لكي يرى امته شامخة في الشهب
والوحدة الكبرى تضم كل دنيا العرب
من طنجة في الاطلسي الى ربوع يثرب
ومن ربى صنعاء في الجنوب حتى المغرب
وتأتي اهمية هذه الابيات التي يخاطب بها الفتى عبدالله اضرابه ولداته من كونها من اب يريد من ابنه (والولد سر ابيه) اعتقاد معانيها.
اما وقفتنا الثانية فهي مع قصيدة بالغة الدلالة على جملة المعاني التي يدور حديثنا حولها, هي قصيدة: «مئذنة في العيد», التي جاء فيها:
ماذا بربك تنشدين في الجو ناصعة الجبين
بيضاء كالامال اذ تغزو قلوب المؤمنين
شماء كالعزمات سامية وكالحق المبين
من كبرياء المجد انت ومن صفاء المؤمنين
من روعة الايمان من طهر المحبة واليقين
اما الوقفة الثالثة, فهي مع ما اورده الاستاذ ماجد غنما من خطبة رائعة لأخيه الدكتور امجد في «عيد المولد النبوي» يخاطب فيها المحتفلين بهذه المناسبة الشريفة قائلا: «اصمتوا, واهدأوا, وانصتوا, واستمعوا الى صوت تردد اصداءه مئات السنين: صوت نبي عربي كريم يسبّح باسم ربه الاعلى فيملأ الاجواء ايماناً وهداية, ويفعم الانفس بالنور والاشراق ويلهب الافئدة بالجهاد والنضال.. والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه».
ثم ينهي الدكتور امجد شما خطبته قائلا: «نعم, إننا امة تريد ان تحيا, وارادة الامة من ارادة الله».
فاذا زدنا على ما تقدم ما كان من والد كاتبنا الكريم وكبير العائلة السيد موسى غنما «ابو ماجد» من محبة للادب العربي ومن حرص على تثقيف ابنائه وابتناء وجدانهم العروبي الذي تمتد جذوره الى اسلافهم الاوائل الذين شاركوا اخوانهم العرب المسلمين في فتوح الشام فإن بنا ان نقول مطمئنين ان قراءة ذكريات ماجد ذيب غنما تثري وجدان العربي بأبعاده الروحية والحضارية كافة, وذلك اقصى مطلب لنا من كتاب.
يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .