- -

(عناد الشاهد) .. لِصّ في حفل عشاء

(عناد الشاهد) .. لِصّ في حفل عشاء

مفلح العدوانتبتعد هادئاً بشفافية روحك..تعرج عاليا، والتوق دهشة أخرى، تجدها حيث حلولك في عالم آخر، وتمضي الأعوام، ولا تغيب، بل تحضر أكثر. يتهيأ الأصدقاء للقائك. يتباهى مريدوك بقراءتك. يصطف شخوص رواياتك لتحيتك. لكنك تترك الباب موارباً؛ بين حضور مهيب، وغياب شفيف، بينما طيفك يتماهى أنى حضرت ذكراك.. يا مؤنس.تأتي كل عام.. تعرف أن روحك لا تطيق بعداً. تشعل سيجارتك وتسير في شوارع عمان، فلا يراك أحد، غير أنك ترصد خطوات من حولك، وتبطئ مسيرك في جبل اللويبدة. تتلمّس بأصابعك أعراف الياسمين، وتُسلّم على أحباب لك هناك. تلاحظ أن موقع رابطة الكتاب قد تغير، كما تغيرت نفوس كثيرة أيضاً، وأشياء غابت، وأخرى حلت مكانها، تهزّ رأسك، وكأنك تقول: هذه طبيعة الأشياء، وكذلك النفوس.***تكمل مسيرك باتجاه وسط البلد.. ربما ينتظرك أحد هناك، أنت فعلاً على موعدٍ مع الأصدقاء، في مكان تحبه، حين كنت في الحياة الأولى، لكنك الآن أمام مستشفى لوزميلّا، وتشعر أن جانباً من برزخ رحلتك كان مقام التلويحة الأخيرة في هذا المكان، على سرير ملفّع بالبياض، كان شهدَ تأرجحك بين عالمين، وآخر أنفاسك، وجناحَي روحك وهي ترفرف عالياً، عالياً، بخفة النور. ستمرّ قليلاً، زائراً، تلك الغرفة التي شهدت غيابك، تدخلها برهافة لا يحسها غيرك، وتشكر الأطباء والممرضين الذين اعتنوا بك، هم لا يسمعونك، لكنك تشعر بالراحة لأنك تفقَّدْتَهم ولو بعد زمن، قبل أن تنزل بخطواتك أقرب درج إليك، وتجد نفسك عند مقهى السنترال، ولكن لا وقت للعب الورق الآن، فهناك موعد لك مع أصدقاء لا تريد أن تتأخر عليهم، وهناك حصة ل «حسن أبو علي» في هذه الزيارة الخاطفة، ستجده جالساً على كرسيه أمام كشك الكتب، هو ما زال يُرَوّج للإصدارات التي وصلته من أماكن مختلفة، كتب مسموح بها وأخرى ممنوع تعاطيها. تجده كما توقعته. تسلّم عليه، وهو لا يشعر بك. تعذره إذ لا ذنب له في كل هذا، فلو رآك، حقيقةً، لفزّ من مكانه، وهشّ لك. تستريح قليلاً بجانبه. وتسحب نفساً عميقاً من سيجارتك، ثم تحدّثه وأنت تعلم أنه لن يسمعك، وأنه لن يراك، وأنت تشير بيدك إلى الجهة الأخرى، المقابلة لكشك الكتب: «هناك كانت مقهى العاصمة.. الله يا (أبو علي)، كم تغيرت عمان. كنا والأصدقاء نختلس بعض وقتنا جلوساً في هذا المقهى. أنت تذكره، ولكنهم هدموه. ياه، كم هناك ذكريات كثيرة تهدمت خلال سنوات قليلة، لكننا كنا نرمم الذكريات باقتراح أمكنة أخرى، كما بقية المقاهي التي استبدلناها بمقهى العاصمة.. ولكن ليت الحال توقفت عند هدم المقهى فقط!».***تشعل سيجارة أخرى..تنفث دخان ألم وشوقٌ يواطنك. تشعر بحنين عتيق للناس، والبيوت، والضجيج، والثرثرة. توشك أن تبتعد، لكن يخرج إليك، فجأة، كما طيف يعرفك، صديقك، شخصيتك، «عناد الشاهد» من بين تلك الكتب. تغوص بنظرك في تلك الصفوف من الروايات والمجلات، فتلمح «أحياء في البحر الميت». يقف بجانبك «عناد الشاهد»، وهو الوحيد الذي يراك الآن، لأنه خرج من صفحات الخيال، وليد مخيالك، وأنت أيضاً عدت من عالم آخر؛ خيال بالنسبة لمن حولك.ترتاح أن هناك من ستحاوره وأنت تتجول في عمّانك التي تحنّ إليها. يبتسم «عناد الشاهد» لك، ويبدأ كلامه بهوايته في التعبير عن تحولاته، يريد أن يعكسها عليك: «يا مؤنس.. نتبادل الأدوار الآن، أنا الذي سأكتبك، سأعبّر عنك، سأكون لسانك الذي تنطق به، وعينك التي ترى بها». تنظر في ساعة يدك، تحس أنه إذا أكثرَ من ثرثرته هذه، فإنك ستتأخر قليلاً عن موعدك مع الأصدقاء. ينتبه «عناد الشاهد» إلى هذه الحركة، تسمع ضحكته، يقول لك: «لا عليك، لن أثرثر كثيراً، وهُمْ حتماً سينتظرونك، هم كل عام ينتظرونك في اليوم نفسه، والميعاد نفسه، لكنهم قد غيّروا المكان هذه السنة، وهذه أيضاً من سُنن الحياة التي أنت غير مسؤول عنها، بحكم أنك في عالم آخر، وحياة أخرى، غير حياتهم الفانية». تشعل سيجارة أخرى.، ويكمل «عناد الساهد» حديثه وهو يمسك بيدك. تحس بدفء اليد التي تلامسك. يد أثيرية، ف «عناد الشاهد» أثيريٌّ مثلك. تشعر أنه قريب منك. على الأقل هو يتحدث معك، وتسمعه. كما أنك تراه بملامحه التي تميزها الآن، وهي قريبة من شفافية حضورك وسط كثافة الأجسام حولك. بحضور «عناد الشاهد»، تشعر بألفة أكثر، ف «وسط البلد بدون ناس ما بِنْداس»، وها هو «عناد الشاهد» هو «الناس» الوحيد الذي تستطيع الحديث معه، في زيارتك هذه. يمسك بيدك، أو تمسك بيده، لا فرق، أنتما، الآن، تسيران باتجاه مقهى يقع فوق سوق الذهب، هكذا تعتقد أنك تريد. شعور داخلي يوجهك إلى هناك، لكن يعاندك «عناد»، ويغير المسير باتجاه ساحة المسجد الحسيني، بدعوى أنه يريد أن يشاهد أكبر عدد من الناس في إجازته القصيرة هذه، قبل أن يعود إلى صفحات الرواية، وتعود إلى عالمك الآخر. أنت لا تجادل كثيراً، لا وقت لديك للمجادلة، ولا جدوى منها، فأنت تعرف مزاج «عناد الشاهد»، وخلْطه الأوراق مع الأزمنة والأمكنة، وربما هذه حالة من حالاته تلك، وأنت تعيها جيداً. ولكن.. تُرى هل هي شطحة صوفية اختيارُ «عناد الشاهد» ساحةً متعلقةً بمكان «روحاني»، كي تتابع معه، سيلاً من البشر المادي؟ تسألُ وتهجسُ بهذا وأنت تمشي بجواره. وتبتسم حين يخطر في بالك عبارة «سيل»، تتخيل أنك ستضرب بقدمك أرض الساحة القريبة من الجامع الحسيني، فتتفتق حفرةٌ، تتسع، يحتجب سقف السيل كله، يعود وسط البلد إلى هيئته القديمة، والسيل منساب من أعلى رأس العين، والأشجار حوله، تغوص فيه الإشارات الضوئية، وبسطات الباعة، ينساب وادعاً قرب سبيل الحوريات، يتابع جريانه بمحاذاة فندق فيلادلفيا، ومدرسة العسبلية، والمدرج الروماني، ثم يغيب مبتعداً. تهزّ كتف «عناد الشاهد» وأنت تشير الى الأسفل، يلتفت نحوك بعد أن كان يتابع الحركات الميكانيكية لبائع العصائر في الزاوية المقابلة للساحة، ورائحة الفلافل تصله من بعيد، وهو جالس على طرف رخام سبيل الماء أمام بوابة الجامع، وأنت بجانبه، ما زلت تشعل سيجارة وراء أخرى، منشغلاً بحركة الماء في السيل، تحت الشارع، لا بانسياب البشر أمامك. يلتفت «عناد الشاهد» فتقول له: «قد نسقط في الماء بأيّ لحظة». يتعجب من حديثك. يعلّق باستهجان: «ماء.. نسقط في الماء؟ وعمّان تشكو الجفاف! ها.. جلبوا لها الماء من الجنوب يا مؤنس، ولم تُحلّ مشكلة الماء في العاصمة، أنا أعرف، ولن تُحَل المشكلة، ولن نسقط في الماء، لأنه لا ماء في عمان». تستغرب من هذه المعرفة التي يتمتع بها «عناد الشاهد» رغم أنك سجنته مع «أحياء في البحر الميت»، وأقفلت عليه الرواية منذ سنوات بعيدة. تعيد تنبيهه مؤكداً: «(تحتنا) سيل ماء، نهر عمان، قد يحدث زلزال في أيّ لحظة. يتشقق الشارع الطويل هذا. ينبجس النهر عائداً إلى مجراه مرة أخرى».يهز «عناد الشاهد» رأسه، يتحدث إليك بسخرية، تعيده إلى عالم الرواية، حيث يصرح لك بأنه سيضيف محتوى حديثه هذا إلى فصل من فصول الرواية، ولن يلاحظ ذلك أحد، فهو قد تعوّدَ أن يزيد في كل فترة جملة، أو فقرة، والآن هو يريد أن يؤلف شيئاً حولك، وعليك ألّا تعترض. تصمت مستسلماً، وتسمع: «وأنت يا مؤنس.. تعود من عالمك الآخر، مساء ذكرى يوم موتك، تحمل بيدك سيجارتك، وباليد الأخرى روايتك التي لم تكملها، يتبعك جنود لا نراها، تضرب بروايتك التي لم تكملها، رصيف الساحة التي أنت واقف عليها ينشقّ نصفين، تسمع هدير الماء، ترى مجرى السيل، يعلو موجه جداراً مائياً عن يمينك، وآخر عن يسارك، تريد أن تعبر من بين الجدارين المائيين إلى الجهة الأخرى، وقد خرجت ومعك ذكرياتك، وكتبك، وحروفك، وعلبة سجائرك، وجدّيَتك، وسخريتك، وفرحك، واكتئابك، يتعقّبك من لا تريد، تسير نحو الضفة الأخرى من السيل، تضرب بيدك السيل، فيلتهم الماء كثيراً من الذين تعقبوك، وما راعوا حضورك، وما أنصفوك». تضحك معجَباً بمخيلة «عناد الشاهد»، تريد أن تقول إنك لا ترغب في أن تتخلص من أحد.. على العكس من هذا، أنت لديك شوق لكل من كان معك، لكنك تريد أن تناكفه قليلاً، تعجبك لعبته في تحولات الأدوار هذه، فتعود إلى كلمات قالها «عناد الشاهد»، أو قلتَها أنت حين خلقت شخصية «عناد»، وأودعتها إحدى صفحات هذياناته، تواجهه كأنك أمامه على خشبة المسرح، تتحدث له (وجهاً لوجه) بعد أن تستلّ عباراتك من روايتك، وبصوت فيه شجن: «حين تحترف الرحيل، تختبر هذا الإحساس المفجع بتقطع الزمن وتقلبه: اتصاله وانفصاله. تتجزأ.. وليس من موحِّد سوى الذاكرة المضطربة». لكن شيئاً مختلفاً يحدث في أعماقك: زمنك الداخلي يتكسر على نبض وعيك.. وتقول: «ليس للأمواج بداية أو نهاية. إنها دفق مستمر. ليس لرذاذها المنعش حدّ. فهي في انتشار لا ينتهي. هذه هي الهجرة الأفقية. اتصال وانفصال بين الحدود والحدود.. أما الهجرة العمودية الجوانية لا الجوية، فهي رحيل إلى الداخل. ناظمها منطق لم يبلغه إدراك قط».***تشعر أنك لم تغادر، ولم ترحل.. لماذا يعتقد من حولك أنك رحلت؟!ينتبه «عناد الشاهد» إليك في إحساسك هذا. تشعر أنه قرأ فكرتك قبل أن تنطقها، أو أنه رُفِع الحجاب بينك وبينه، فصار يقرأك دون أن تتكلم، فتكمل، وهو يتابعك: «نعم، ليس غياباً، ربما، رحلة قصيرة إلى عالم مختلف، أو هجرة عمودية، جوانية، قد تكون إلى الداخل، فقط لا غير». يسعدك هذا الإحساس، تشعر بالرضا. تنظر إلى وجه «عناد الشاهد»؛ هو أيضاً يشعر بالرضا، مثلك، وكأنه أدى المهمة التي خرج من أجلها، وتَمَثّل أمامك طيفاً سوياً ليؤدي الأمانة التي بُعث بها لك. تبتسم. فيبتسم. تتحرك عائداً. يمشي بجوارك. تقول له: «سأعيدك إلى حيث يجب أن تكون.. هناك.. مع أولئلك ال (أحياء في البحر الميت).. هناك.. كثيرون يحتاجونك معهم. أما أنا، فقد تأخرتُ على أصدقائي، أريد أن ألتحق بهم قليلا، فقد هيأوا الحفل لي». يسير بجانبك.. تمشيان، بلا كلام.. صمتٌ، حتى وصولكما «كشك أبو علي»، حيث توَدّع «عناد الشاهد»، ويتلاشي طيفه بين الكتب، منسلاً إلى صفحات الرواية التي خرج منها. تُسلّم مرة أخرى على «أبو علي» الذي لا يراك. تشعل سيجارتك. تتابع المسير باتجاه «الشرق». تدخل الزقاق المؤدي إلى الحانة ببطء. كثيراً ما دخلت هذا الزقاق، وأنت تحنّ إلى هذا المكان دائماً، وتحب جلسته، والروائح، وأصوات المارة، والبلاط الرطب في كل وقت، وموسيقى الصخب. تصعد الدرج. تتأنى في مشيتك. عند وصولك منتصف الدرج، بتلقائية، تحني رأسك، رغم أنك أثيريٌّ الآن، لكنك تذكر أنك كنت طويل القامة، وكنت في منتصف هذا الدرج تحني رأسك كي لا تصطدم بتلك الدكة الناتئة في الجدار. تكمل صعودك حتى نهاية الدرج، ثم تلتفت إلى يمينك، وتدخل حيث الأصدقاء هناك يحتفلون بذكرى رحيلك. يتحدثون، ويشربون، ويضحكون، ويحزنون. ترى تلك الوجوه التي تحبها. أنت ربما تختلف مع بعض أفكار بعضهم، لكنك كعادتك تحبهم، حتى الاختلاف يزجي إلى المحبة عندك. تمشي وهم لا يشعرون بك، أو أنهم يشعرون ولا يريدون أن يعيقوا انسيابيتك الأثيرية بينهم. تمسّد بيدك على أرواحهم. تشفق عليهم، فهم ما زالوا تحت عبء كثافة ثقل أجسادهم، أم أنت فتسير شفيفاً، رهيفاً، أثيرياً.. تسير بخفّة كنت تنتظرها من زمان.تأخذ مقعدك في الزاوية البعيدة، تطلب مشروباً يليق بخفّة حضورك، تشعل سيجارتك، وتراقب هذا الحفل في ذكرى غيابك، وأنت تستمع إلى أحاديث عنك وكأنك تعرفها للمرة الأولى، فتتابع باهتمام سيرتك الأولى كما هي في أعين الآخرين وفي أذهانهم. ولكن في هذه اللحظة، في اللحظة التي شعرتَ بها بنشوة متابعة حديث الأصدقاء عنك، وحولك، ولك، ترى «عناد الشاهد»، مثل لصّ يتسلل من بين الحضور، ويجلس قربك، يهمس في أذنك: «أريد أن أضيف فصولاً جديدة إلى روايتك، مما أسمعه عنك.. أهو أنت، أم أحد غيرك؟!».