عمان - محمد العياصرة - لم تكن مجرد رحلة بهدف زيارة الاماكن السياحية في مصر.. بل ارسل المنتخب الوطني لكرة القدم العديد من الرسائل التي باتت بحاجة لقراءة وتمعن جاد، فالفوز على «الفراعنة» ليس محطة عابرة يسهل تجاوزها!
من عمان الى أسوان بدأت الرحلة، وكانت الشكوك حاضرة في ظروف استثنائية.. المنتخب بغياب نجوم بارزين، لم يتجمع منذ وقت طويل، والبطولات المحلية معلقة، و»الخبير الاجنبي» تقدم باستقالته، والمهمة الاولى للمدرب عبدالله ابو زمع امام «زعيم افريقيا» وبين جماهيره.. كل هذه العوامل تبعث على التشاؤم والحذر بلا شك.
في طريق العودة من أسوان الى عمان.. اختلف الحديث تماماً، النشامى عادوا بانتصار تاريخي وعرض فني متميز اقنع الجميع، لا مجال لسرد حكاية الظروف الصعبة، والثقة تضاعفت وعاد الامل مجدداً، وعشرات الرسائل وصلت الى عمان قبل ان يحط وفد المنتخب في المطار.. وابرز الاشارات كانت: المدرب الوطني يستحق الثقة، واللاعب المحلي اثبت كفاءته.
كانت بلا شك رحلة للعودة الى الواقع من جديد، والسنوات الاخيرة التي حلمنا بها مع المدرب الاجنبي حملت نهايات غير سعيدة على الاطلاق.. ان الاوان للحديث عن مدير فني وطني دائم بعقد يمنحه الثقة، بدلاً من زعزعة استقرار النشامى والبحث من جديد عن «خبير من الخارج» بالاف الدولارت، وبلا انجازات!
كسب ابو زمع الرهان وعكس نموذجاً مثالياً للمدرب الوطني المحنك الذي يعرف كيف يقود منتخب بلاده امام اصعب المنافسين.. قدم درساً مجانياً في الانضباط التكتيكي والنضج الفني، ورسم لوحة تاريخية في أسوان من اجل الذكرى، والمستقبل.
في أسوان.. عمل ابو زمع بلا مدرب مساعد، وكان البلجيكي فريدي هيرمان خارج المشهد تماماً بعد اعتذاره عن الحضور، كما لم يستدرك الاتحاد الموقف بتعيين مساعد، واكتفى بارسال مدرب اللياقة مانويل من قطر الى مصر من اجل الاعداد البدني فقط.. وهنا مربط الفرس.
مدرب المنتخب الذي لم يطلق عليه اتحاد كرة القدم مسمى «المدير الفني» منذ تسلمه المهمة مع النشامى عمل وحيداً.. كافح واجتهد وتعامل مع أدق التفاصيل بكل احترافية، ليخرج بصورة مشرقة ادرك ابو زمع من خلالها «اهمية النتيجة» والتي تحدثنا عنها قبل اللقاء كثيراً.
ماذا لو تسلم المدرب الوطني المهمة طوال التصفيات؟.. وماذا عن الوقت والمال المهدر مع المدرب البلجيكي بول بوت، والمحصلة خسارة خمس نقاط امام قيرغيزستان؟.. هل كان الفوز على مصر في أسوان كافياً للتأكيد على ضرورة منح المدرب الوطني الفرصة المطلقة كما فعلنا سابقاً مع الانجليزي ويلكينز والبلجيكي بوت؟
وبالحديث عن الرسائل من أسوان، نقف طويلاً مع مشهد اللاعب المحلي والذي ابدع امام «المصري» ليحطم اسطورة «الدوري الأردني الضعيف».. كنا نراهن دائماً على اللاعب المحترف باعتباره الاميز والاقدر على تمثيل المنتخب، لكن مشهد النشامى امام «الفراعنة» عاكس التوقعات واثبت ان المعيار ليس في بقاء اللاعب الاردني مع الاندية المحلية او احترافه بالخارج، بل في عطائه وما يقدمه داخل الملعب.. والانضباط التكتيكي والفني على اكمل وجه عكس عقلية «الاردني» المتميزة في التعامل مع مختلف التعليمات والتوجيهات داخل الملعب.
الفوائد التي حصدها المنتخب من رحلة أسوان كانت كبيرة، ورغم الحديث عن «الوقت غير المناسب» لهذه المباراة وما سبقها من ظروف، الا ان ابو زمع ورجاله في الملعب قلبوا التوقعات وحولوا السلبيات الى ايجابيات يصعب احصاءها.. والحصاد كان وفيرا في النهاية.
منذ بداية المنتخب مع الراحل الكبير محمود الجوهري، وباستمرار المسيرة مع طيب الذكر عدنان حمد، ثم الفترة القصيرة التي تسلم بها حسام حسن مفاتيح القيادة، وبتواجد المدرب الوطني احمد عبد القادر ثم ابو زمع.. اكد منتخب النشامى ان السر الابرز يكمن في «التواصل»، والجانب المعنوي له الاثر الاكبر، وايصال «المشاعر» من المدرب الى اللاعب له وقع السحر داخل الملعب، ما يؤكد ان التجربة مع المدرب الوطني والعربي هي الانجح، وما كانت مراحل فينجادا وويلكينز وبوت الا عثرات عابرة اعادت المنتخب للخلف ولم تقدم اي شيء في المقابل!
لا شك ان الاتحاد يلتقط الرسائل، ويعي تماماً ان المدرب الوطني يستحق التقدير ومزيداً من الثقة والاهتمام، عقد طويل الامد، وعائد مادي يتناسب ومكانة المدرب.. نتناسى مسألة المدير الفني الاجنبي، ونحول رواتبه ومقدمات العقود الى معسكرات ومباريات ودية على سوية عالية.. نعيد ترتيب البيت الداخلي للمنتخب ونتعاقد مع طاقم محلي مساعد لابو زمع خلال المرحلة القادمة، ونؤمن بان المدرب الوطني هو الخيار الافضل.
الى ابو زمع.. اللاعب المحلي اثبت احقيته، والبناء على المكتسبات هو الخيار الامثل، وما افرزه لقاء مصر يجب استثماره بالشكل الامثل، دون اغفال ما قدمه المدرب الوطني جمال ابو عابد من نجوم مع «الاولمبي» في قطر.. اللاعب المحترف ليس بالضرورة انه الافضل، والمعيار هو العطاء دائماً في ارض الملعب مع النادي أو المنتخب.. والله الموفق.
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي