القصة العربية فـي النثر الجاهلي.. البدايات والجذور

القصة العربية فـي النثر الجاهلي.. البدايات والجذور

محمود عبيدالله العزامي -  ترك الإسلام أثرا حاسما في حياة العرب الجاهليين، إذ جعلهم يخرجون من جزيرتهم ويجوبون مناطق شاسعة من العالم القديم، فراحوا ينشرون اللغة العربية وتعاليم الدين، بيد أن ذلك لا يلغي تاريخهم وحضارتهم قبل الإسلام لأن حملهم لرسالة الإسلام يعني أنهم كانوا مؤهلين لذلك، وأنهم لم يكونوا جاهليين بمعنى الهمجية والجهل والتوحش، فكانت لهم قبل الإسلام دويلات منتشرة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، مثل دول سبأ و حمير و معين في الجنوب، و دولة الأنباط العرب و تدمر وإمارة الغساسنة والمناذرة في الشمال، و حظيت هذه الدول والإمارات بحظ كبير من الاستقرار وأسباب الاتصال بالأمم الأخرى كالرومان والفرس؛ مما يؤكد على أن جاهليتهم لم تكن تعني نقيض العلم والمعرفة، بقدر ما كانت تعني الأنفة وعبادة الأوثان، وهذا ما حرمه الدين الإسلامي بعد ذلك..
وإذا كان الشعر الجاهلي قد بلغ هذا القدر من الضبط والإحكام في بنائه الفني وفصاحة لغته ومراميه؛ فإن ذلك يؤكد أن له بدايات ومراحل سبقت مرحلة نضوجه؛ فهل عرف العرب فنونا نثريةإلى جانب الشعر؛ كالقصة مثلا؟؟ وما دليل وجودها؟؟ وماهي جذورها؟؟ وما خصائصها الفنية؟؟
تصويب الاحكام المسبقة
 لماذا أنكر بعض المعاصرين على العرب الجاهليين مقدرتهم على خلق قصة، وحكموا بخلو أدبهم من هذا الفن؟؟ فهذا هو أحمد حسن الزيات ينسب قصص العرب الجاهليين إلى الفرس ويجزم «أن مزاولة القصة تقتضي التروي والفكرة، والعرب الجاهليين أهل بديهة وارتجال، وتتطلب القصة الإلمام بطبائع الناس، وهم قد شغلوا بأنفسهم عن النظر فيمن عداهم، وهم أشد الناس اختصارا للقول، واقلهم تعمقا في البحث، حرمتهم من ذلك طبيعة أرضهم، وبساطة دينهم وضيق خيالهم» أما الدكتور احمد أمين؛ فيوسم الأدباء الجاهليين بضآلة خيالهم بينما يحتاج الفن القصصي إلى تنوع في النظرة إلى الحياة والكون يقول: «قلما يرسم خيال الجاهلي عيشة خيرا من عيشته وحياة خيرا من حياته يسعى وراءها وهو في دائرة ضيقة». بيد أن الدكتور علي عبد الحليم محمود تتبع هذه الآراء وغيرها، معتقدا بوجود القصة في النثر الجاهلي وجودا لا شك فيه فيقول: «إن القصة العربية عاشت في كل عصر من عصور الأدب  العربي، وإنها جاءت استجابة طبيعية لرغبة المعبرين باللغة في إطار هذا الجنس الأدبي» أما الدكتور الطاهر أحمد مكي فيرى أن «القصة موجودة في التراث الـــــــعربي ولكـــن بمميزات خاصة فرضــــــتها طفولة هــــــــــذا الفـــن وبداياته». فهل يشكل الفعل القصصي عملاً إعجازياً يتحدى ذهنية الجاهليين ؟؟ فيبدعون في الشعر وهو من أصعب الفنون، ويفشلون في القص ؛ أم أن القص عمل فني معقد، يحتاج إلى نظرة تحليلية ؛ تستطيع المزج بين العناصر المختلفة،و تستطيع أن تلائم بين الشخصيات والحوار، وتوظف كل هذه العناصر لخدمة هدف في ذهن المبدع؟؟ عندما نقلب التراث النثري الذي وصل إلينا من ذلك العهد نلاحظ أن العرب الجاهليين كبقية الأمم، تنوعت إبداعاتهم وعبروا عما يجول في خواطرهم بالخطابة حينا وبالشعر حينا،فهل عبّروا بالقص أحيانًا أخرى ؟. وماذا نفعل بأمثالهم التي تعج بالقصص وبالأساطير والخرافات ؟؟؟ ثم كيف وصلتنا هذه الفنون ؟ أبطريق الرواية أم التدوين ؟؟ أم بكليهما ؟؟
هل عرف العرب الكتابة
في العصر الجاهلي
حين بزغ نور الإسلام كانت الكتابة معروفة عند العرب ؛ يدلنا ذلك أن القران الكريم كان يكتب بعد نزوله مباشرة، ويدلنا ما أشار إليه الشعراء الجاهليون كقول طرفة في معلقته:
وَخَدِّ كقرطاسِ الشآميِّ وَمِشْفَرٌ    كَسبتِ الَيمانيِّ قَدُّهُ لمْ يُجَرَّدِ
إن القرطاس والسبت أداتان من أدوات الكتابة في العصر الجاهلي كما أن العهود والمواثيق في كثير من الأحيان تدون، لتكون أشد إلزاما، كما كانت الرسائل تبعث مكتوبة كالصحيفة التي وجهها عمرو بن هند إلى عامله في البحرين في شأن طرفة والمتلمّس. ذلك أن حجم التدوين في العصر الجاهلي لم يكن يسيرا، ومن ذلك ما كان لدى دغفل بن حنظلة من دواوين الشعر الجاهلي.
وما قيل من أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة قد أمر بجمع الشعر الجاهلي وتدوينه، وكذلك ما روي أن كل قبيلة كان لها كتاب تجمع فيه شـــــــعر شـــــــــــــعرائها وحكــــــم حكــــــــــمائها وأقـــــــوال خطــــــــبائها وأخبـــــارها ومفاخرها ومآثرها وأنسابها ومن هذا المدون ما هو شعر وأخبار وطرائف وقصص.
ولقد وثّق الشعر الجاهلي العديد من القصص التي أخذت نصيبا من الشّهرة مثل قصة مقتل كُليب، وقصة صحيفة المتلمّس، وقصص الفتك والقنص والطرد في شعر الشعراء الصعاليك.
 وهذه القصص التي وردت في الشعر لا بد أن الناس تناقلوها ورووها لبعضهم بعضا حتى نضجت، و أصبحت مادةً تستحق الذكر والمفاخرة في المنظوم من كلام الشعراء.
وما تطور البناء الفني للقصة العربية في عهد المقامات إلا دليل على أن هذا الاكتمال والنضوج كان له جذور وبدايات وأصول أولى.
وإذا كان الشعر «علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه» وإذا كان قد وصلتنا أقدم نصوص هذا الشعر بقرنين من الزمان قبل الإسلام، فإن شعر ما قبل هذا التاريخ يعد مجهولاً لا نعرف عن بداياته شيئا ؛ فهل يمكن القول إن القصص العربية كانت أوفر حظا من الشعر، إذ أن أصولها وجذورها موجودة في التراث القديم ؟؟..
الاستدلال على وجود القصة
قبل دراسة القصة لا بد من الوقوف على معانيها اللغوية والمجازية وذلك لملاحظة التطور الذي رافق معانيها الأولى إلى أن وصلت إلى المعنى المألوف لدينا، يقول ابن فارس: «القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع  الشيء، ومن ذلك قولهم اقْتَصَصْتُ الأثرَ إذا تَتبّعْتُهُ، ومن ذلك اشتقاق القِصاص في الجِراح، وذلك أنه يُفعَل به مثل فعلِه بالأول، فكأنه اقتص أثَرَه، ومن الباب القصة والقصص كل ذلك يتتبع فيذكر».
كما يورد الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه معنىً اصطلاحًيا للقصة يقول: «القصة معروفة، وفي رأسه قصة أي جملة من الكلام، والقاصُّ يقصُّ قصّا»، كما وردت القصة في القران الكريم بمعنى تتبع الأثر وتقصّي الخبر، قال تعالى: «وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون» ووردت القصة في الحديث النبوي الشريف بمعنى قصّ الخبر في قوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم رؤيا فليقصّها».
وإذا كانت القصة حقيقة قائمة في ذلك العصر، ما دليلنا على وجودها؟؟
أتى القران الكريم على ذكر وقائع وأحداث وقصص حدثت في الجزيرة العربية، كقصة عاد وثمود ومدين وأصحاب الفيل، قال تعالى: «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل»، ومن هنا يتبين لنا أن القران الكريم تحدث عن عادات العرب وأخبارهم وقيمهم. وربما جاء هذا القصص القرآني ليتوافق مع ما ألفوه من قصص، ويؤثر في نفوسهم،كما كان يفعله القص، لأنه كان معروفا لديهم وشائعا ومرغوبا فيه فهذا هو النضر بن الحارث يقص قصصه على قومه الجاهليين، ثم يقول لهم: بالله أينا أحسن قصًا، أنا أو محمد.
ونستدل على وجود القصة بما بقي لنا من أبواب القصص الجاهلية، كقصص الملوك، وقصص الأسفار والرحلات والحروب، وقصص الأساطير، وقصص المجون واللهو، وقصص النوادر والفكاهات، وقصص جاءت على ألسنة الحيوان.
ولكن، لماذا نقبل هذه القصص؟؟
نقبل هذه القصص لأنه مبثوث في الأدب الجاهلي، شعره وأخباره وأيامه وأنسابه، وأن هذا الأدب وصل إلينا بطريق الرواية الأدبية المتصلة، «ولو جاز لنا أن نرفض الأدب الجاهلي كله فنرفض في أثنائه القصة الجاهلية ؛ لوقعنا في خطأ كبير هو رفضنا للصحيح الموثّق وهو الأكثر من أجل الضعيف المتهم وهو الأقل»، ومن أهم الرواة الذين نقلوا هذه القصص: أبو عمرو بن العلاء المتوفى سنة 154 هـ وحماد الراوية المتوفى سنة 156 هـ، والمفضل الضبي المتوفى سنة 178 هـ، وغيرهم الكثير وهؤلاء هم الذين حملوا الأدب الجاهلي إلى الأجيال اللاحقة.
هل تنوعت قصص الجاهليين؟
تنوعت قصص الجاهليين تبعا لتنوع حقول حياتهم، فللملوك قصصهم، وللمسافرين والمرتحلين قصصهم، وللأساطير قصص، وللماجنين واللاهين قصص، وللمتندرين والمتفكهين قصص، وحتى على ألسنة الحيوان ثمة قصص.
ومن الأمثلة على قصص الملوك؛ قصة أشهر ملوك الغساسنة المعروف بالحارث بن أبي شمر وتقول القصة: «لمّا تولى المنذرُ بن ماء السماء ملك الحيرة، واستقر في ملكه، سار إلى الحارث طالبا بثأر أبيه عنده، وبعث إليه: أني قد عددت لك الكهول على الفحول. فأجابه الحارث: أعددت لك المرد على الجرد. وسار المنذر حتى نزل ببرج حليمة، وسار إليه الحارث أيضا، ثم اشتبكوا في القتال ومكثت الحرب أياما ينتصف بعضهم من بعض، فلمّا رأى ذلك الحارث قعد في قصره ودعا ابنته حليمة، وكانت من أجمل النساء، فأعطاها طِيبًا وأمرها أن تطيب من مر بها من جنده... ثم نادى: يا فتيان غسان. من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي... فلما زحف الناس واقتتلوا، شد لبيد بن عمرو الغساني على المنذر، فضربه ضربة ثم ألقاه عن فرسه». ومن هذه القصة نستطيع ان نستكشف تصويرا لبعض عادات العرب و أخلاقهم ؛ فشجاعة لبيد تبدو واضحة في هذه القصة، كذلك نقرأ صورة لعلاقة الرجال بالنساء، اذ تبدو المرأة موضوعا حافزا على الشجاعة وبلوغ الغاية والهدف مهما اشتدّ هولهما، وربما يتبين لنا أن ملوك العرب الجاهليين كانوا يبيحون شيئا من الحرية بين الرجال والنساء؛ فهذا هو رأس القوم ومليكهم لا يجد غضاضة في أن يستخدم جمال ابنته وعطرها ليحقق رغبته في النصر على عدوه، وتبدو لنا نهاية هذه القصة غير سعيدة بالنسبة لجماعة المنذر؛ فملكهم قضى في هذه المعركة،والنهاية غير سعيدة للبيد إذ يلقى حتفه قبل أن يفوز بالجائزة، وتبدو النهاية ذاتها سعيدة ومرضية بالنسبة للحارث وجنده، إذ أنهم كسبوا المعركة ولو بالحيلة التي أبدعها ملكهم الذكي.
ومن أمثلة قصص الأسفار والرحلات؛ رحلة الأعشى إلى قيس بن معد يكرب بحضرموت، يقول الأعشى: «خرجت أريد قيس بن معد يكرب بحضرموت، فضللت أوائل أرض اليمن لأني لم أكن سلكت ذلك الطريق  قبل، فأصابني مطر، فرميت ببصري أطلب مكانًا ألجأ إليه فوقعت عيني على خباء من شعر فقصدت نحوه، وإذا أنا بشيخ على باب الخباء فسلمت عليه فرد علي السلام وأدخل ناقتي خباءً آخر، كان بجانب البيت فحططت رحلي وجلست، فقال من أنت ؟ وإلى أين تقصد ؟ قلت أنا الأعشى، أقصد قيس بن معد يكرب. فقال: حياك الله، أظنك امتدحته بشعر ؟ قلت نعم، قال: فأنشدنيه فلما أنشدته:
رَحَلَتْ سُمَيَّةُ غدْوَةً أحجالها
 غضبًا عليكَ فما تقولُ بَدا لَها
قال: حسبك أهذه القصيدة لك ؟ قلت نعم، قال: من سمية التي تنسب بها ؟ قلت لا أعرفها و إنما هو اسم ألقي في روعي، فنادى.. يا سمية اخرجي و إذا جارية قد خرجت، فوقفت، وقالت: ما تريد يا أبتي ؟ قال: أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معد يكرب، ونسبت بك في أولها، فاندفعت تنشد القصيدة حتى أتت على آخرها فلما أتمتها قال: انصرفي... فَسَقَطَ في يدي وتحيرت وتغشتني رعدة، فلما رأى ما نزل بي قال: يا أبا نصير أنا هاجسك مسحل بن أثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر.قال الأعشى: فسكنت نفسي ورجعت إلى. وسكن المطر فدلني على الطريق وتدلنا هذه القصة على أن للعرب قصصا في أسفارهم تبدأ القصة ببداية الرحلة ثم تتأزم الأحداث، وتنضج فيتكون لها عقدة تبدو مشوقة وعصية على الحل ثم ما تلبث تهدأ وتتراجع بفضل انقشاع الهم عن الراوي ووضوح الأحداث،وكذلك نلاحظ اعتداد الجاهلي بنفسه فهو يتعرض في سفره إلى غير خطر، لكنه يقاوم الأخطار وينجح في صدها نهاية القصة.
أما قصص الأساطير فقد التصقت بالجاهليين وبقيت حتى يومنا هذا مرتبطة بهم، وهي ذات صلة بعالم الشياطين والجن وعالم الأرواح حيث تتمثل هذه الأشياء في صور و أجسام تؤثر على حياة الناس سلبا أو إيجابا، قال الجاحظ: «فإذا ذكروا الجن سالمًا قالوا جني، فإن أرادوا أنه ممن سكن مع الناس قالوا: عامر والجمع عمّار وإذا كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح، فإن خبث أحدهم فهو شيطان، فان زاد على ذلك فهو مارد... الخ». ومن الأمثلة على هذه القصص قصة علقمة بن صفوان وشق من الجن، روى الجاحظ قال: قالوا: «خرج علقمة بن صفوان بن أمية جد مروان بن الحكم، خرج في الجاهلية وهو يريد مالاً له بمكة، وهو على حمار، وعليه إزار ورداء ومعه مقرعة حتى انتهى إلى موضع يقال له حائط خرمان، فإذا هو بشق له يد ورجل ومعه سيف وهو يقول:
علقمُ إني مقتولٌ 
 وإنَّ لحمي مأكولْ
اضربهم بالهذلولْ
  ضربَ غلامٍ شملولْ
   رحب الذراعِ بهلولْ
فقال علقمة:
يا شقّها مالي ولكْ  أغْمِدْ عنّي مْنصُلُكْ
     تقتل مَنْ لا يقتُلُك
قال: فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرّا ميتين، فممّن قتلت الجنُّ علقمة بن صفوان هذا، وحرب بن أمية قالوا: وقالت الجن:
وقبرُ حربٍ في مكانِ قفرٍ 
 وليسَ قربَ قبرِ حربٍ قبرُ
قالوا: ومن الدليل على ذلك وعلى أن هذا البيت من أشعار الجن أن أحدًا لا يستطيع أن ينشده ثلاث مرات متصلة ولا يَتَتَعْتَعُ فيه ونلاحظ من خلال هذه القصة إن تركيزها منصب على البطل من عالم الإنس حيث يأتي الحوار والأخذ والرد كضرب من ضروب حكمتهم لترسخ القصة قيما معلومة ولكن في سياق عالم المجهول، كالإقبال وتحدي مخاطر الأمور يقول المسعودي: «إن ما تذكره العرب في الهواتف والجان وتنبئ به إنما يعرض لها من التوحّد في القفار والتفرد في الأودية فتداخلُه الظُّنون والأوهام فتتصور له الأصوات وتتمثل له الأشخاص لأنّه يَسْتشْعِرُ المخاوف ويتوهّم المتالف ويتوقع الحتف بقوة الظنون على فكره». وهذا يدلنا أن العربيّ الجاهلي كانت له قصصه مع الجن وكانت له مزاعمه حوله بل إن بعض العرب الجاهليين «تحالفوا مع أقوام من الجن على التعاون والتعاضد».
أما قصص المجون واللهو؛ فهي مرتبطة بالشباب الجاهلي الذين عاشوا حياة اللهو، وتمردوا على نظام المجتمع، أمثال المهلهل بن ربيعة، وامرؤ القيس بن حجر، وطرفة بن العبد وغيرهم، ومن هذه القصص ؛ قصة طرفة مع عمرو بن هند، وتقول القصة: «كان طرفة نديما لعمرو بن هند، وكان هو والمتلمس يصحبان عمرو بن هند في لهوه وصيده، وكان طرفة ينادم الملك عمرو بن هند، فأشرفت ذات يوم أخت عمرو بن هند، فرأى طرفة ظلها في الجام الذي في يده فقال:
إلا يا بابي الظبي الذي يبرق شنفاه..
 ولولا الملك القاعد قد الثمني فاه
ففهم عمرو بن هند ما يعني طرفة، فحقد عليه وكان ذلك مع غيره من الأمور سببا في قتله لطرفة «ونلاحظ من خلال هذه القصة عناية العرب الجاهليين باللهو؛ كمفردة موجودة في سائر العصور ولدى جميع الأمم، وتأتي المرأة في هذه القصة سببا في موت البطل، وهي نهاية مأساوية حيكت في عالم اللذة واللهو، فأفضت إلى ما أفضت إليه ؛ وكانت عبارات القصة موجزة وكلماتها قليلة.
 أما قصص النوادر والفكاهات، فقد جاءت متفرقة في كتب الأخبار والتاريخ والأدب. والمجتمع الجاهلي كغيره من المجتمعات يعيش قصص النوادر والفكاهات، ويبيح لنفسه التمتع بها. والنادرة هي الأمر الغريب الخارج عن المعتاد، أما الفكاهة فهي المزاحة وما يُستحلى من الكلام، ومن المجاز قولهم: فكَّهَهُمْ بمِلَح الكلام تفكيهًا إذا أطرفهم بها. ومن هذه القصص التي تزدحم بروح الفكاهة، قصة نعيمان مع أعرابي، وقصة نعيمان مع سويبط، وقصة نعمان مع مخرمة بن نوفل، و قصة سعد القرقرة والنعمان بن المنذر، وهذه قصته: «دعا النعمان بن المنذر فرسه وقال لسعد: اركبه واطلب الوحش، فقال سعد: إذن والله أصرع، فأبى النعمان إلا أن يركبه فلما ركبه نظر إلى بعض ولده وقال: وآه.. بأبي وجوه اليتامى».
 ومن أنواع القصص ما جاءت على ألسنة الحيوان، وهي ما تعرف بقصص الخرافات، ويحيلنا الجذر اللغوي للخرافة على فساد العقل من  الكبر، ومن فسد عقله بسبب ذلك فهو خرف، لينتقل معنى الخرافة إلى كل ما هو خيالي ووهمي ومن هذا الخيال والوهم تلك القصص التي تنطق الحيوانات، كقصة حكومة الضب بين الأرنب والثعلب، وقصة الضب والضفدع، وقصة الغراب يقلد العصفور، وقصة النعامة تطلب قرنين، وقصة بر الهدهد بأمه، وقصة حكمة الرخم، وقصة حذر الحية، وقصة الغراب والديك، وتقول: «كان الديك نديما للغراب وإنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأته بالثمن حين شرب، ورهن الديك، فخاس به فبقي محبوسا».
ونقرأ من خلال هذه القصص ميل الجاهليين إلى الخيال بواسطة هذه الأسمار اللطيفة بغية التسلية، ولا ننسى أهمية هذه القصص على صعيد بث الوعي التعليمي وأخذ العبرة والعظة.
القصاصون الجاهليون
من أبرز القصاصين الجاهليين الذين عرفوا بهذا الفن، تميم بن أوس الداري، وكان نصرانيًا وأسلم سنة تسع من الهجرة، وقد التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقص عليه بعض القصص، وذكر أنه كان يترهب، ويسلك مسلك رجال الرهبانية حتى بعد إسلامه وكان يقص على الناس القصص قبل الإسلام وبعده، وروي انه أول قاص في الإسلام.
ومنهم أيضا، الأسود بن سريع، وهو أول من قص في مسجد البصرة، وكان ذا خبرة في فن القص في الجاهلية والإسلام ومات سنة 42 هـ
 ومنهم النضر بن الحارث بن علقمة بن عبد مناف، وكان مشهورا بالذكاء والقدرة على الجدل والخصومة، قال البلاذري: كان النضر صاحب أحاديث ونظر في كتب الفرس وممن يخالطون النصارى واليهود.
 ولعل عناية الجاهليين بالقصص تنبع من رغبتهم في التعرف على دقائق وأخبار وأحداث العالم الذين يعيشون فيه، فكانت معارف و ثقافات وخبرات يتلذذون بكتابتها وسماعها وروايتها، ويزيد من شغفهم بالقصص حبهم التعرف على أنباء الحروب والمعارك، ذلك أن قيم الشجاعة والفروسية شائعة في هذا العصر، كما يفيدون منها في خبراتهم الحربية والعسكرية، كما أن القصص استطاعت أن تعرفهم على حياة الملوك والزعماء، وكانوا يهتمون بهذه القصص التي تزودهم بقيم العدل والشجاعة والكرم والحكمة. كما أن الجاهليين كغيرهم من الأمم يهتمون بسير وتراث أسلافهم، والعرب من الأمم التي تحتفل بتاريخ الأسلاف والأجداد، وهذا يرفدهم بأسباب التمسك بقيم أجدادهم والسير على منهجهم، ولقد ذكر القران في كثير من آياته تشبث العرب بما كان عليه آباؤهم من ديانات وعادات وأخبار، قال تعالى: قالوا جئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا، كما احب الجاهليون التعرف على مجالس اللهو والغناء التي كانت تفيض بالقصص المسلية عن الخمر والميسر والنساء. كما أراد الجاهليون الإفادة من حكم الأجداد وأمثالهم وحفظوا قصص هذه الحكم والأمثال ونقلوها عبر أجيالهم ويبقى أن نقول إن غاية التسلي وملء الفراغ وطرد الهموم والأحزان كانت إحدى أبرز غايات الجاهليين من الاستماع إلى القصص.
جذور القصص الجاهلي
 للقصة الجاهلية جذورها وأصولها التي أمدتها بأسباب الحياة، ومن هذه الجذور الحكم والأمثال والأساطير والخرافات والأوابد، وما بقاء هذه الجذور إلى يومنا هذا إلا دليل على وجود ما بعدها من قصص، وحين نتناول أمثال العرب وحكمهم، نلاحظ أن لكل مثل قصة يتناقلها الناس ويفيدون من مضمونها والمثل هو«ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه وهو من أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على نقص أو مقصر في الجودة». ولكن كيف يكون المثل جذرا للقصة ؟؟ ألا يحتوي المثل على قصة واقعية وتجربة إنسانية صنعها الإنسان الجاهلي ؟؟ لقد واكبت قصص الأمثال حركة المجتمع    الجاهلي، ورصدت قيمه وأعرافه، ثم تناقلها الناس فيما بينهم، وكثير من الأمثال التي وردت في الشعر الجاهلي تشير إلى قصص عرفها الناس وتداولوها. والقصة حين ترسخ أحداثها وتنتشر بين الناس تختصر على شكل قول مشهور موجز، حتى إذا ذكرالمثل لم يعد داعٍ لتكرار قصته، وذلك لأنها معروفة وشائعة بين الناس، ومن قصص هذه الأمثال الجاهلية قصة المثل: مواعيد عرقوب، وقصة المثل إنه لأحمق من دغة، وقصة المثل انك لا تجني من الشوك العنب، وقصة المثل حال الجريض دون القريض، وتعود قصة المثل الأخير إلى أن رجلا كان له ابن نبغ في الشعر فنهاه أبوه عن ذلك، فجأش به صدره ومرض حتى أشرف على الهلاك، فأذن له أبوه في قول الشعر فقال هذا القول. وهذه القصة المختزلة في ثلاث كلمات أفاد منها سامعوها يوم كانت قصة ويوم أصبحت مثلاً.
أما الأساطير والخرافات فكانت جذورا لقصص كان مطولاً في بدايته ثم ضاعت منه بعض الأجزاء وبقي منه ما يدلنا على أن قصص العرب كانت معروفة وشائعة، وبالعودة إلى تعريف الأسطورة ؛ نلاحظ أنها تعني ما يكتب زعما وكذبا وهي الأحاديث التي لا نظام لها، ومن أساطير العرب في الجاهلية أسطورة إساف ونائلة ؛ وتدور أحداثها حول الكعبة حيث كان إساف يعشق نائلة، ودخلا الكعبة حجاجا، وحين وجد إساف غفلة من الناس وخلوة في البيت، فجر بنائلة في الكعبة، فمسخا حجرين وكان من خزاعة وقريش أن عبدتهما من بعد ذلك.
أما الأوابد فهي تحتوي على الحكمة الرفيعة، وهي بذلك تشمل حكاية أو قصة وتحمل كثيرا من المغازي الإنسانية، وقد اعتبرها الفيروزأبادي، وصاحب تاج العروس بمعنى الشيء العظيم النادر الذي تنفر منه وتستوحش، وهذا المعنى لا يتعارض مع بلاغة الآبدة كشيء بليغ ونادر، ومنها الكهانة والزجر والطيرة ورمي البعرة ووأد البنات، وقتل الأولاد خشية الإملاق، وتأخير البكاء على الميت للأخذ بثأره، وروي أن الجاهليين كانوا يعتقدون أن الإنسان إذا قتل ولم يطالب بثأره، خرج من رأسه طائر يسمى الهامة، وصاح اسقوني حتى يطالب بثأره. وتدلنا هذه الأوابد أن للعرب الجاهليين شخصية تميزوا بها في هذا النوع من جذور القصص.
خصائص القصص الجاهلي
يلاحظ أن القصة في العصر الجاهلي وعلى الشاكلة التي وصلتنا تختلف اختلافا بينا عن الأجناس الأدبية الأخرى في ذلك العصر مثل الخطابة والشعر والوصية والرسالة. واستطاعت القصة الجاهلية أن تمدنا بمعارف وحقائق وتقاليد المجتمع الجاهلي، «وأقنعت الكثير من الناس بحب الحياة الكريمة الماجدة، وطبعتهم على رفض الضيم وكل ما يخدش الكرماء». وكانت القصة الجاهلية تمثل تصويرا فنيا للوقائع والأحداث ؛ فتحلل مشاعر الشخصيات وترسم معالمها وتحدد أبعادها، إذ اهتمت القصة الجاهلية بالأبطال من الناس، وبخاصة الأبطال الذين يرضون عواطف الناس بما فيهم من صفات يحبها المجتمع مثل شخصية طرفة بن العبد وشخصية المتلمس، وشخصية امرئ القيس، فالحدث في القصة يقع في مجموعة الوقائع ويجئ السرد مباشرا في معظم الأحيان. أما المكان والزمان فهما عنصران واضحان في القصة الجاهلية ومرتبطان بشخصيات الأبطال وبما أن الشخصيات معروفة في التاريخ فمكانها وزمانها واضح أيضا. ولعل مثل هذه الخصائص لا تعني بحال اكتمال العناصر الفنية للقصة، ذلك أن هذا هو طورها الابتدائي ومن البديهي أن لا يبلغ هذا الطور النضج الفني مرة واحدة، بل تدرجت القصة العربية من يوم ميلادها فشبابها فازدهارها فمحاكاتها قصص الغرب.