د.زيدان كفافي
تابعت كما تابع غيري ما يجري من تدمير للتراث الأثري، سواء بتحطيم مقتنيات المتاحف أو تجريف المواقع الأثرية في عدد من الأقطار العربية، كان آخرها ما جرى في متحف «باردو» في تونس الخضراء.
وللصدف شاءت الأقدار أن يجري هذا الهجوم وأنا ضمن وفد أثري أردني في زيارة رسمية لحضور افتتاح «متحف آثار الشرق الأدنى القديم» بجامعة روما لاسبينزا.
أليس ما يجري مفارقة كبيرة؛ أن نرى الأوربيين يحافظون على تراثنا، ونحن (ولا أدري إن كان هؤلاء المدمِّرون يندرجون تحت «نحن») ندمر آثارنا وهويتنا وما تركه الأجداد لآلآف السنين، ومرت عليه دهور وأقوام ومنها الإسلامية.
وددت أن أسمع أصواتاً عالية من العرب ومن غيرهم تستنكر هذه الأفعال، كما حدث عندما دمرت حركة طالبان تماثيل بوذا في أفغانستان، لكني لم أسمع سوى أصوات منخفضة تتحدث على استحياء، ودار حديث بيني وبين نفسي بزغ من ثناياه السؤال: لو كان هؤلاء الذين يدمرون المواقع والمتاحف يعلمون علاقتهم التاريخية والدينية بها بالصورة الصحيحة، هل كانوا سيقومون بما قاموا به؟ لو أنهم انتموا لهذا الماضي العريق فهل كانوا سيدمرونه؟
وجاء الجواب سريعاً: لا وألف لا. لهذا أمسكت بقلمي لأكتب عن تراث عربي يجري مسحه عن الخريطة التاريخية لأعرّف الناس بأهله؛ وهم الآشوريون.
حملت قلمي لأسطر كلمات أنعي فيها تدمير الهوية الثقافية والتاريخية العربية التي حافظت عليها أجيال سابقة، إلاّ أن المداد لم يطاوعني، ووجدت قلمي يصرخ عالياً مقتدياً بحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». كما تذكرت أنني من الذين كتبوا سابقاً في مقالات علمية وعلى صفحات الصحف مطالباً بتعميم المعرفة بهذا التراث، وضرورة المحافظة عليه، ونسكت الآن عمّا يجرى في عدد كبير من البلدان العربية من تجريف لمستودعات الذاكرة، المواقع الأثرية، وكان واحد منها عند الاحتلال الأميركي للعراق.
أقر أن صرخاتي المكتوبة والمحكية لم تلقَ آذاناً صاغية لا من أصحاب هذا التراث ولا من غيرهم، فوجدتني أرقب بحسرة وألم، وأهمس بداخلي كما يفعل غيري: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله».
إن المعاول العربية هي التي تحطّم الوثائق الأثرية في العراق، وسوريا، ومصر، وليبيا، وتونس، واليمن. وكنا قبل أسابيع نرقب تحطيم مقتنيات متحف الموصل وتجريف مدينة آشور، وتحطيم تماثيلها، فحدثتُ نفسي: «كم كان الإسلام سمحاً حين أبقى على هذه الأوابد عند دخول جيش الإسلام فاتحاً، وداعياً الناس لدخول الإسلام»، وتساءلت: «ألم يكن بمقدور جحافل الجيوش الإسلامية، على سبيل المثال لا الحصر، تدمير موقع مدائن صالح النبطي الواقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية؟ ألم يُبْنَ مسجد عمر (رضي الله عنه) بين خرائب مدينة (دومة الجندل) عاصمة المملكة العربية القيدارية، الواقع بالقرب من مدينة سكاكا في المملكة العربية السعودية؟ لماذا لم يفعلون، ونحن نفعل؟».
يرتعش القلم في يدي في الوقت الذي تتصفح فيه ذاكرتي مشاهد تدمير تراثنا العربي في بلدان «الربيع العربي» (الدمار العربي).. ويسأل الإنسان نفسه: أليس قتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحق جريمة؟ ألا يعني قتل هوية الإنسان سحب روحه عن جسده؟ لم يتبقّ لنا إلاّ الدعاء: يا ربّ لا ملجأ إلاّ إليك، فالمؤسسات الدولية خافضة الصوت، مغمضة العينين، ونحن لا حول لنا ولا قوة. هل عاد المغول التتار إلى بلادنا ليمزقوا كتب مكتبة بغداد، ويحطموا تماثيل ملوك بابل وآشور الذين حطموا دولتي إسرائيل ويهوذا؟! هذه قطع فنية لا تحمل سوى صفات جمالية وتاريخية، وبعيدة كل البعد عن الصفات الدينية.. فهل يعقل أن يعيش إنسان في القرن الحادي والعشرين ليتعبد إلى حجر؟!
يحضرني ما تعلمناه من أساتذة لنا عندما كنا على مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنية، حيث درَسنا كيف أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دخل يوماً على عائشة (رضي الله عنها) فوجدها تعلّق أستاراً عليها صوراً، فما كان منه «أشرف الخلق» إلاّ أن قلب الستائر فأصبح الرأس في الأسفل، وهذا يعطينا دليلاً مادياً بأن العمل الفني تكمن أهميته وقيمتها في كيفية النظر إليه لا في قيمته العقائدية. فما نحن فاعلون لهؤلاء الذين لا ينظرون إلى الأشياء إلاّ بمنظار وأفق ضيق؟
الأهم من كل ما يجري من حولنا من تدمير للتراث، هو الفكر الذي يحمله هؤلاء النفر من البشر اتجاه هذا الموروث. لذا فإن علينا توعيتهم بأن هذا التراث ملك لهم، وللعالم بأسره أيضاً.
وبشأن الآشوريين، يتفق الباحثون، ودون دليل كتابي، أن أقواماً خرجت في نهاية الألف الرابع وبداية الثالث قبل الميلاد نتيجة لتغير مناخي من جزيرة العرب باتجاه الشمال قاصدين حوضي دجلة والفرات، حيث طبيعة الحياة الموائمة، وكان من بين هؤلاء الآشوريون الذين استقر بهم المقام في المنطقة الشمالية من العراق الحالي، وبالتحديد بين مدينتي الموصل والشرقاط، وأسسوا في هذه المنطقة مدينة أسموها «آشور» نسبة إلى الإله السامي «آشور» ، فصارت المنطقة بأسرها تسمى باسم «آشور».