وماذا عن ظاهر العمر ؟!

وماذا عن ظاهر العمر ؟!

كنت وعدت في مقالي قبل اسبوعين وقد فوجئت بـ( المؤرخ.. الحلاق) في كتاب (العرب، تاريخ ) ليوجين روغان ان اكتب عن مفاجأة أخرى تتعلق بشيخ الجليل ظاهر العمر، ولعلي لا اكرر نفسي إذ أقول إن هذا الكتاب الذي شدني كثيراً ببساطة سرده ودخوله في عمق شرائح المجتمعات التي اتى على سيرتها وتسليطه الضوء على جوانب من حياة رموزها السياسية قد لا تعجب الذين تعودوا أن يقراوا عن القادة كل ما هو كبير وعظيم ومبهر، ففي الفصل المعنون بـ ( التحدي العربي للحكم العثماني ) كتب يوجين روغان عن ظاهرة سادت اواسط القرن الثامن عشر ولم تكن مألوفة من قبل حين كان العرب في القرون الاولى من عمر الامبراطورية العثمانية معتادين على استبعادهم من الوظائف العليا التي كانت حكراً على النخبة من عبيد السلطان الذين كان يختارهم من الديفشيرما (شبان يجندون من مسيحيي البلقان) ، فقد بدأ الوجهاء والاعيان المحليون يصعدون الى مراتب عليا في ادارة الولايات ويحظون بلقب الباشوية، ولم تكن عائلة العظم في دمشق سوى مثال على هذه الظاهرة التي امتدت من مصر الى فلسطين فجبل لبنان والى ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية، ورغم خلفياتهم المتنوعة كرئيسات عائلات مملوكية أو شيوخ عشائر أو من وجهاء المدن فقد تم صعودهم على حساب نفوذ اسطنبول اذ أصبحوا ينفقون اكثر اموال الضرائب التي كانوا يجبونها على القوات العسكرية ومشاريع البناء في نفس مناطقهم وتعاظمت قوة بعضهم الى درجة التمرد على حكم اسطنبول، تدفعهم على الأغلب طموحاتهم الشخصية أكثر مما يحركهم عدم رضاهم او رضا الشعب عن طريقة الحكم العثماني لذا لا يمكن وصفهم بأنهم جزء من حركة وطنية عربية سيما وأن بعضهم لم يكن من اصل عربي أو لم يتكلم العربية البتة، وقد كانوا جميعا وبلا استثناء من أصحاب الثروة وملاّكي الاراضي التي ضموا لها كثيراً من اراضي الدولة عن طريق استغلال وظائفهم وتعديل القوانين ليتمكنوا من توريثها لمن بعدهم، كما ازدادوا ثراءً بحصولهم على كل دخلها الذي لم يعودوا يحولون اي شيء منه لخزينة الدولة، فبنوا قصوراً فارهة وعززوا جيوشهم الخاصة حيث كانت اسطنبول مشغولة عنهم بتحديات قادمة من فيينا وموسكو فلم تأبه كثيراً لاخماد تمرداتهم الضعيفة التي لم تهدد حقاً مركز الامبراطورية إلا عندما تعاونوا للعمل مع بعضهم كما حدث حين دخل مماليك مصر في حلف مع زعيم محلي في شمال فلسطين هو ظاهر العمر واستطاعوا احتلال ولايات عثمانية كاملة..ويذكرنا المؤلف بانه إذا كان البترول في القرن العشرين هو الذي وضع الشرق الاوسط على الخارطة، ففي القرن الثامن عشر كان القطن هو الذي بدأ يدر على المنطقة ثروة هائلة حيث كانت مصانع الغزل والنسيج في اوروبا بحاجة للمزيد منه بعد تطويرها التقني الكبير، فزاد انتاج القطن من اجل ذلك في منطقة شرق البحر المتوسط الى خمسة اضعاف ، ومن الانواع المفضلة في الاسواق الاوروبية كان قطن الجليل في شمال فلسطين ، وقد ادى ذلك الى ثراء بعض العائلات الكبيرة وقوّى نفوذها حتى تحدت الحكم العثماني في سوريا.. وبرز رجل الجليل القوي ظاهر العمر (1690 – 1775) وقاد عشيرة الزيداني البدوية للاستيلاء على اراض خصبة شاسعة بين مدينتي صفد وطبريا وعيّن اشقاءه وابناء عمه لادارتها وامر المزارعين بزراعة القطن بهدف بيعه الى اسواق اوروبا وبالسعر الذي يقرره ، وبعد أن جمع ثروة كبيرة وتعزز موقفه تم تعيينه رسميا من قبل حاكم صيدا مسؤولاً عن جمع الضرائب في منطقة الجليل، وبحلول عام 1740 برز كاقوى زعيم في شمال فلسطين اذ هزم زعماء الحرب في نابلس واستولى على الناصرة وسيطر على التجارة الكاملة بين فلسطين ودمشق مازاد في ثروته وقوته ووضعه في حالة صدام مع حاكم دمشق الذي أمره الباب العالي بأن يلقى القبض عليه ويعدمه ويدمر تحصيناته في طبريا، فجند هذا عدداً كبيراً من المتطوعين من لبنان والقدس ونابلس وعشائر البدو المجاورة الذين رأوا في ظاهر منافساً لهم وارادوا اغتنام الفرصة لاسقاطه، لكن حصاره لطبريا لثلاثة اشهر فشل ، أما محاولات ظاهر العمر لكي ينال اعتراف السلطان به كحاكم لصيدا اسوة بالعظم في دمشق فقد استمرت حتى اعترف الباب العالي به عام 1768 (كشيخ عكا وامير الناصرة وصفد ثم شيخ كل الجليل) لكن هذه الالقاب جميعها لم تشبع طموحه العظيم ، فقرر عثمان باشا حاكم دمشق التركي في عام 1770 بالتحالف مع الدروز في جبل لبنان ان ينهي تحكم ظاهر في شمال فلسطين بمحاصرته والقضاء عليه لكنه ايضاً لم يتمكن بسبب دخول العمر في شراكة مع قوة اقليمية جديدة ممثلة في الحاكم المملوكي للقاهرة علي بيك الكبير، أما في عام 1775 وكان قد شاخ وهرم فقد انتهت زعامته بقتله في مؤامرة خطط لها ابنه مع اسطنبول.وبعد.. اذا كان ظاهر العمر اسطورة ذلك الزمان بمواجهته للحكام العثمانيين فهل يمكن اعتباره بطلا وطنياً فلسطينيا بمفهوم هذه الايام ؟! * يمنع  الاقتباس  او اعادة  النشر الا بأذن  خطي مسبق  من المؤسسة الصحفية  الاردنية - الرأي .