جرافيك-مالك عبد الصمد جرافيك-مالك عبد الصمد

تجاوز العام 2016

تجاوز العام 2016

أبواب-سامح المحاريق الانتقال من سنة لأخرى لا يشبه بأية حال الانتقال من غرفة إلى أخرى، أو إغلاق كتاب للمباشرة بقراءة آخر، رأس السنة ليست سوى تاريخ اصطلاحي اتفق عليه الناس لغايات التوثيق وتنظيم الأحداث.ماذا يعني ذلك؟..قطعا، لا يعني شيئاً بالنسبة لحركة التاريخ وللفرد في حياته اليومية، الكثيرون ولأسباب نفسية يحاولون اتخاذ قرارات مهمة قبيل الدخول في السنة الجديدة، البعض يقرر أن يتعلم لغة جديدة أو الالتحاق بدورة لتعلم مهارة معينة، وآخرون يقررون الدخول في معاناة الحمية الغذائية (الدايت أو الرجيم) أو التوقف عن التدخين، للأسف يعرف معظم الناس أن قراراتهم التي تتخذ بصورة حماسية وبمناسبة السنة الجديدة تتحول بسرعة قياسية إلى أسباب إحباط جديدة، فلا يدرك الشخص أن هذه القرارات اتخذت على أساس وهمي ولم تكن دائماً مرتبطة بظروف وبيئة معينة في حياته، فالإنجاز على المستوى الشخصي ليس له وقت محدد، فقط وقت مناسب، ومن يجعل الوقت مناسباً هو الشخص الذي يعيش كل أيامه ويستطيع أن يراكم الخبرات والتجارب.من المشاعر الأخرى التي ترتبط بالدخول في سنة جديدة هو إنطلاق الأمنيات الشخصية والعامة المفعمة بالتفاؤل، أو على الأقل أن تكون هذه السنة التي تطل برأسها على حياة العالم أقل وطأة من سابقتها، وهذه تحديداً الحالة الراهنة في البلدان العربية والأردن ليس استثناء، فالأردنيون تسمروا مثل غيرهم أمام شاشات التلفزيون وأجهزة الموبايل وهم يتابعون عالماً يعيش فترة تحول، وهذه الفترة لا يمكن أن تخضع لمزاج ليلة واحدة تفصل بين عامين، فلحظة التحول التاريخي يمكن أن تمتد لسنوات، وما تعيشه المنطقة العربية هو مرحلة من التحولات، صحيح أن الأردن لا يعاني من نفس الزخم والعنف ولكن لا يمكن أن ينفصل عاطفياً ونفسياً عن منطقته.السنة القادمة يبدو أنها بداية الخروج من النفق الصعب الذي تعيشه الدول المجاورة للأردن وخاصة الشقيقة سوريا، ففي الأفق حلول سياسية يمكن أن تلطف من الوضع وأن تضعه على بداية الطريق الصحيح، هذه أمنيات ولكنها تقوم على أسس عقلانية، أما داعش فيبدو أنها بدأت العد التنازلي، يمكن أن تختفي خلال أشهر قليلة ويمكن أن تستمر إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكن يمكن الوثوق إلى حد بعيد بأن فورتها في 2015 لم تعد ممكنة مرة أخرى.الوضع الاقتصادي لا يبدو أنه يحمل بشائر الخروج من الأزمة الطويلة التي بدأت في 2008، وإذا كانت أسعار النفط مرشحة لمزيد من الانخفاض خاصة أنه لم يرتفع أصلاً استجابة لاحتياجات فصل الصيف، هذه النقطة يمكن أن تعود ببعض المكتسبات على الأردن ولكن ليس في المدى الطويل، فأسعار النفط المنخفضة ترتبط باحتمالات تباطؤ اقتصادي، والأردن يتأثر بالاقتصاد العالمي بأكثر من قدرته على التأثير فيه، ولذلك يمكن القول بأن سنة 2016 لن تحمل كثيراً على المستوى الاقتصادي، ولكنها أيضاً لن تكون سنة صعبة، فهي تقع ضمن طيف المرحلة الانتقالية اقتصادياً.المناخ أصبح هماً كبيراً في سنة 2015، ويجب على العالم أن يبدأ في النظر بجدية لكل التحذيرات التي تتعلق بالتغيرات المناخية، ففي هذه السنة تغيرت سلوكيات الفصول، والمرجح أن يستمر الخلل في مزاج الطقس لسنوات قادمة، وليس معروفاً هل الاتفاقية الأخيرة التي عقدت في باريس ستعمل على تجنب المزيد من الفوضى في الطقس والمناخ، أم أنها ستحاول تأجيل المواجهة الكبيرة مع عالم تتغير خرائطه ليس بناء للحروب والاجتياحات وحدها، ولكن بجانبها ستكون الاندفاعات المائية لمدن الساحل والهجرات المناخية نتيجة تطرف درجات الحرارة والبرودة في الفصول المختلفة.ستشهد هذه السنة مزيداً من الفرص على شبكة الانترنت، التعليم بواسطة البرامج المجانية لم يعد خدمة تقدم من مجموعة محدودة من الجامعات، فكثير من الجامعات المرموقة انضمت إلى المسيرة وبدأت تقدم لا برامج دراسية ولكن مساقات كاملة، والتكلفة تتراوح بين الصفر وبضعة مئات من الدولارات، صحيح أن هذه البرامج لا تمكن الفرد من الحصول على شهادات أكاديمية تقليدية، ولكنها مجدية جداً في الحصول على مهارات معينة، وبعضها مطلوب في سوق العمل، كما أن الانترنت يتحول لاستيعاب المزيد من المكتبات المفتوحة، وأصبح موقع يوتيوب مستودعاً هائلاً لعشرات المواد العلمية والفكرية والثقافية المفيدة، وأيضاً وسيلة متميزة لتعليم اللغات.دون أن يكون ذلك مرتبطاً بعام جديد، يمكن التشديد على نصيحة الدخول في مرحلة من التقييم يجريها كل شخص لنفسه، يحدد خلالها نقاط قوته وضعفه، وما هي الأمور التي تثقله ومن المفضل أن يتخلص منها، والأمور التي يسعى لأن يحققها، ذلك يجب أن يقوم على الفرص التي تصنعها مراحل التحولات كالتي نعيشها اليوم، فمثلاً، ربما تكون البرامج المجانية عبر الانترنت أحد مسوغات الحصول على وظيفة في السنوات القادمة، أخذاً في الاعتبار أن وظائف كثيرة ستستحدث لتتواءم مع التكنولوجيا الحديثة، ووظائف أكثر ستختفي وتصبح جزءاً من الفلكلور، فلا أحد يتصور مثلاً أن يلتقي يوماً برجل يتجول بقربة ماء ويعمل في السقاية، مع أن هذه الوظيفة كانت تحتاج إلى سكان حي كامل، ومن يعلم ربما تختفي المدرجات التعليمية والمكتبات قريباً لتصبح الوظائف المتاحة هي متابعة البيانات وصيانتها ومراقبتها والسيطرة عليها.العالم يتغير وسيظل كذلك، ولكن ثمة مراحل تشهد تسارعاً في التغيرات، وإلى حد كبير، نعيش واحدة من هذه المراحل، وعلينا أن ننظر للمرحلة ككل، وليس لليلة أو شهر واحد نعتقد بأنه يستطيع أن يصنع الفارق.