«الثقافة وفن الطرب».. وجهة نظر غربية في الموسيقى العربية

«الثقافة وفن الطرب».. وجهة نظر غربية في الموسيقى العربية

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 8-1-2016
-
-

د.فيصل درّاج

«صناعة الموسيقى في العالم العربي.. الثقافة وفن الطرب» كتاب لا تنقصه الأهمية، فقد صدر عن دار النشر الإنجليزية الشهيرة «كيمبردج» (2003)، ومؤلفه «أ. ج. راسي» أستاذ في جامعة كاليفورنيا وأحد المتخصصين الكبار بموسيقى العالم العربي، عربي الأصل، عرف موسيقيين عرباً عن قرب، واستمع إلى حفلات موسيقية في أكثر من بلد عربي.
وهو في تقديم موضوعه يرجع إلى التراث العربي القديم، فيذكر الغزالي وأبا الفرج الأصفهاني، ويتوقف طويلاً أمام القرن التاسع عشر مستشهداً بأحمد فارس الشدياق، إلى أن يصل إلى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والشاعر أحمد رامي، ولا ينسى أن يزيّن صفحات كتابه بمجموعة من الصور، القريبة من الندرة، التي تصوّر طقوس الطرب واقتراب «السامع» من حالات التجلي والنشوة، كما لو كان الغناء مرآة خاصة من مرايا التصوف والذوبان في اللامتناهي. ولهذا يستهل كتابه بالمغنيين الدينيين، قاصداً بذلك التلاوة والتجويد، وتلك السيطرة الجميلة على الصوت والأداء، قبل أن يعلن «أنه من الصعب الحكم على ذوق أمة كاملة».
ينطلق المؤلف، في الصفحة الأولى، من فصل بين الموسيقى الأوروبية والموسيقى العربية، إذ الأولى مشغولة بالصور والمفاهيم، والثانية موقع للعواطف الشديدة. وهذا الفصل لا جديد فيه، منذ أن رأى الغربيون، في زمن الاستشراق، أن الفكر الغربي يأتلف مع العلوم وتطبيقاتها، بينما ينغلق الفكر العربي في ثنائية الدين والشعر. ولعل اقتناع المؤلف بالذوق الشرقي الانفعالي «المهجوس كلياً بالحب والعواطف»، والمغمور بالانفعال والأحاسيس، هو الذي دفعه إلى العثور على شهادات تؤيد ما يقول، كأن يرجع إلى الفرنسيّ «غيوم أندريه فيلوتو»الذي صاحبَ نابليون في حملته على مصر وكتب عن الموسيقى المصرية، وأن يستشهد بالمستشرق البريطاني الشهير»إدوارد لين»الذي عاش في مصر، وأن يستعير ما جاء على لسان سيدة ألمانية حضرت حفلة موسيقية مصرية في منتصف القرن الثامن عشر، بالإضافة إلى مراجع أوروبية أخرى. غير أن تعددية المراجع لن تلغي تأكيده أمرين: العاطفة العميقة التي توقظها الموسيقى العربية، وتوجهها إلى المشاعر والأحاسيس، وحالة السامع العربي الذي يعتقله «الطرب» وينغلق في انفعال «أقرب إلى الغريزة». يهمّش الأمران، موضوعياً، الناحية التقنية في الموسيقى العربية، التي احتفظت بآلات محدودة، رغم انفتاحها على الموسيقى الأوروبية وسعيها إلى التجدد الذاتي، منذ انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة عام 1932، على الأقل.
فإذا كان حال هذه الموسيقى من «الذهنية العربية-الإسلامية» المصاحبة لها، فإن في دراسة «الغناء الديني»، رغم تميّزه، ما يغني عن دراستها،ذلك أن لهذا «الغناء» قوة ساحرة تتوجه إلى القلب والحواس، وتذيب «الفرديات» في مجموع متجانس، يشعر ولا يفكر، أو لا يستطيع التفكير في لحظة النشوة والانتشاء.تقاسم الموسيقى «الغناء الديني» أثره، وتكون مثله وسيطاً روحياً متعالياً، لا ينتبه إلى ما خارجه إلا بعد «رحيل الصوت»، وسيطرة الصمت. يقول المؤلف في جملة تبدو محايدة: «بعد مرور ألف عام تقريباً، فإن عدداً من التمرينات الصوفية ما تزال تباطن الموسيقى والرقص الشرقيين كوسيط، تتجلى فيه تجربة الوجد والنشوة الدينية»(ص4).
ولعل طول العهد بالموسيقى كنشوة دينية، هو الذي يفسّر تقشّف الموسيقى العربية على مستوى الآلات، ما دام أن «السر» يتأتى من «الإحساس» الذي تبعثه في الروح، على اعتبار أن هذه الروح، وبسبب ثقافتها، تتوجه إلى «المجهول، اللامتناهي، صوت السماء». لا غرابة أن يختصر وضع الموسيقى العربية في تعبير «الفن إحساسٌ»، يثير الفرح والشجن والبكاء، ويوقظ طبيعة إنسانية ثابتة، لا تأتلف كثيراً مع «العقلاني» المنفتح على الحركةوالتعدد. والمحصلة ماثلة في مقولتين: الموسيقى تعطل الزمن، من وجهة نظر السامع، والموسيقى إلهام وملهمة، من وجهة نظر المؤلف الموسيقي. تترافد المقولتان وتحتفيان بمملكة الروح، ما يهمش التاريخ التقني الموسيقي، وما يحيل دراسة الأصوات الموسيقية على حقل «علم النفس الديني»، الذي لا يحتاج إلى التاريخ إلا قليلاً.
عالج الكتابُ الموسيقى العربية معتمداً مقولة محددة هي: الطرب الذي يهزّ القلب ويستولي عليه، والذي-بسبب الاختلاف الثقافي- لا يمكن ترجمته، بشكل دقيق، إلى اللغات الأوروبية، كما لو كان بعداً خاصاً من أبعاد «الجمهور الموسيقي» العربي. ومع أنّ المؤلف يؤكد أن «التقنية الحديثة»، كما القيم الثقافية والفنية، قد أخذت طريقها إلى الحياة العربية»، فقد بقي «الطرب» ناظم العلاقة بين الموسيقى العربية والجمهور، باستثناء نخبة لا تعبّر عن المسيطر ولا عن الذوق الفني الذي يأخذ به.
الطرب تعبير عن التحوّل العاطفي الذي تحدثه الموسيقى، كما الغناء بعامة، في كيان المتلقي،وهو يساوي-ولو من بعيد- كلمة «الفن»، رغم تعبير لا تنقصه المفارقة هو «فن الطرب». الطرب، كما يقترح المؤلف، هو الحالة العاطفية غير العادية الصادرة عن الأثر الموسيقي. وبهذا المعنى استعمل هذا التعبير في الكتابات الحديثة وكتابات العصور الوسطى، واشتق منه مصطلح «مطرب» أو «مطربة»، أي ذاك الإنسان المتميّز الذي يمنح المستمع متعة عنوانها: الطرب. وهناك «آلات الطرب»، أي الأدوات الموسيقية التي هي مصدر للنشوة و»الشعور الجمالي»، أو لغيرهما من الأحاسيس مثل: الشوق، الوجد، الحنين، الترقب، الحماسة، الشعور بالخواء والعدم. والطرب، في الحالات جميعاً، «حالة متميزة من التبدّل الروحي»، يعرفها عشّاق الموسيقى والمتصوفون، وهؤلاء الذين يدمنون المخدرات.
ومع أنّ المؤلف بذل جهداً في تعريف كلمة «طرب»، فقد بقيت غامضة أو مجزوءة التحديد: إذا كان الطرب يخالط الرغبة والحنين والانفتاح الروحي على السماء، فما الفرق بين طرب الرغبة وطرب العبادة؟! وما الفرق بين طرب «الوجد»،وطرب العشق الذي يمازجه الألم، وطرب الفرح المنفتح على الحياة؟! وهل الطرب يستلزم آلات موسيقية متنوعة، أم إن القدرة على توليده لها علاقة بالعازف لا بالآلة؟ والأرجح أن الطرب، الذي يحيل على الموسيقى، تجربة روحية غامضة، ما دامعصياً على التعريف، أو تجربة دينية لا يمكن تعريفها، ما يدفع الكاتب إلى الرجوع إلى وليم جيمس (1842-1910) وحديثه عن علم النفس الديني، وما يجعل الموسيقى تُقرأ في حقل الموروث التصوفي، قبل أن تُقرأ في مجال ولادة الفنون الحديثة وتطورها، وعلاقة هذه الفنون بتسويقها وتحوّلها إلى سلعة استهلاكية.
منع مفهوم الطربُ المؤلفَ عن قراءة الموسيقى في أشكالها الاجتماعية، التي تحتمل: الموسيقى الشعبية، الفولكلور والموسيقى الجماهيرية، والزار والموالد، والفرق الموسيقية في مستوياتها المتعددة، التي تتضمن تعليماً أكاديمياً،.... استدرك المؤلف هذا الموضوع بالحديث عن»الأثر الجمالي»، الذي يحيل على أشكال من العزف مختلفة، واستعمال كلمة»موشور»، إذ للموسيقى العربية تراكمها الخاص، الذي له مستوياته وعازفوه وآلاته، وله تاريخه الذي يستدعي «الموشحات الأندلسية»، دون أن يتوقف أمام الشروط الاجتماعية والمؤسساتية، التي تنتج «تربية موسيقية» أوتقمعها.
في حديثه عن علاقة الموسيقى بالثقافة، يشير «أ.ج. راسي» إلى ثلاثة ظواهر سلبية الأثر: التزمُّت الديني الذي لا ينظر إلى الفن والغناء، بعامة، بقبول وارتياح، دون أن يمنع هذا انجذاب فئات اجتماعية إليهما. يقود هذا الموقف إلى الظاهرة الثانية المتمثلة بالموقف من «المرأة»، حيث لا ينظر إلى «المطربة» باحترام كبير، ولا يسوغ عملها كمطربة إلا أنوثتها المعلنة، أو وضعها كأنثى، وهو ما لاحظه المصري كامل الخلعي (1880-1938)، الأمرالذي يستعيد، ولو من بعيد، وضع «الجارية» التي تغنّي للأمراء والأميرات في قصورمغلقة.
وإذا كان في المنظور الديني المتزمت ما يضيق ساحة الموسيقى والغناء، فإن ما يكمله هو «النظام الأبوي» الذي لا يرى في الغناء مهنة كريمة، ويضع أمام من يختارها عوائق كثيرة. ولهذا اضطر «المطرب» الشهير عبده الحامولي (1841-1901) أن يطلب من «المطربة ألمظ»، حين تزوجّها، أن تعتزل الغناء وتكرس ذاتها للحياة الزوجية. ولم يكن حال أم كلثوم (1904-1975) مختلفاً، ذلك أن شقيقها الشيخ إبراهيم لم يسمح لها، في البداية، إلا بغناء القصائد والتواشيح، وحين كانت تغني أمام الجمهور كانت تلبس مما يلبسه الرجال.
يفسَّر الالتحاق بعالم الغناء في شروط عربية بالغة الصعوبة، بعاملين: الشغف الذي يفرض على «الفنان» مواجهات كثيرة، حال السورية اسمهان التي حاصرتها عائلتها، والموهبة القادرة على المواجهة والشهرة، التي مثّلها محمد عبد الوهاب (1901-1991). لا غرابة، والحال هذه، أن يكون «الطرب»، ظاهرة مدينية ارتبطت بالقاهرة وبيروت ودمشق، وأن يولد «المطربون» في المدن، أو أن يلتحقوا بها، وأن يكون هؤلاء الفنانون على مقربة من أوساط مستنيرة، أو أن يظفروا، أحياناً، برعاية وحماية أشخاص يتسمون بالثقافة والنفوذ، وبدعم «الفن الشرقي الأصيل».
يستحضر المدافعون عن الطرب تعبيراً أفرد له المؤلف ثلاث صفحات، هو: «السمّيعة»، هؤلاء المستمعون المتعصبون، الذين يستدعون أصول الغناء وأصول الاستماع، ويحفظون للمطرب صورة مشرقة، فعليه أن يتميّز بالأناقة وعزة النفس والمظهر الجميل، ويرون في أنفسهم، في الوقت نفسه، نخبة اجتماعية متميّزة، تعتقد أن لها موهبة الاستماع، وأخلاق الإنصات و»تثمين الأصوات» وطريقة الغناء، وصولاً إلى ما يدعى «المحاسبة»، التي تعني متابعة الغناء بغيرة وحرص، ما يسمح بالحديث عن «جماليات الاستماع»، وهو ما توقف أمامه، منذ زمن، المصري كامل الخلعي، الذي كان يضيق بالجهور العابث الذي لا ينصت بإخلاص واحترام.
أراد المؤلف أن يقرأ ظاهرة الغناء في أبعادها الشعبية، فتحدث عن»الحضرة»، التي هي حالة استماع صوفية، يطرد فيها الروحي اليومي العارض، و»المولاويّة»، وهي طريقة صوفية في الحركة والإنشدء، وصولاً إلى العرس و»السهرة» و»عصبة السميعة» الذين يحيطون بالمطرب ويخلقون له جواً ملائماً، و»أهل الكيف» الذين يوقظون الطرب بتناول «الحشيش»، الذي هو «خمر الإنسان الفقير»، كما كان يقال. وهناك طرب المقاهي وطرب المسارح، اللذان يحيلان، بالتأكيد، على أوضاع مصرية، سبقت منتصف القرن العشرين. قرأ مؤلف الكتاب هذه الظواهر بكلمات»البسط»و»الانبساط»و»الكيف»، موحياً بأن بين الحشيش والموسيقى العربية، علاقات وثيقة، وأن للسمع قوة أكيدة وأثراً في الروح، كما جاء في كتابات الإمام الغزالي.
بعد الحديث عن الجلسة والسهرة والحضرة الصوفية، يستكمل المؤلف حديثه عن الموسيقى العربية بالحديث عن الحب، ذلك أن الموسيقى حب بالمعنى الواسع للكلمة، أكان حبَّ فرد لآخر أم عاطفة نحو مجموع ، تضيء الروح وتضيئها الروح،، وتعطي الإحساس صياغة جديدة، مجسّدة ما قال به الغزالي، وما جاء به الإنجليزي «الدوس هلسكي» في كتابه «أبواب الإحساس» (1954)، حيث «المخدرات» تأخذ الإنسان إلى حالة سرية عميقة. ولعل دور الموسيقى في إيقاظ كوامن النفس، هو الذي وضع على قلم المؤلف تعبير»المستمع الشفاف»، الذي تشف روحه ويتاخم حالة من «البُحران»، إذ هو حاضر وغائب في آن .
أفرد الباحث صفحات لامعة لعلاقة المفرد بالمجموع، أكان في علاقة العازف بأعضاء الجوقة الموسيقية الذين يشكلون، في حالة الانسجام، كتلة عضوية متناغمة، أم في علاقة المستمع المفرد بالجمهور اللذين يشكلان، بشكل مواز، كتلة عضوية أخرى تترجم، عاطفياً، اللحن والأداء والكلمات. أخذ الإنصات الشفاف في حفلات أم كلثوم شكل الطقس الاجتماعي-الفني، الذي يتصدّره صوت فاعل «يتبعه» مجموع مستمع، يحترم أصول الاستماع ويعبّر عن «ثقافة الذوق»، التي تتجلى في الصمت والكلام والحركة واللباس. ولهذا تحدث المؤلف عن «فن القيادة»، حيث للعزف المطرِب تراتبيته الفاعلة وإيقاعه المتناوب، و»فن المصاحبة»، الذي يتوزع على العازفين وعلى الجمهور المستمع في آن. لا ينفصل هذان الفَنّانِ عن جماليات الأداء والأسلوب الموسيقي وجمالية الهيئة والحركات، التي ازدهرت في بداية القرن العشرين ومثّلها مطربون شهيرون مثل سلامة حجازي، والمغنيتان منيرة المهدية وفتيحة أحمد، اللتان كانتا تعنيان بزينتهما عناية فائقة.
أفضى الحديث عن طقوس الغناء وطقوس الاستماع إلى حديث طويل عن «السلطنة»، أفرد له المؤلف خمساً وعشرين صفحة. والمقصود بالسلطنة، كما تعارف عليها المغنّون والجهور معاً، حالة من الاندماج والتركيز الشديد (الهيام الروحي)، والإيقاع، فهناك السلطنة في «مقام الرصت»، أو مقام البيات، أو مقام الصبا، حيث العازف يجد نفسه مأسوراً بالإيقاع أو مأخوذاً باللحن، ومشدوداً إلى ما يطرب، حيث الفواصل والارتفاع والانخفاض والتوقف، وكل ما ينتج تلك الحالة الوجدانية التي تدعى»السلطنة».
وواقع الأمر أن حديث السلطنة وثيق الصلة بالروحي والنفسي والإلهامي وبالمزاج، وبحالة من الانسجام والاستغراق، تستعيد، أو تشبه، حالات صوفية، الأمر الذي يجعل المؤلف وهو يستأنف حديث الروح والموسيقى، يتحدث عن»البسط» و»الانبساط» و»التجلّي»، وصولاً إلى «الوحي الموسيقي» أو الوحي الفني بشكل عام.
ولا غرابة أن يحيل تعبير «السلطنة» على كلمة عربية ظهرت في القرن الحادي عشر هي «السلطان»، التي تعني «القوة»؛ أكان ذلك «المغنّي الذي يُستغرق في فنه»، أو المستمع الذي يستغرقه اللحن ويذوب فيه. كما لو كان في السلطنة «ما يعطّل الزمن» ويجعل «الوقت يهرب من الوقت»، وما يعطفها على حالة غامضة، أو «لغزية»، بلغة المؤلف، وما دفع الملحن سيد مكاوي إلى كلمة غريبة هي «النزول»، أو «الاستنزال»، التي تعني أن اللحن يسقط بقوة على الملحن، ويهبط عليه ولا يفعل حاله شيئاً. والحاضر، بداهة، في هذا الشكل من الكلام هو»الروح الشرقية»، كما يقول المؤلف، أو «النَّفَس الشرقي»، حيث لكل أمة روح خاصة بها، «يتسّرب» إليها الطرب بطرق تميزّه من غيره، «تباعد بين الروح والجسد»، وتأخذ بالروح إلى «ضباب الصيف».
استأنس المؤلف وهو يقرأ حالة أم كلثوم بتعبير موائم هو»المستمع المبدع»، الذي ينفعل ويتفاعل ويصبح امتداداً «للغناء»، إن لم يصبح الغناء امتداداً له، ما ينعكس على «المطربة»، ويوحد بينها وبين جمهورها، الذي يصفق ويعلق ويستزيد مطمئناً، بشكل إيقاعي، إلى كلمة: «الله»، التي يتلفظ بها الانفعال كما يريد، هو ما لاحظه المستشرق الإنجليزي «إدوارد لين»، وعلق عليه في كتاب له ظهر عام 1836. يستدعي المستمع المبدع، بداهة، المغنّي المبدع، الذي يشرف على الجوقة الموسيقية «التخت»، ويعرف كيف يبدأ، ومتى يتوقف أو يكرر، حال عبده الحامولي، الذي اختصر حياته في فنه وألحق ذاته، شكلاً ومضموناً، بالفن الذي استدعاه وأعطاه شهرة صاخبة.
في غناءٍ يقترب من التصوف، مفرداته الانبساط والتجلي و»الروح السكرى»، يحتل العشق، كما الشعر، دوراً مسيطراً، إذ في العشق ما يستدعي عوالم الروح في مراتبها لمختلفة التي تتضمن: الشوق، التوق، الهياج، اللوعة الوجد، الحنين، والحرمان، وذلك «الإشباع المتخيّل»، الذي يضع المعشوق في «قلب» العاشق. بل إن في أغاني العشق، في مجتمع يوحد بين المعشوق والمرأة الجميلة، ما يخلق حالة هياج جماعية، وما يتاخم «تجربة ربانية»، تمحي فيها الحدود بين الدنيوي والسماوي، وتتراجع المسافة بين الأنا شيد الصوفية وأغاني الغرام.
توقف المؤلف أمام كلمات العشق السائرة في الثقافة العربية: حيث المحبوب والحبيب والرقة والجمال والكاس والغزال والود والنور والخيال والآهات و»الخمرة»... وزّع حديثه على عناوين مختلفة: مضمون العشق، الحب والذهول، الحب وانتظار اللقاء، وصف المحبوب، الوقوع في الحب، سلوك الحبيب، تعب الانتظار وبهجة اللقاء،... ومثلما أنه أفرد لموضوع «السلطنة» خمساً وعشرين صفحة، أفراد لأغاني الغرام سبعاً وأربعين صفحة، رابطاً بين الأول والثاني، وعاطفاً الموضوعين على «الروح الشرقية»، التي تنوس بين الحب والدين. ولهذا ربط، بشكل موثق، بين الحب والشعر وأضاءهما بعناوين مختلفة: الشعر الغنائي كمنظور للعالم، الشعر والمتعة، الحب كخبرة موسيقية، الحب كنشوة موسيقية،.. والمحصلة تكامل الحب والموسيقى والشعر و»روح شرقية» تنأى عن العقلاني وتختلط بالعاطفي والانفعالي.
أنجز «أ.ج. راسي» كتاباً جديراً بالقراءة، توقف فيه أمام الغناء العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين وذكّر، أحياناً، بالعباسيين وبمراجع عربية قديمة. مع ذلك فإن ثلاثة أسئلةتلحّ على القارئ: لماذا قرأ ظاهرة الطرب والتطريب، دون أن يقترب من خصائص المجتمع العربي وقضايا علم الاجتماع اللصيقة به؟ وهل هناك «روح شرقية «خصائصها العاطفة المتدفقة والتجلي والذوبان في المعشوق، أم إن هذه المقولات مشتقة من نظر استشراقي قديم، يوكل العقل إلى الغرب والعاطفة إلى الشرق؟ ولماذا بقيت آلات العزف العربية محدودة في زمن طويل؟
• A.J. Racy: Making music in the Arab works. Cambridge, London, 2003, 250, p.

*يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }