محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

نهر الأردن.. مسار القداسة «2-2»

نهر الأردن.. مسار القداسة «2-2»

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ

بوح القرى ..  
كتابة وتصوير:  مفلح العدوان


أبواب-مفلح العدوان

نُردد: «آمين».
وهذا النهر مُشرع على فسيفساء الروح، منقوش على وجه الأردن نهر، ومحبة، وقداسة، تفضي الى التحيات الطيبات.. مكتوب على ثراه أسفار الخلاص، وأدعية التوبة، وقصائد المريدين، وأسطر النقاء، وأيقونات المؤمنين.

«مغارة رأس النبع»
يا أنت.. أي نهر الأردن.. ها نحن نرويك  حكاية، ثم نكتبك قصة .. كان يا ما كان، في قديم الزمان: إعتقد بعض المؤرخين أن مجموعات من المقدونيين والحثيين تعايشت حول هذا النهر بعد أن نزحت من الجنوب الغربي من آسيا الصغرى ومن تساليا وذلك قبل العصر الهليني وأطلقت على النهر اسمه الخالد .. نهر الأردن .
وقال عن النهر، المؤرخ الروماني «تاسيتوس»  :»أن جبل الشيخ هو والد نهر الأردن والذي يغذيه». وقيل أيضا بأنه  في القرن الرابع للميلاد كانت تقام في مغارة تقع على أحد جانبي جبل الشيخ ، عرفت باسم «مغارة رأس النبع»،  مراسم وثنية في يوم عيد معين كانت ترمى فيه ضحية مذبوحة، وكانت هذه الضحية تختفي بطريقة عجيبة، كقربان مقدس للنهر حتى يزيد عطاؤه، ويرحم المجاورين له إن فاض ماؤه.
ومنذ أقدم العصور والنهر حاضر في النقوش والوثائق والكتب المقدسة القديمة، ولعل أكبر شاهد على عراقته يتمثل جليا في خريطة مأدبا التي يعود تاريخها إلى القرن السادس، وفيها يتضح نهر الأردن الذي رسمته الفسيفساء كما رسمت معديتين لاجتياز هذا النهر أحدها عند مصب سيل الزرقاء، والثانية في المكان الذي عنده ينتصب جسر الملك حسين .
أما في التاريخ العربي فقد  ذكر أن الظاهر بيبرس أمر سنة 1266 ببناء جسر له خمسة أقواس فوق نهر الأردن مقابل بيسان، ولم يكن ذلك البناء متيناً مما جعل المياه تجرف قسماً منه فغضب السلطان بيبرس وأمر بإعادة البناء.
وكتب عن نهر الأردن، الدمشقي (توفي عام 1327) قائلا: «ثم نهر الأردن، وهو الشريعة، نهر غزير الماء ينبعث من بانياس ويمتد الى الحولة وطبريا، وينصب الى تلك البحيرة أنهر وعيون. ثم يمتد في الخيطة الى جسر يعقوب، ثم يخرج الى الغور. وتخرج من حمامات طبرية مياه ساخنة مالحة هي من العجائب في سخونتها. ثم نهر يصب في بحيرة طبرية. ويخرج من الحمة الى قرية يقال لها (جدر) وفي هذه العين منافع كثيرة لأمراض كثيرة في الناس. يخرج من تلحمة السورية نهر كبير يلتقي هو والخارج من طبرية الى مكان يقال له المجامع في الغور ويصيران نهرا واحدا. وكلما امتد منحدرا غزر ماؤه وكثر. وينصب اليه من بيسان من أعين الى هذا النهر. وتنصب فيه أعين أخرى. ونهر الشريعة كأنه في الاعتبار فلك دائرة يطلع من أول الغور من بحيرة (قدس) ويتوسط بحيرة طبرية، ويغور في بحيرة زغر».
هذه بعض تفصيلات وحكايات النهر التي كانت في كل عصر تتجدد ويضاف عليها، كأنها الأسطورة الخالدة عبر كل زمان.

سِفر المعارك
ها نحن ننصت اليهم، كل الذين عايشوك وكتبوك وناجوا حضورك.. لكننا نعود اليك، أيها النهر، ونتماهى مع بوحك، وهمسك، فنسمعك وأنت تتكلم بما يقول القرويون وهم يغسلون لهاث يومهم بمائك، ونتنفسك عابقا بالشيح، والقيصوم، والطلح، ناثرا فسيفساء الدفلى على ضفتيك، فقل، أيها النهر، كل أسرارك، واقرأ علينا  سفر المعارك التي دارت قريبا منك، واكشف بمهابتك ما لم يجرؤ كتبة التاريخ أن يسطروه عن فحل، وحطين، وعين جالوت، والكرامة..
ها نحن نتلمس بَرَكة مائك، ونسمعك تتكلم أكثر عن سِيَر من جاوروك في مقامات مباركة لمعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وأبي عبيدة عامر ابن الجراح، وضرار بن الأزور، وعامر بن أبي وقاص.. الكل رحل وأنت الشاهد الأبقى، والصادق الأتقى، والناطق الأطهر بما سيتحقق حولك من معجزات الزمان ..
نقرأ في اللفائف القديمة عن رسالتك حتى آخر الزمان في أنك وحدك من سترى الفصل الأخير من معركة النور والظلام، وستشهد صراع الحق مع الباطل، فاجهر بصوتك عما كُتب، عنك، وعن وظيفتك حتى آخر العهود، خاصة ما ذكره أبو عبيد البكري في معجمه، حين قال:
« الأردن نهر بأعلى الشام وهو نهر طبرية.. وأصل هذه التسمية في اللسان
 النعاس، وورد في الحديث أن جزيرة العرب لما افتتحت قال رجل عند ذلك: أبهوا الخيل والسلاح فقد وضعت الحرب أوزارها. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد قوله عليه وقال: لا تزالون تقاتلون الكفار حتى يقاتل بقاياكم الدجال ببطن الأردن، أنتم من غربيه، والدجال من شرقيه.. قال الراوي ما كنت أدري أين الأردن حتى سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

المغطس.. صفحة نور
وحدك من تفرق بمجهر نقائك بين لون الدم، ووهم السراب..
تعلمت هذا حين كنت تحمي بنقاء مائك يوحنا المعمدان حين كان يواطنك بعيدا عن كهنوت الوحشة، ويختارك نهرا للتطهير، والتعميد، فيوشوشك، والآتين اليه، قبل أن يقتله المارقون، قائلا: (أنا سيد هذا المكان.. حين اخترته، معمدا فيه الجموع التائبة من رجس الحياة الدنيا، ومن شرور أعمال نفوسهم..).
هناك النهر، وموقع التعميد، ويوحنا، والمسيح، كلها أتهجاها متباركا بها، وأنا أعي ذاكرة القداسة في كل التفاصيل.. أقرأ ذرات ترابه.. أتأمل صفحة نوره فأتتبع رحلة مار الياس(النبي ايليا)، عبر النهر وإلى ضفته الأخرى.. وأرى بعين القلب معنى بقاء يوحنا سادنا لمحراب الماء، حتى جاءه المسيح مضفيا شرف حلوله على المكان، بقدومه إليه، على ضفة نهر الأردن، كي يكون تعميده، فيتطهر، ويتقدس بهذا الحضور كل الماء والنهر والأرض المحيطة به.. أحدّق في مرآة الماء، فأرى توق النهر لاستحضار الغائبين عنه.
ونقرأ معك سفر القداسة، مسكون بصوت الحق على صفحة الماء:(أثمروا ثمرا يليق بالتوبة، ولا يخطر لكم أن تقولوا في نفوسكم أن أبانا إبراهيم، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم، ها أن الفأس وضعت على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار..) .
ومنذ تلك الثمرة ، ما زال الصوت يحضر عند كل خلجة نفس ،مكملا تعميد كل من أتاه: (أنا أعمدكم بالماء للتوبة، وأما الذي يأتي بعدي فهو أقوى مني، وأنا لا أستحق أن أحمل حذاءه ، وهو يعمدكم بالروح القدس والنار) .
هذا الموقع من نهر الأردن، حيث المغطس، كتبت عبارات رائعة حوله، الكاتبة الأذربيجانية الدكتورة إلفيرا أراسلي، ووثقته في كتاب لها عنوانه «الأردن حبي»، حيث ابتدأت كتابتها في هذا الكتاب، عن المغطس، بمقطع من قصيدة للشاعر ليبيدينسكي يقول فيه:  
«تسحرنا مياه نهر الأردن
بقدسيتها العلمية
فيها أخذ المعمودية
يسوع على يد يوحنا
فتحت السماء قصورها
وظهر الثالوث المقدس».
 وتشير الدكتورة أراسلي بعد ذلك إلى الطقس الروحي للمكان، عند الوصول إلى حافة النهر، إلى مكان التعميد، تقول في هذا السياق: «هنا تم تجهيز كل شيء ليشعر الحاج بالراحة، وفي الوقت نفسه للحفاظ على هذه الأماكن المقدسة بشكلها الأصلي. ينزل المؤمنون عن طريق الدرج إلى الشاطئ. كثيرون يرتدون دشاديش خاصة، يغطسون في المياه حتى رؤوسهم مهما كانت درجة حرارة الجو أو برودته. بعضهم يملأ زجاجات بماء النهر، ويجمع الحصى في المجرى، ليقدموها هدية للأقارب والأصدقاء، لا تلاحظ فوضى، والجميع يتحدث همسا: المكان يفرض نفسه. وبلا شك هناك إحساس عميق بالسكينة وإدراك بأن هذا النهر هو الذي غير العالم».

فسيفساء المعنى
ياه.. سلاما يا سادة النقاء..
سلاما يا نهر الأردن، الذي وهب للماء معنى ارتفع بدلالاته درجات عن كيمياء السيولة، وفيزياء التحول .. صار للماء دورة أخرى .. وجه آخر، يتجمل بمعاني القداسة، والشهادة، والتعميد، والطهارة، والنقاء، مترجما بأبجديته العليا معاني الناموس المقدس، وعهد النور المتحقق بـ(هذا هو الحبيب الذي به سررت).. ها هو همس السر يتفتّق من ثغر التفاصيل الناضجة في النهر، كاشفا عن فسيفساء المعنى، ومهابة القداسة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress