د.عز الدين المناصرة
أفضل الحلول لمعالجة الاختلافات، هو قراءة الشيء كما هُوَ، وليس كما نرغب. ولهذا يمكن تعريف قصيدة النثر على النحو التالي: «نصٌّ أدبي تهجيني، مفتوحٌ على الشعر، والسرد، والنثر الفني، عابرٌ للأنواع، يفتقد إلى البنية الصوتية الكميّة المنظمة، لكنه يمتلك إيقاعاً داخلياً غير منتظم، من خلال توزيع علامات الترقيم، والبنية الدلالية المركبة على بنية التضاد، وجدلية العلاقات في النص، التي تخلق الإيقاع الخفي».
فقصيدة النثر نوع أدبي مستقل ينتمي إلى جنس الحافة، وله «ذاكرة» في التراث العربي، تتمثل بالقراءة الصامتة. ويرجح كثيرون أن قصيدة النثر العربية وُلدت بتأثير الترجمة من الفرنسية والإنجليزية، ويرى بعضهم أنها منقطعة عن التراث العربي.
ولقصيدة النثر شكلان: الشكل السطري، وشكل الفقرة النثرية العادية.
أما درجات الشاعرية في قصيدة النثر، فهي تتراوح -مثل أي نوع أدبي- بين علوّ الشاعرية لدى كتّابها الكبار، وضعفها لدى الناشئة، و»الشاعرية الوسطى» لدى الغالبية. كما أنّ قصيدة النثر مفتوحة على ما أسمّيه: «النصّ الكشكولي المفتوح»، إذا اندمج «النص الإلكتروني» فيها.
إن أول ثورة شعرية تثاقفية عربية خارج تقاليد القصيدة العمودية منذ امرئ القيس، هي ثورة الموشحات الأندلسية. وأول ثورة فردية فهي ثورة أبي نواس على المقدمة الطللية.
أما الثورة الثانية فكانت في العصر الحديث، وهي ثورة الشعر الحرّ التفعيلي منذ عام 1953، التي قادتها مجلة «الآداب» البيروتية، وهي أهم ثورة شعرية في القرن العشرين. وفي ما يتعلق بالإرهاصات في حركة الشعر الحر التفعيلي، يمكن ذكر قصائد متفرقة للشعراء: مصطفى وهبي التل (عرار) ومصطفى البدوي (1942)، وفؤاد الخشن (1946)، ثمّ نازك الملائكة وبدر السيّاب (1947). وقد ظهرت «الكتلة الأقوى» من شعرائها في البداية في العراق، وفي مقدمتهم السياب.. أما «الكتلة الأقوى الثانية» في الستينات، فقد كانت في فلسطين منذ 1964، حيث نشوء الثورة الفلسطينية.. كذلك نزار قباني في سوريا، وصلاح عبدالصبور في مصر، وخليل حاوي في لبنان، وسعدي يوسف في العراق، وأدونيس في سوريا، ومحمد الفيتوري في السودان، وأحمد عبدالمعطي حجازي في مصر، وعبدالوهاب البياتي في العراق. وهناك فارق –بالطبع- بين الروّاد التاريخيين، والروّاد الفعليين.
وفي الستينات، ظهر عدد من الشعراء الذين يكتبون الشعر الحر التفعيلي، فأشبعوا الحداثة الشعرية وعمّقوها، مثل: عزالدين المناصرة، ومحمود درويش، ومحمد عفيفي مطر، وسميح القاسم، ونزيه أبو عفش، ومظفر النوّاب، وسامي مهدي، وحميد سعيد، وحسب الشيخ جعفر، وإلياس لحّود، وممدوح عدوان، وأمل دنقل. وظهر في لبنان بعد ذلك (منذ 1974): محمد علي شمس الدين، وشوقي بزيع، وحسن عبدالله، وجوزف حرب.
ثمّ جاءت حركة قصيدة النثر منذ عام 1954 بصدور مجموعة «ثلاثون قصيدة» لتوفيق صايغ (فلسطيني من أصل سوري)، وهي الثورة الثالثة، التي جاءت «موازيةً» لحركة الشعر الحُرّ التفعيلي، ولم تكن تطويراً له. وروّادها في الفترة (1954-1984) بحسب موسوعة «ويكيبيديا»: 14 شاعراً هم: جبرا إبراهيم جبرا، توفيق صايغ، محمد الماغوط، شوقي أبي شقرا، أدونيس، أنسي الحاج، فاضل العزاوي، عزالدين المناصرة، سرجون بولص، بول شاؤول، سليم بركات، عباس بيضون، بسّام حجّار وصلاح فائق.
«الشكل الرابع» من الأنواع الشعرية، بعد (العمودي، والشعر الحر، وقصيدة النثر)، هو ما أسمّيه «الشعر اللهجي» الحديث، المرتبط باللهجات العربية الحديثة (خصوصاً في مصر ولبنان وفلسطين)، وقد كتبه: بيرم التونسي، ميشيل طراد، صلاح جاهين، أحمد فؤاد نجم، سيّد حجاب، موريس عواد، عبدالرحمن الأبنودي، طلال حيدر، فؤاد حداد، سعود الأسدي، صخر حبش، صلاح الدين الحسيني (أبو الصادق)، جوزف حرب، عصام العبدالله، الأخوان رحباني، سليمان عويس، عمر الفرّا وعزيز السماوي.
أما النوع الشعري الخامس، فهو ما أسمّيه «شعر الهجرة اللغوية»، أي الشعر الذي كتبه شعراء عرب بلغة البلدان غير العربية التي عاشوا فيها وكتبوا فيها غالباً باللغات الفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية):
وممن كتبوا باللغة الفرنسية: جورج شحادة، مالك حداد، بشير الحاج علي، فؤاد غبريال نفّاع، جورج حنين، إيتيل عدنان، ناديا تويني، جويس منصور، أندريه شديد، محمد خيرالدين، عبداللطيف اللعبي، الحبيب طنغور (لبنان، الجزائر، المغرب ومصر).
وممن كتبوا بالإنجليزية: نتالي حنظل ونعوم شهاب (فلسطينيتان)، وجون عصفور (لبناني).
وممن كتبوا بالإسبانية: محفوظ مصّيص (فلسطيني)، و11 شاعراً تشيلياً من أصول فلسطينية.
* الأشكال الخمسة
اعترض الرأي العام على الشعر الحر التفعيلي، وحاربه كثير من النقاد العرب منذ عام 1953 عندما تبنته مجلة «الآداب» البيروتية، وحتى عام 1967 (عام الكارثة)، لكن صعود الشعر الفلسطيني الحديث والمقاوم بفرعيه: شعر المقاومة في شمال فلسطين، وشعر الثورة الفلسطينية (1964-1994) مع شعبية شعر نزار قباني في الحب والوطنية، هو الذي ساهم في إيصال الشعر الحر الحديث إلى الشارع العريض، فحصل على «الشرعية الشعبية».
وهذا ما حدث مع قصيدة النثر منذ 1954، أي قبل ظهور مجلة «شعر» البيروتية عام 1957، التي تبنَّت قصيدة النثر، حيث حوربت لأسباب سياسية (التمويل الأميركي)، فقد كان رئيس تحريرها على علاقة بمنظمة حرية الثقافة الأميركية التي ثبت أنها مؤسسة من مؤسسات المخابرات الأميركية، لكن تمويلها المباشر كان عن طريق وزارة الخارجية الأميركية) عبر شارل مالك، وزير خارجية الرئيس اللبناني كميل شمعون، بعد أن انشق عدد من الشعراء، وانسحبوا من عضوية الحزب السوري القومي الاجتماعي، ثمّ انضموا لدائرة مجلة «شعر».
لكن إعادة الاعتبار لقصيدة النثر، بدأت مع ظهور بوادر «العولمة الجديدة» في النصف الثاني من الثمانينات، ومع سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات، حيث حدث الانفجار الكبير لقصيدة النثر، تحت شعار «ديمقراطية النشر»، فحصلت على شرعيتها الواسعة بحكم واقعها المادي، حيث صدرت آلاف المجموعات النثرية.
ورغم أن كتّاب قصيدة النثر قبل بداية التسعينات كانوا يخافون المشاركة في مهرجانات الشعر العربية، ويعلنون الرفض، إلا أنهم منذ منتصف التسعينات شاركوا بغزارة لا مثيل لها في مهرجانات الشعر العربية والدولية. وكُتبت عشرات الرسائل والأطروحات الجامعية عن قصيدة النثر، بل أقيمت مؤتمرات كثيرة عنها، فأصبحت هي السائدة والمسيطرة في الملاحق الثقافية للصحف والمجلات، ولم تعد مسألة شرعيتها موضع شك، وذلك على عكس ما حدث للشعر اللهجي، وشعر الهجرة اللغوية، حيث ما زالا شبه ممنوعين في الجامعات، باستثناء محاولات فردية لدعمهما، كما هو حال جامعة فيلادلفيا، حيث قمتُ بتعريف الطلبة بهذين النوعين الشعريين من خلال مادة «تذوّق النص الأدبي»، ومن خلال مادة «النقد المقارن».
وبعد أن اعترف الرأي العام الثقافي بـ «شرعية قصيدة النثر» بصفتها «جنساً أدبياً ما» كما وصفها محمود درويش، أو «نصاً تهجينياً مفتوحاً عابراً للأجناس»، كما وصفتُها عام 1997، ظل بعض كتّاب قصيدة النثر الضعاف، يثيرون معارك وهمية إعلامية مفتعلة حول مسائل الوزن واللاوزن، والإيقاع الداخلي والإيقاع الخارجي، وكان القصد هو أن تواصل قصيدة النثر حضورها «تحت الأضواء الإعلامية». لكنها كانت معارك «دون كيشوتية» لا قيمة لها، فقد قال الناقد المعروف إحسان عباس مثلاً، قولته: «لم أعثر على الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر». أما أطروحة جان كوهين فتقول: «قصيدة النثر تفتقد إلى البنية الصوتية».
لكن المقصود من الإيقاع الداخلي هو علامات الترقيم، وتشكيلات البنية الدلالية. فالنثر له إيقاع، واللوحة لها إيقاع، والفيلم السينمائي له إيقاع، لكن هذه الإيقاعات «غير منتظمة». كذلك «الرواية»؛ لها إيقاعات لكن لا قانون لها. إذن كل قصيدة نثر لها إيقاعاتها المتنوعة.
ومعنى ذلك أنّ تسمية قصيدة النثر بأنها «قصيدة لا وزنية» أو «قصيدة لا صوتية»، هو أمر خاطئ تماماً، لأن الوزن ليس العنصر الوحيد في درجات الشاعرية، ولأن الإيقاع الخفي في قصيدة النثر مثل «الجنّ الأزرق»، نشعر به، لكنه ذو «صوت خافت»، أو «مهموس» بحسب تعبير «محمد مندور». وبالتالي، فإن إطلاق صفة «شعر التفعيلة» على الشعر الحر العربي، وصفة «قصيدة اللاوزن» على قصيدة النثر، هو أمر خاطئ، يُقصد منه، وصف «شعر حقيقي» بالتركيز على عنصر واحد منه فقط!
كما أن صفة «اللاوزن» في قصيدة النثر ليست هي العنصر الوحيد في هذه القصيدة، فهي كتابة تعتمد «تشكيلات لغوية عاطفية ومجازية»، فاللغة والصورة هما اللذان يمنحان الشاعرية من عدمها بحسب ما أسمّيه «درجة السيطرة»، أو ما يسمّيه «جاكوبسون» (1919) «الهيمنة».
إذن، لم يَعُدْ النقاش مفيداً حول شرعية قصيدة النثر من عدمها، ومسألة «الوزن واللاوزن»، فقد أصبح النقاش بلا جدوى، إذ لم يقل أي ناقد في تاريخ الأدب العربي، أنّ ألفية ابن مالك في النحو، قد أصبحت شعراً، بل هي تبقى مجرد منظومة موزونة ضدّ مفهوم الشعر. أما الجدل حول هاتين المسألتين (الشرعية والوزن)، فهو جدل عقيم. لكنَّ المعروف المتفاهم على صحته، أن متعة الإيقاع، هي أحد العناصر الضرورية في الشاعرية.
إن قصيدة النثر «كتابة خنثى»، مثل الورد الجوري، لأنها تجمع بين الشعر والنثر، أي أنها (ذكر + أنثى = الإنسان الكامل) بحسب المرجع الأسطوري اليوناني. هذه الجملة فقط جاءت في تصريح صحفي لي، تعليقاً على تصريح صحفي لصديق العمر الزميل الشاعر محمود درويش، نشرته «أخبار الأدب» المصرية (9/2/1997)، وصف فيه قصيدة النثر بأنها «جنسٌ أدبي ما». وكان درويش قد نشر مقالاً نارياً في مجلته «الكرمل» (العدد السادس، 1982) تحت عنوان «أنقذونا من هذا الشعر!». أما في عام 1997 بعد نشر مقابلته مع «أخبار الأدب»، فقد زرته بمنزله في عمَّان، وحين سألته: «من هم ميليشيات قصيدة النثر! الذين ذكرتهم الصحيفة في المانشيت؟»، أجابني إجابة مفاجأة: «هم أصدقاؤك، كما هم أصدقائي»، وأضاف: «للأسف»، «ولا أخفي عليك، فهم يمارسون في صحفهم إرهاباً لا مثيل له». ثمّ أشار بإصبعه إلى كتلة من الأسماء المطبوعة في حوار «أخبار الأدب» معه، وقهقه ضاحكاً. وكان «الشاهد الحي» حاضراً، لكن درويش طلب مني ألا أقول هذا الكلام على لسانه.
وكنت قد قرأت أن ورود الليلك والجوري، «خنثى»، إلا أن بعضهم شنّ حملة ظالمة ضدّ كتابي عن قصيدة النثر المليء بأسئلة العقل والقلب، القابلة للحوار، حيث اختاروا كلمتين فقط «كتابة خنثى» من بين كل ما جاء فيه، وصبّوا جام غضبهم على هذا المصطلح - الاسم، الذي هو اسمٌ واحد من بين أكثر من 45 اسماً لقصيدة النثر. وتجاهلوا تصريح درويش، بل قاموا بتزويره، بتجميله نفاقاً لسلطة ما.
وكان تصريحي هذا في عام 1997، وفجأة ظهرت لأول مرة الترجمة الكاملة لكتاب «سوزان برنار» التي قامت بها راوية صادق (1998 و2000)، بعد ما يقرب من 40 عاماً من صدور الكتاب بالفرنسية. والمفاجأة الثانية لي، هي ورود مصطلح «الشكل المخنث» بلحمه وعظمه وشحمه في كتاب سوزان برنار (ص211؛ المجلد الثاني).
إن الالتباسات التي حدثت حول قصيدة الشعر الحر التي أضيفت لها صفة «التفعيلي» بالقوة. كذلك، الالتباس حول قصيدة النثر التي كُتبت على شكل سطر أو شكل فقرات نثرية، كان أول من صححه رائدُ قصيدة النثر جبرا إبراهيم جبرا عام 1959، في مقدمة ديوانه «تموز في المدينة»، ولكن لقد أصبح متفقاً عليه لدى الرأي العام الثقافي بأن الشعر الحرّ هو الذي كتبه بدر شاكر السيّاب ونزار قباني، فأصبح المصطلح عربياً ولد حُراً، وليس من المؤكد أنه مترجم عن الإنجليزية.
كذلك قصيدة النثر التي ذكروا لها ما يقرب من 45 اسماً، جمعناها من مراجع شتّى، هي بالفعل قصيدة نثر، إذا ما قرأناها «كما هي». أما مصطلح «الريادة» فهو مصطلح غائم، إذْ لا يمكن أن نُسمّي الإرهاصات «ريادة»، فالريادة هي «حركة المجموع حين تتحول إلى ظاهرة»، سواءٌ أكان ذلك بالنسبة للشعر الحر (التفعيلي)، أو قصيدة النثر (غير الموزونة).
لقد روَّجت جماعة مجلة «شعر» لنفسها جيداً، حيث اخترعت لها تاريخاً خاصاً بقصيدة النثر، وهو أن تاريخ قصيدة النثر بدأ مع أدونيس وأنسي الحاج (1960) عندما ترجم أدونيس المصطلح الفرنسي (Le poe›men prose) إلى «قصيدة النثر» نقلاً عن كتاب سوزان برنار. لكن تبيّن لاحقاً أن شوقي أبي شقرا هو من ترجم مصطلح «قصيدة النثر» لأول مرة في صحيفة «النهار» البيروتية (28/4/1959).
هذا من جهة ترجمة المصطلح فقط. أما عن الضجيج الإعلامي المصطنع حول أهمية مجلة «شعر»، فيقول رياض نجيب الريّس، سكرتير تحرير المجلة نفسها ما يلي: «يبقى دور مجلة (شعر) في الثقافة العربية، وهو في رأيي (دور مبالغ فيه)، دور اخترعه الذين كانوا خارج مجلة شعر، ودور عززّه أعداؤها لتكبير دورهم، ودورٌ ضخّمه الجيل الذي لم يعاصرها، دورٌ اصطُنع لها في عصر خَبَتْ فيه أنوار ثقافية كثيرة». و»مع نمو حركة الشعر الحديث، وتكاثر (الشعراء الجدد)، اصطُنع لمجلة (شعر) هالة لم تكن لها، ولا أعتقد أن مؤسسها طمح إليها أو أرادها. إنما أرادها شعراء الحداثة الجدد» (الريّس، كتاب «آخر الخوارج»، ص325).
إن تكرار تعبير «اصطُنع لها»، يؤكد أن هناك فاعلاً أو فاعليْنْ أو فاعلين، ليسوا مجهولين، وهم من جماعة «شعر» نفسها، هو، أو هُما، أو هم من اصطنعوا تاريخ المجلة «المبالغ فيه».
وبعد أن اصطُنع تاريخ عام 1960 لبداية مصطلح قصيدة النثر، شهدنا اصطناعاً ثانياً، وهو محاولة شطب ثلاثة أسماء، هم جبرا إبراهيم جبرا، وتوفيق صايغ، وأضيف محمد الماغوط (للتغطية)، من قائمة روّاد قصيدة النثر، والترويج بأنهم من كتّاب «الشعر المنثور»، الذي كان أمين الريحاني (1905) هو رائده.
وكان الذي وقف وراء محاولة الشطب، هم المستفيدون من الشطب من جماعة «شعر» نفسها. وقد سألت أحد المقربين من مجلة «شعر» عن المسؤولين عن الشطب، فوشوشني خائفاً، «هم: أدونيس، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا»، أي كتّاب قصيدة النثر من ذوي «الثقافة الفرنسية»، رغم حياد الماغوط، الذي لم يكن يعرف أيّ لغة أجنبية، لأن جبرا وصايغ فلسطينيان من ذوي الثقافة الإنجليزية.
هنا يُطرح سؤال استفهامي كبير: ما الفرق بين قصيدة النثر التي تسمّى «الشعر المنثور» عند أمين الريحاني، وبين قصيدة النثر عند الماغوط أو أنسي الحاج أو شوقي أبي شقرا، عند البحث عن خصائص الجنس الأدبي بشكل عام، وليس درجات التفوق أو الهبوط عند هذا أو ذلك، أو منظور كل كاتب للعالم على حدة. لقد كان الصراع بين الأشكال: (الشعر المنثور، الشعر الحر، وقصيدة النثر)، شكلياً، وشكلانياً، ولم يكن الصراع حول «منظور الشاعر» للعالم.
لقد ظهر قبل «قصيدة النثر» (1954)، نوعان من «الشبيه بقصيدة النثر» هما: النثر الفني، والشعر المنثور.
ويمكن تمثيل النثر الفني عند جبران خليل جبران في كتاباته: «دمعة وابتسامة» (1914)، وكما في كتابات مي زيادة مثل: «كلمات وإشارات» (1922)، و»ظُلُماتٌ وأشعّة» (1923)، لكن ميخائيل نعيمة، الذي درس في «السينمار الروسي» في فلسطين، يقول في مقدمته لأعمال جبران الكاملة (ص19) إن جبران نشر في صحيفة «المهاجر» بين 1903 و1908 مقالات من «الشعر المنثور» تحت عنوان «دمعة وابتسامة» جُمعت في كتاب صدر عام 1914. وكان جبران قد هاجر إلى أميركا عام 1902. وتميل نصوص جبران إلى إيقاع «الآية التوراتية الإنجيلية». والحق أن نصوص جبران، ونصوص مي زيادة أيضاً، يمكن تصنيفها بأنها «نثر فني» يشبه في شكله «الكتلة الطباعية النثرية العادية»، أو «نظام الفقرات النثرية»، وبما أنه كذلك، فهو «قصيدة نثر» في مرحلتها الأولى.
أما النوع الثاني الشبيه بقصيدة النثر، فهو الشعر المنثور. إذ صدر كتاب «تقوى» لنقولا فياض، الذي يُوصف بأنه «شعر منثور»، عام 1890. لكن شبه الإجماع النقدي يقودنا إلى أن كتاب «هتاف الأودية» (1910) لأمين الريحاني هو البداية الحقيقية لما أطلق عليه الريحاني صفة «الشعر المنثور»، بسبب وضوح خصائصه المطابقة لشعر الأميركي «والت ويتمان». وكتب علي الناصر مجموعتين هما: «قصة قلب» (1928)، و»الظمأ» (1931)، وهما من نوع الشعر المنثور. وكتب في هذا النوع حسين عفيف (من مصر) كتابه «مناجاة» (1933). وكتب علي الناصر وأورخان مْيَّسر كتابهما المشترك «سوريال» (1947)، وكتبت ثريا ملحس الشعر المنثور في كتابها «النشيد التائه» (1949)، وكتب خيرالدين الأسدي مجموعته «أغاني القبّة» (1950) ضمن هذا النوع.
فإذا كانت قصيدة النثر الحقيقية هي التي تتكون من فقرات، لا أشطر، على هيئة «الشعر الحر التفعيلي»، فما الفرق بين «قصيدة النثر» عند أنسي الحاج، و»النثر الشعري» عند جبران خليل جبران. أما «المنظور» عند الاثنين، فهو واحد تقريباً (إنجيلي توراتي). فهل الكتلة الطباعية الموزعة إلى فقرات نثرية، هي قصيدة النثر «الحقيقية»! أشك أن يكون المنظر الطباعي هو الذي يميز نوعاً شعرياً عن نوع آخر. أما ما أستطيع قوله جازماً، هو أن الشعر المنثور هو «الفصل الأول من مفهوم قصيدة النثر».
إذن، يمكن القول إن الشعر المنثور هو البداية الحقيقية لقصيدة النثر في مرحلتها الأولى، وبما أن الصراع كان قائماً حول الشكل وحده، وحول التسميات اللفظية، فإن قائمة أخرى من أسماء كتاب الشعر المنثور في الأربعينات، تضاف إلى الأسماء الأساسية (تيريز عوّاد، يوسف غصوب، حسين مردان، وغيرهم)، حيث تمّ تجديد الاسم ونقله من «الشعر المنثور» كما كتبه أمين الريحاني إلى مصطلح «نثر بالشعر» كما نشرته مجلة «حوار» اللبنانية، صاحبة الفضيحة السياسية في منتصف الستينات، وشقيقة مجلة «شعر» في التمويل الأميركي.
لكن ما يعنينا التأكيد عليه هو أن تعدد الأسماء لقصيدة النثر وتنوعها، لم يمنع توحّدها في المصطلح الشائع بالعربية «قصيدة النثر»، الذي نال الإجماع، بينما كانت الأسماء الأخرى مجرد تفريعات. أما شعراء قصيدة النثر في مجلة «شعر»، فهم مجرد «مرحلة» من مراحل تطور قصيدة النثر منذ الريحاني (1910)، فقد أصدر توفيق صايغ «ثلاثون قصيدة» (1954)، وأصدر جبرا إبراهيم جبرا «تموز في المدينة» (1959)، وأصدر محمد الماغوط «حزنٌ في ضوء القمر» (1959)، وأصدر شوقي أبي شقرا «أكياس الفقراء»، وأصدر أنسي الحاج «لن» (1960)، وترجم أدونيس، مصطلح «قصيدة النثر» (1960) في مقالته عن قصيدة النثر بحسب مواصفات سوزان برنار، وتلاه مقال أنسي الحاج في العام نفسه بحسب مواصفات برنار أيضاً.
كما تُرجمت أجزاء قليلة من كتاب سوزان برنار إلى العربية (زهير مغامس، 1993)، لكن الترجمة الكاملة لهذا الكتاب صدرت في مجلدين (1998 و2000) بترجمة المصرية راوية صادق لأول مرّة. وهكذا أصبح كتاب سوزان برنار مرجعاً لكتّاب قصيدة النثر العرب منذ عام 1960، والمفارقة المضحكة المبكية هي أنهم فعلوا ذلك قبل أن يقرأوا هذا الكتاب في الفترة (1960-1998)، حيث أصبحت سوزان برنار «قدّيسة لا يمسّها أحد بنقد سلبي». وتمّ كل ذلك في أحضان مجلتي «شعر» و»حوار»، وملحق صحيفة «النهار» الأدبي في بيروت، مركز قصيدة النثر العربية، وهي منابر ذات صفة إيديولوجية يمينيّة، طائفية أحياناً، متسترة بفلول المنشقين عن إيديولوجية الحزب السوري القومي الاجتماعي في مرحلته اليمينية في نهاية الخمسينات، رغم الصدقية التاريخية لهذا الحزب. لهذا انشق خليل حاوي عن هذا الانشقاق لاحقاً. ووصف محمد الماغوط (رئيس تحرير مجلة «شعر») يوسف الخال، بأنه «تشومبي الشعر الحديث». وأُعلنت فضيحة التمويل الأميركي للشقيقتين: «حوار» (المخابرات المركزية الأميركية)، و»شعر» (وزارة الخارجية الأميركية» في منتصف الستينات.
وهكذا بعد فترة الضجيج (1954-1964)، جاءت فترة الركود القاتل لقصيدة النثر (1965-1990)، ومنذ السقوط المدوّي للاتحاد السوفياتي، ومع صعود العولمة، وهيمنة الاحتلال الأميركي، عادت قصيدة النثر منذ أول التسعينات وحتى اليوم لتحتل «المقعد الأول» في خريطة الإعلام العربي المكتوب والمرئي، واختلط الحابل بالنابل، بسبب «ديمقراطية النشر!». وبحسب ما قاله الناقد المصري د.محمد عبدالمطلب في عام 2009، فإن قصيدة النثر «بلغت شيخوختها في شبابها».