زياد بركات : الكتاب اختزلوا "المخيم" ولم يروا فيه سوى البطولة

زياد بركات : الكتاب اختزلوا "المخيم" ولم يروا فيه سوى البطولة

حاوره: حسين جلعاد - القاص والروائي زياد بركات ان «الكثيرين اختزلوا الفلسطيني بالمخيم ولم يروا بالمخيم سوى البطولة»، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تزييف للوعي و«تغييب للفلسطيني كحالة انسانية، تفتقر الى الحب بمعناه الحقيقي والشامل» ويؤكد ان الرواية هي «بحث في الشكل ولعبة يتحرك من خلالها اشخاص يتبادلون الادوار».
وزياد بركات من مواليد دير البلح في غزة عام 1963 حاصل على بكالوريوس في آداب اللغة العربية من جامعة اليرموك عام 1987 ويكتب القصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي وقد عمل في الصحافة اليومية في الأردن والخليج ويعمل الآن في قناة الجزيرة الفضائية القطرية، وكان أصدر مجموعته القصصية الأولى «سفر قصير إلى آخر الأرض» 1995 وهو حائز على جائزة الدولة التشجيعية عام؟
- أصدرت مؤخرا كتابيك «نسيا منسيا» (رواية )، و«العشاء الأخير» (مجموعة قصصية)، وإذا بدأنا باستراتيجية العنوان، فإننا نلاحظ أن كليهما يحيلان إلى موروث ديني، فالأول يستدعي ذاكرة قرآنية، فيما يحيل ألآخر إلى تراث إنجيلي. ما هي فلسفتك في ذلك؟ ألا تخشى ذلك الاشتباك، أم أنك تطمئن إلى أن في متن النص ما يبرر تلك الإحالات؟
* في «سفر قصير إلى آخر الأرض»، وهي مجموعتي القصصية الأولى، لاحظ الشاعر زهير أبو شايب في مقدمته لها أن هناك تعالقا بينا بين النموذج الإسماعيلي، وهو قراني بامتياز، والنموذج المريمي في نصوص تلك المجموعة، وبالتأكيد لم يكن ثمة تقصد في إنتاج هذين النموذجين بل إن للأمر صلة بتكوين الكاتب نفسه. فأنت وان كنت تنفصل عن نصك، او هذا ما يفعله النص تلقائيا، إلا انك لا تستطيع رسم حد فاصل بين لا وعي الطرفين: الكاتب ونصه.
لا وعي الكاتب يسكن نصوصه بشكل أو بآخر، وفي المقابل تبدو لعبة النص أكثر ذكاء، فهو يسلب كاتبه أشياء كثيرة، وهو يحدد شكله وينتقي لا وعيه من كاتبه قبل شخوصه، قبل أحداثه وأمكنته، وذلك عبر اللغة. انه يفعل ذلك باطمئنان فيما هو ينفصل عن كاتبه.
يزداد الأمر سوءا والتباسا بالنسبة لي كون نصوصي تعتمد تقنية ألانا- الراوي، بمعنى أنها توهم بالتماهي مع الكاتب نفسه. وبالتأكيد فان هذا لا يعني ان النص هو الكاتب او العكس، بل يعني ان اللعبة هنا أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا. الكتابة هنا قناع يتلبس الوجه ويكاد يحل مكانه إلى الأبد، والتعقيد ليس هنا بل في اللعبة نفسها التي تجعل الكاتب يتوارى أكثر إلى الظل رغم أن نصه يوحي بغير ذلك.
لندع النص قليلا ولنتحدث عن الكاتب، بالنسبة لي يعتبر القران والإنجيل نصين مرجعيين أساسيين في تشكيل شخصيتي. في داخلي أنا شخص محافظ، انطوائي، مشدود إلى سحر الأديان القديم: السحر الأول وليس الطقوس أو العبادات.
شخصية السيد المسيح فتنتني عندما تعرفت إليها في الإنجيل: انه شخصية نادرة تكاد تكون حلمنا الأبهى عبر العصور، انه صورة النبي المثالية، وفي سنوات صعبة مررت بها في حياتي وجدت في شخصيته العزاء والسلوى اللذين كنت في مسيس الحاجة اليهما، وتدريجيا أصبحت العلاقة بيننا عاطفية فيما كان هو يتسرب إلى قاع روحي كمكون بنيوي.
وبالنسبة لسؤالك حول إذا ما كان ثمة ما يبرر ذلك في النص فانك تستطيع العثور على ما تريد في النصوص نفسها. «العشاء الأخير» كمجموعة وقصة مفردة تحيل إلى الحكاية الأولى، إلى يسوع في عشائه الأخير، أنها تتتبع النص الأول وتقتفي خطاه وتقترح تنويعا عليه: مقاربة معاصرة ربما، أو إن شئت قراءة ثانية له.
أما في «نسيا منسيا» فيمكن اقتراح عائشة كنموذج مريمي، وفي ظني أن كل ما في النص يبرر ذلك ويحيل إليه، غير أنني أحب أن أؤكد مرة ثانية أن ذلك لم يكن متقصدا، وان للأمر صلة بما سبق ذكره.
* تشكل روايتك «نسيا منسيا» علامة فارقة لم ينتبه لها النقد حتى الآن، واقل ما يمكن وصفها به أنها جريئة جدا وخطيرة، لجهة أنها ترسم صورة مفارقة لما هو شائع عن الكتابات التي مجدت الحالة الفلسطينية، فثمة مقابلة ذكية بين الوعي الاجتماعي «المحافظ» ا ن جاز التعبير- وبين هزيمة الوعي الزائف في البنى السياسية التي يفترض إنها تقود عملية ثورية، ففي مقابل قتل البنت في الجزء الأول دفاعا عن الشرف العائلي، فإن ثمة اغتيالا للحبيبة من قبل التنظيمات دفاعا عن شرف الثورة، والنتيجة: سقوط الوعي أو تجل آخر من تجليات الهزيمة؟
- «نسيا منسيا» وبعض قصص «العشاء الأخير» تعتبر بالنسبة لي، إلتفاتة متأخرة إلى فلسطينيتي. في بداياتي كنت مقطوع الصلة بفلسطينيتي، لم يكن الأمر يعني لي شيئا، بل ربما كنت أتحرك اوديبيا تجاه كل ما يحيلني إلى فلسطينيتي. كنت آنذاك امميا اضمر احتقارا للأوطان والقوميات، وما زلت كذلك ربما غير أن الأمر كان أكثر حدة في الماضي، أتذكر أنني كتبت نصا قاسيا جدا عن غسان كنفاني... سلبته فيه أية أهمية إبداعية، غير أن الحياة تعلمنا أشياء أكثر تعقيدا وأهمية من الأفكار: غادرت الأردن للعمل في الدوحة، وفي احد الأيام ذهبت إلى الصحيفة التي كنت اعمل فيها مشيا لتعذر توفر سيارة أجرة في ذلك الوقت. كان الحر شديدا، وصدف في ذلك اليوم ان صدرت رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس» ضمن سلسلة كتاب في جريدة، قرأت الرواية في الليل وأنا أقاوم رغبة جارفة بالبكاء، فنحن رمزيا وواقعيا لم نخرج من الخزان... أينما ذهبنا ومهما مرت السنون.
آنذاك استعدت فلسطينيتي، كتبت «خيام أهلي» و«جماليات آفلة»، وفيما بعد «نسيا منسيا»، كتبت عن بؤس الفلسطينيين في هذا العالم، عن ضياعهم الذي يبدو انه بلا نهاية وبلا اي معنى، عن بحثهم عن الحب والتفهم.
الأمر معقد يا صديقي، ذلك أن الكثيرين اختزلوا الفلسطيني في المخيم ولم يروا في المخيم سوى البطولة. كثيرون فعلوا ذلك ومن بينهم غسان كنفاني نفسه في روايته التبشيرية «أم سعد». لقد جرى تزييف الوعي وتغييب الفلسطيني كحالة إنسانية تفتقر إلى الحب بالمعنى الحقيقي والشامل، تفتقر إلى العناق العميق والصادق الذي يعني انك لست وحيدا وانه لا بأس فالأمور ستتغير، وهو ما لم يحدث للأسف، وساهم في هذا كتاب وشعراء وتشكيليون رأوا في المخيم، وهو أسوأ مكان يمكن أن يقطنه إنسان، احتياطيا دائما للأمل والبطولة والرغبة اللامتناهية بالتضحية.... الخ، الخ،
أي سخف هذا!! هل زرت مخيما في حياتك؟؟ اذهب إلى هناك حيث عشت أنا أكثر من ربع قرن لتعرف إنهم انحدروا بالفلسطينيين إلى درك الحيوانات البيولوجية، إلى فصيلة القوارض والقرود في مسعاهم الرغائبي هذا.
«نسيا منسيا» تقارب هذا الوعي الزائف وتسائله من خلال فتى بريء غير متورط في اية لعبة سياسية، ومن خلال براءته هذه نعاين تناقضات الحالة الفلسطينية.
ثمة قسوة في الكشط والفضح ربما، غير أن مرد ذلك وجود البراءة نفسها، فثمة بياض في الرواية يتمتع بقدرة فذة على استدراج السواد إليه وفضحه، والنتيجة هي الرغبة في الموت: هروب يائس،ربما، للخروج من مستنقع لا أمل فيه، ومن ليل أليل لا بقعة ضوء تتراءى في نهايته.
الرواية ببساطة التفات إلى الإنساني وقسوة في التخلص من الاستعارات المتعسفة والصور التي راكمها كثيرون وأنتجت تدمير البسيط في حياتنا والقفز من فوقه، الأمر الذي غيب الصورة الأصلية واحل مكانها صورة زائفة لا اعرف أنتجوها بكل هذه الجرأة والزهو، حتى أنهم نسوا أن الفلسطيني إنسان قبل كل شيء.
 * في روايتك «نسيا منسيا» قاربت في سردك حدود الحلم، حتى بدا أن الراوي في النهاية لا يكاد يتذكر فعلا أن كان شارك في قتل الفتاة ودفنها، كما وقد وتّرت اللغة تماما في الحديث عن قتل الحبيبة، فأوحت تقنيات السرد بهذيان متصل، هل أردت التقنع خلف اللغة؟ أم أردت لغة تفصح عن حالة الضياع واللاجدوى لراويك؟ ولمأساوية ما ترصده الرواية حقا؟
- دعني في البداية أحيلك إلى مقال معمق ولماح كتبه محمد عبيد الله عن الرواية. «نسيا منسيا» تبدأ بتساؤل- مفتاح وهو «هل حدث ذلك حقا؟» بعده عليك أن تتوقع أي شيء: الحقيقة والوهم، الصحو والمنام، الواقع والحلم.... الخ.
الرواية أيضا بحث في الشكل ولعبة يتحرك خلالها أشخاص يتبادلون الأدوار والصفات في اغلب الأحيان، فمن هو القاتل ومن هو البريء ما دام الشخص نفسه يقوم بالدورين على نحو يوحي بالحقيقة كيفما قلبت الأمر وكيفما نظرت إليه. ليس للأمر صلة بالذاكرة على أهميتها بل بالحقيقة نفسها، فهل حدث ذلك ام لا... هذا هو السؤال وعليك ان تتتبعه وسط ركام من الهذيانات والأحلام والالتباسات التي تفخخ النص وتبنيه وتشكل قوامه الفني.
شخصيا فإنني عندما قرأت الرواية مطبوعة أصبت بنفس الارتباك والضياع اللذين مر بهما من يمكن اعتباره بطل الرواية. فهو لا يعرف ماذا حدث فعلا رغم انه مر على الأقل بتجربة قاسية واحدة من التجربتين الكبيرتين في الرواية، وأنا لا اعرف أيضا ولا يعنيني الأمر، فما يعنيني في النهاية هو إنتاج الشكل وهو ما قمت به فيما أظن.
* ثمة ناظم أساسي بين عمليك الجديدين وهو أنك تضرب عميقا في أغوار التركيبة الاجتماعية، ولعل الأبرز في ذلك رصد حالة الشتات الفلسطيني عبر إحالات تفصيلية، هل تجد في ذلك شكلا ما من أشكال الالتزام؟ أم انه انحياز الكاتب لينابيع رؤاه الأولى؟
- لم اكترث يوما بالالتزام لا من بعيد ولا من قريب، الالتزام طرح بابتذال شديد في الأدبيات العربية، وبالتأكيد فانه أساء كثيرا لمتبنيه وجعلهم ينتجون نصوصا تبشيرية متواضعة المستوى... لم يعد لها وجود منذ زمن لحسن الحظ. الكتابة تبحث عن الينابيع واليها تتجه وترنو، وهذا ليس خيارا بل قدرا، فكل كتابة حقيقية لا تتجه سوى إلى الأعماق، إنها تكشط وتكشط وصولا إلى العظم وما تحته.
* تحتل المرأة جانبا أساسيا من عالمك الإبداعي وخصوصا فيما يتعلق بالوعي الاجتماعي الذي يرسم صورتها، هل تنصر لها فنيا ؟ بعد فشل مشاريع الأفكار الكبرى في الانتصار لها؟
- المرأة لا تعنيني فما بالك بالانتصار لها، غير أن نصوصي تبدو مشغولة بها على نحو يتعذر إخفاؤه. في «سفر قصير إلى آخر الأرض» هناك نموذج فاتن للمرأة: إنها نحيلة على نحو لافت... بعينين واسعتين وتيه وجودي يثير الأسى، إنها وحيدة وتبحث عن الحب دون جدوى، وثمة شحوب في الوجه يحيل إلى الموت والى الزوال السريع. هذا النموذج أساسي في كل أعمالي، وشخصيا لا اعرف كيف تسلل إلى نصوصي واحتلها وظل يكرر نفسه ويغير أسماءه فيها دون أن يتخلى عن جوهره.
نعم الأمر يبلبلني، وذات مرة كتبت نصا نثريا عن ذلك، عن تلك المرأة دون سواها، وسألتها من أين جاءت لاكتشف أنها قدمت من أعماقي. قالت لي إنني كتبتها وإنني تركتها وحيدة في هذا العالم، والترك هنا بمعنى الخذلان والخيانة وليس الهجران وحسب...... وربما يكون للأمر صلة ببغماليون الذي فتنني في سنين مضت، لا اعرف.
المرأة التي كأنها حلم، التي رغم هشاشتها تفتح عينين واسعتين صافيتي البياض وتنظر بهما إلى واليك والى العالم. المرأة التي تحتضن المشهد كله وتنتجه وتقع في النهاية ضحية له: هذه المرأة دون سواها لا تترك وراءها سوى هاتين العينين اللتين تنظران بهما إلينا والى العالم والى نفسها.
الأمر شبيه بالحلم، بلى انه حلم صاف: حلم يقظة يرسم نموذج ثم يحتار فيه فيضعه جانبا ساهيا عن آلامه ووحدته، وربما للأمر صلة بنساء حياتي اللواتي رأيتهن يدفعن ثمن تخلف المجتمع الذي عشن فيه وثمن خيانة الحب لهن... ربما، ربما.
* سؤالنا السابق يقودنا إلى الحديث عن شخصياتك الأخرى: ثمة مستويات واسعة ومتعددة من القمع الذي ترزح تحت وطأته، هل تسعى إلى تحريرهم عبر الفضح المتواصل لمستويات القمع المتعددة التي يرزحون تحتها؟
- أنا لا أسعى لتحرير احد، فهذا مسعى باهظ وترف لم اعد أتمتع به. في الماضي كانت لدي كبقية أبناء جيلي، تلك الرغبة النبيلة لكن البلهاء بتغيير العالم، غير أن تلك الرغبة سرعان ما اصطدمت بالواقع الصلد.  هذا على مستوى شخصي، أما على مستوى كتابتي فإنها مهووسة بالقمع ورصد آلياته المتراكبة في احد مستوياتها.
في «نسيا منسيا» ثمة تلك الضحية التي تسقط في اللاجدوى واليأس بعد تقاطع السياسي الأبله والاجتماعي المتخلف فيها وعليها، تلك الضحية لم تستطع للأسف الخروج على شرطها الخارجي رغم عدم تورطها في إنتاجه ورغبتها الجارفة بمفارقته والفكاك منه، الضحية في رأيي ليس عائشة ولا ماري-ان، بل الراوي نفسه الذي لا نعرف حتى اسما له، الراوي الذي لم يستطع بياضه مقاومة السواد المتكاثف حوله وعليه.
وليس للأمر علاقة هنا بالسياسي وحسب بل بانعدام الخيارات والوقوف اليائس أمام الجدار دون القدرة على تجاوزه، وإزاء ذلك ماذا يمكنك أن تفعل ككاتب؟؟؟ انك لا تملك سوى ان تكتب اذا توفر لك الوقت والرغبة.
* في بعض قصص «العشاء الأخير» تهدم جزءا من إيهام القارئ عبر الحديث عن الكتابة، حتى بدا انك تقدم «مانفيستو» حول ما تعنيه الكتابة لك، هل هو قناع آخر؟ أم انك توصل رأيك فعلا من خلال شخوصك؟
- في الحقيقة هذا موجود قبل «العشاء الأخير»، ففي «سفر قصير إلى آخر الأرض» هناك هذه اللعبة: كسر مسار السرد وإعادته إلى المؤلف وتعليقاته، وما يشفع أنني اكتب عادة بتقنية الأنا- الراوي المتورط في الأحداث إن لم يكن بطلها وبؤرتها. في «العشاء الأخير» وتحديدا في قصة «جماليات آفلة» هناك ظلال من حياة الكاتب نفسه في القصة، والى حد كبير هناك أحداث حقيقية تخصه وأراء يتبناها وأماكن عاش فيها، كما أن هناك الكثير من احتمالات الكاتب الوجودية ومن خيالاته إن شئت... لماذا؟ لان رؤية تلك القصة غنائية.
الرؤية هنا هي البطل، وهو ما لا يمكن أن يتضح دون إحالة الكتابة والأحداث إلى الأنا، أحداث القصة ذات صلة بالغنائية كرؤية، برؤية الكون من خلال لونين (الأسود والأبيض)، وحتى القتل في القصة فانه يندرج في رؤية القاتل ومن ورائه المجتمع وقيمه في مرحلة غنائية مر بها.. وهي رؤية لم تستوعب علاقة فتاة بشاب بعيدا عن الإثم الذي يستوجب القتل.
تشابك الأحداث في تلك القصة رغم تنافرها الظاهر سرعان ما يصب في هذه الرؤية، لأنه ببساطة يتحرك داخلها وبسببها: عبد الحليم حافظ والحب الصافي، زمن الاسطوانات وإغماض العينين مع الأغنية، الفقر والبحث في جمالياته إن وجدت للتخفيف من وطأته... الخ، كل ذلك يجعل من الطبيعي أن يتحدث الأنا- الراوي عن نفسه وعن مفهومه للكتابة وآرائه فيها، ليتماهى ذلك مع تأثير أغنيات عبد الحليم في معجبيه.
الكتابة بالنسبة للانا- الراوي بحث في الذات عن الطفولة وعن الحب المفتقد فيها، وكذلك تأثير عبد الحليم الذي يتسرب إلى القاع ويذهب بعيدا في الروح واللاوعي ويشكله. هذا التوازي ما بين رؤية الأنا- الراوي للكتابة وتأثير عبد الحليم يبرر الرؤية الغنائية التي تنتظم أحداث القصة.  وليس ثمة قناع هنا بل عدة أقنعة، كأنك تدفع الأنا- الراوي إلى الواجهة ليروي نفسه، وهو هنا يتحدث بما يشبه الاعتراف وفي لاوعيه ولا وعي نصه يحرك الخيوط بعيدا عنه، فهو مثلا يرجىء عملية القتل ويحاول التحايل عليها، وذلك بالحديث عن جماليات عمله وآرائه بالكتابة. آراؤه في المناسبة هي آرائي هنا، وبعض الأحداث التي يرويها تخصني. وهذا يعني أن القناع ربما أصبح هو الوجه نفسه، لكن كيف لك أن تعرف خاصة أن الكتابة ككل ليست أنا ولا تخصني في المحصلة إلا كشكل فني.
هذا هو الأمر، ولا علاقة له بأي مسعى لإيصال رأيي من خلال شخوصي، خاصة أنني كنت احد شخصيات القصة واحد أدوات الكاتب، وهو ما يضاعف القناع رغم إيحائه بأنه يزيله.
* ما هي الأسس التي اعتمدتها في تصنيف عملك «نسيا منسيا» باعتباره رواية مع أن حجمها يوحي بأنها قصة طويلة ؟
- لا توجد أية أسس، ف«نسيا منسيا» بالنسبة لي هي رواية قصيرة، وفي حال رآها البعض قصة طويلة فهذا شانه ولا يغير ذلك من الحقيقة شيئا، فهناك كتابة اسمها «نسيا منسيا» لا يضيرها ولا يهمهما ربما أن كانت رواية أو قصة، الأمر سيان.