القراءة الثقافية وتوليد النسق: الخطاب النقدي مثلا

القراءة الثقافية وتوليد النسق: الخطاب النقدي مثلا

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 22-10-2004

د. يوسف محمود عليمات - لم يعد الخطاب الأدبي في منظور الدراسات الثقافية Cultural Studies مجرد بنية لغوية مشحونة بالشيفرات الجمالية، والمحمولات الدلالية، والقيم الاستعارية الناجزة كما تجلى ذلك في اعراف جل المدرسيات والنظريات النقدية، وانما اصبح الخطاب الادبي يشكل حادثة ثقافية ذات معطيات فكرية وخلفيات معرفية وتاريخية وحتى مؤسساتية قادرة على استيعاب الانساق الثقافية المضمرة والمسكوتات الخطابية الدالة في البنى النصية.
وتأسيسا على هذا التصور، فان القراءة الثقافية للنص تمثل منهجية جديدة في الاجراء النقدي ترتهن في تحصلها على امكانات الفحص القرائي للمضمرات النسقية المتوارية خلف ستار الاستاطيقي وتشكلاته الممكنة. اي انها قراءة كما يقول غرينبلات S.Greenblatt تسعى الى استعادة القيم الثقافية التي امتصها النص الادبي.
ولا شك في ان هذه القيم الثقافية التي يشير اليها غرينبلات لا تغفل الاثر الكبير الذي تؤديه الثقافة في بناء الخطاب، بحيث يصبح النص الادبي ممارسة ثقافية تلتفت الى متغيرات حياتية وسياقات تاريخية وبنيات ضدية: جماهيرية/هامشية ذات مستويات مختلفة.
وبناء على دراسة عدد من النقاد الغربيين مثل رايموند ويليامز، وريتشارد هوقرت، واي.ب.ثومبسون، وآلتوسير، فان القراءة الثقافية تركز على الكيفية التي يضمر فيها النص الصراعات اللامتناهية ايديولوجيا.
وقد توصل دارسو عصر النهضة والدراما الشكسبيرية وكذلك نقاد ادب العصرين الاليزابيثي والفيكتوري الى ان التخمينات الجمالية في النصوص الادبية تمثل تشكيلا فاعلا في اضمار الانساق الدالة على مظاهر وجود المقاومة القوية، وانبثاق الطبقات الاجتماعية، وسلطة الرهبان، وكذلك مظاهر التمايز الثقافي والسياسي والقومي.
فالقراءة الثقافية، اذن، هي قراءة نصية متسائلة ذات سيرورة منفتحة تفيد من معطى التشكيل الجمالي ولا تتجاوزه، مثلما تتخذ من التأويل اداة لكشف مسكوت الخطاب والعيوب الثقافية التي يضمرها الخطاب بفعل تجلياته الجمالية.
وهي بهذا المفهوم الذي نجترحه، تسهم في اعادة الحياة الى النص الادبي بعد ان اعلن بعض منظري النقد الثقافي Cultural Criticism موت النقد الادبي ومقولاته الجمالية وولادة النقد الثقافي، مثلما تعيد في الآن نفسه الحياة الى المؤلف بعد ان اعلنت البنيوية موت المؤلف The Death of the Author وتركت الدارسين في جدل محتدم ونام لوقت غير قليل. فالمؤلف في فلسفة القراءة الثقافية يعد ناتجا ثقافيا قادرا على فهم وظائف الثقافة، ومن ثم قراءة الانساق الثقافية ومراوغاتها داخل الخطاب الادبي، ولذلك فان معرفة تكوينه الثقافي، وحضوره الطبقي والاجتماعي، وكذلك حيثية علاقاته وتماساته مع المؤسسة الايديولوجية او السلطة الفكرية التي ينتمي اليها تضحي من الضرورة بمكان لابراز الابعاد الثقافية في الخطاب الادبي.
وانطلاقا من هذا المفهوم الجديد للقراءة الثقافية، فاننا نلحظ الثقافة تمثل قطبا حيويا في تشكيل الخلفيات المعرفية والجمالية والتاريخية.. عبر تقاطعها مع الثالوث المعهود المؤلف والنص والمتلقي، لانها - اي الثقافة، كما اشار غرينبلات في كتابه «عصر النهضة»، تجسد نظام صياغة الذات من خلال الاشارات، وعندما نتحول الى قراءة نتاجنا الادبي قديمه وحديثه قراءة ثقافية سابرة، فسنلحظ ان مدوناته الاساسية، نقدا وشعرا ونثرا، كانت مكمنا لاضمار الانساق الثقافية المخاتلة، والمسكوتات النصية التي غفلت عنها القراءات النقدية سنين عددا.
نقرأ في خطاببنا النقدي القديم، مثلا، قصة نقد النابغة الذبياني للخنساء، تلك التي جاءته عارضة عليها شعرها وقد نصبت له خيمة في سوق عكاظ، فبادرها بقولته السائرة: «والله لولا ان ابا بصير (الاعشى) انشدني آنفا لقلت انك اشعر من في السوق».
لقد اخذت هذه العبارة في الدرس النقدي مثلا على النقد الانطباعي التذوقي بوصفه مرحلة من المراحل التي مر بها تطور نقدنا القديم، على الرغم من انها تشكل جملة ثقافية تحمل في جوانيتها عيبا ثقافيا لم يجرؤ النقد على البوح به.
فالنابغة - السلطة النقدية هنا يتمكن بنجاح فائق من اقناع الخنساء، ومن ثم اقناعنا نحن المتلقين بان الخنساء/الشاعرة الانثى هي افضل شعراء السوق لولا اسبقية الاعشى/الشاعر الفحل عليها.
ان هذا النقد الذي وصفناه بالذوقي - الانطباعي يبدو من منظور القراءة الثقافية نقدا ذكيا واستعلائيا يكرس فيه الناقد سياسة ثقافية ما كانت سائدة وقتئذ في مجتمعه، وهي سياسة تنبني في اساسها على مبدأ الجذب والاقصاء. فالنابغة - صوت الثقافة في هذه الجملة - يقمع الصوت الانثوي الدوني ليكون هامشيا مجردا من الصدى والحضور وينتصر للصوت الفحولي الذي يهيمن بدوره على السوق النقدي.
فهذه الجملة الثقافية تصلح لان تكون نموذجا مبسطا لمسكوتات كثيرة حول الادب النسوي Feminist Literature  في ثقافتنا العربية منذ الازل وحتى عصرنا هذا.
لقد سار الابداع العربي عبر مسيرته الطويلة في فضاء مرجعيات ذات صبغة سلطوية حاكمة دينية وسياسية، واخلاقية، وعرفية، ومذهبية، وادبية وثقافية.. الخ. وهذه السلطة تشكل بطبيعة الحال قوة جوهرية تسير كل التجارب الانسانية، مثلما تتوق الى فكرة الهيمنة والحكم حسب تعبير فوكو. وقد ادت هذه المرجعيات في نهاية الامر الى اصطناع مفهوم السلطة الابوية Patriarchy من خلال ممارساتها الصارمة من جهة، واتخاذ هذه الصلاحيات الحادثة اداة فاعلة لفرض هيمنتها وترسيخ مفاهيمها من جهة اخرى.
ويمكننا تمثل هذه المفاهيم الناتجة عن سلطة المرجع في الثقافة العربية في ضوء اختزالها بالثنائيات التالية التي تمثل في حد ذاتها قوى متصادمة: الفحولة/اللافحولة، الرجل الناقد/المرأة الناقدة، الطبع/الصنعة، الدين/الفلسفة، شاعر البلاط/شاعر الشعب، ادب الخواص/ادب العوام، القدامة/الحداثة، التقديس/التكفير... وهكذا دواليك.
ان القطب الثاني في هذه الثنائية ينتمي، والحال هذه الى مفهوم المسكوت عنه في ادبيات الثقافة العربية، وهو مفهوم قمين بالمراجعة والفحص القرائي من قبل النقاد والباحثين.
وبالفعل فقد تجلت سلطة هذه المرجعيات في كثير من الشواهد والنصوص التي ما يزال خطابنا النقدي يحتفي بها. فالناقد المختلف يدرك جيدا طبيعة الهجوم الذي اثاره المحافظون القدماء على ابي تمام وتجربته الشعرية الحديثة بوصفها انتهاكا لسلطة العمودية «نظرية عمود الشعر» وتجاوزا للسنن المألوفة في لغة العرب، فاتهم ابو تمام بالفسق والتهاون بالصلاة وعبادة اللات والعزى.
ولذلك، فان محاولات التهميش والتشويش طالت شخصية ابي تمام مثلما اصابت طريقته الشعرية في التجديد، والتي كشفت القراءات الفاحصة فيما بعد انها تدور في فضاء مصطلح العمودية التي تبنته السلطة الناقدة آنذاك. فهذا ابن الاعرابي، وهو احد علماء اللغة، يقف موقفا مناهضا لمشروع ابي تمام في اكثر من شاهد نصي، فهو يقول مثلا في شعر ابي تمام: «ان كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل»، ولكنه يناقض نفسه، على سبيل المثال، عندما قرأت امامه ارجوزة لابي تمام وادعي انها لأحد شعراء هذيل، فنلحظه يعجب بها ايما اعجاب بكتابتها، بيد انه عندما علم بانها لأبي تمام لم يزد عن قولته الذائعة «خرق، خرق» شيئا.
ولعل اهم الحيل التي مارستها هذه المرجعيات في خطابنا النقدي تتمظهر في اجراء سياسات الاشاعة والاضطهاد والتكفير. وهي دون ريب ممارسات سالبة ادت الى وأد كثير من المصادر المهمة في تراثنا النقدي والفكري، كما غضت الطرف عن البعد القيمي الثقافي لهذه المدونات. هذا ما حدث، بطبيعة الحال، مع الشعراء المغمورين، وما حدث فعلا مع ألف ليلة وليلة عندما روجت السلطة الاخلاقية ان من يقرأ هذا النموذج الادبي سيصاب بالصلع وربما يواجه صنوف العذابات واللعنات في حياته، فاغفلتنا هذه السلطة عن العناية اللائقة بهذه الليالي الذي اولته الثقافة الغربية اهتماما  عظيما منذ ان ترجمها انطوان جالان عام 1704، وهذا الامر ينسحب بكليته على صورة التعامل السلطوي مع الخطاب السردي في الثقافة العربية.
ومن امثلة الاضطهاد والتكفير في ثقافة المرجع ما حصل تاريخيا مع اعلام بعينهم بحجة تدنيس المقدس، كما في حالة ابي تمام، وابي العلاء المعري، وابي حيان التوحيدي، وعبدالله الغذامي، والسهروردي، وطه حسين، وادونيس، وميسون صقر، وفاطمة المرنيسي، ونصر حامد ابي زيد، وحيدر حيدر.. والسلسلة تطول.
وتؤكد هذه الرؤية الآنية ان عملية القراءة الثقافية ليست مقصورة على فن القصيد وحده، بل ان في خطابنا النقدي فنونا نثرية لا حصر لها: كالمقامة، والقصة، والنادرة، والخبر، وحكايات الشطار والعيارين وعقلاء المجانين، والسير الشعبية، والرواية.. الخ، تحمل في بنياتها العميقة ابعادا ثقافية نامية يمكن ان تضيء للمتلقي كثيرا من المسكوتات الخطابية، التي تسمح لنا باكتشاف تصورات جدية حول اشكاليات خطابنا النقدي وتحولاته النسيقة في المراحل التاريخية المختلفة، شريطة ان لا نركن الى التسليم ببراءة شعارات هذه المرجعيات التاريخية وطروحاتها، اذ ان الوقوع في دائرة سحرها وجمالياتها بشكل مطلق سيسلمنا، لا محالة، الى ثقافة الاجترار.

* استاذ في الجامعة الهاشمية

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }