رسالة لمستقبل أفضل

رسالة لمستقبل أفضل

الجمعية العامة للأمم المتحدة هي أرفع محفل إنساني وتستقطب اهتماماً واسعاً لأنها تمثل عرضاً للتحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية، بعض الزعماء يعتبرونها فرصة من أجل تحقيق مكاسب سياسية محدودة ومرحلية، وقلة تعتبر مجرياتها فرصة مهمة للحديث بشفافية وشجاعة بما يتخطى الجزئي والتفصيلي ويصب في بناء رؤية من أجل مستقبل أفضل للإنسانية.توجه الملك إلى مقر الأمم المتحدة ومعه العديد من الملفات، ويبدو أن الملفات الخاصة بالوضع الأردني العام كانت شاغلاً رئيسياً في الأنشطة على هامش أعمال الجمعية، وأتى أهمها في اللقاء مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ورئيس البنك الدولي، وهي تعتبر استكمالاً للمباحثات التي بدأت في زيارة كاميرون الأخيرة للأردن في منتصف أيلول، وتتسق مع الرؤية البريطانية حول أولوية مساعدة دول الجوار المضيفة للاجئين السوريين للحد من الهجرة الواسعة وغير المنظمة لأوروبا.صعد الملك إلى منبر الأمم المتحدة بخطاب يرتقي للتحديات الكبرى أمام الإنسانية، وقدم نفسه بوصفه ممثلاً للأردن وإنساناً وأباً لأسرة يتمنى لها أن تعيش مع الجميع في عالم يسوده السلام والمحبة والرحمة، وبذلك أتى الخطاب مغايراً لما توقعه البعض من اقتصاره على عرض التحديات التي يمر بها الأردن أو الإقليم بشكل عام، ليكون رسالة من دولة استطاعت أن تقدم نموذجاً للتسامح والتعايش في المنطقة الأكثر سخونة في العالم اليوم، وليتخذ الخطاب صبغة المواجهة مع خلل المفاهيم الذي يصرف التركيز إلى أعراض المشكلة دون أن يلمس أسبابها.أتى الخطاب الملكي ليركز على ضرورة تأسيس خطاب للمواجهة الفكرية ومحاربة لغة الكراهية التي أخذت تستوطن في عقول الأجيال الجديدة، وللأسف وجدت مجالاً خصباً لتنمو وتتوسع من خلال التكنولوجيا التي يفترض أن تقدم حلولاً لقضايا أكثر أهمية وإلحاحاً على أجندة الإنسانية مثل محاربة الفقر والجوع والمرض.يلفت الملك الانتباه إلى ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة وبناءة في مجال التقنية، وبينما تستثمر الدول المتقدمة عشرات المليارات لتجهيز البيئة المناسبة والبنية التحتية لإنترنت الأشياء الذي سيشكل نقطة تحول نحو إعادة تعريف مفاهيم مستقرة مثل العمل والتفاوت الاجتماعي من خلال ما يتيحه لمواطني الدول المتقدمة من حلول حياتية ذكية، فإن الملك يطالب باستثمار في انترنت الإنسانية حيث يمكن تعزيز التواصل بين جميع الشعوب بطريقة تفاعلية من شأنها أن تزيح جانباً سوء التفاهم القائم والذي يشكل أرضية تحتضن جذور خطاب الكراهية والعنف.إن خطاباً ملكياً على هذا المستوى يعيد للأذهان تصريحات غاضبة أطلقها الملك ضد من يتصيدون في الماء العكر ويشيعون خطاب الكراهية في المجتمع الأردني، وعلى الحكومة أن تتخذ ما يلزم من إجراءات صارمة من أجل إنهاء هذه الحالة، فالملك يعرض رؤيته أمام العالم ويقدم الأردن بوصفه نموذجاً متقدماً على الإقليم في درجة التعايش والانفتاح المجتمعي، ويجب أن يجد ذلك ترجمة في إطار استكمال القوانين اللازمة من أجل محاصرة خطاب الكراهية وتفكيكه مع تقديم الدعم اللازم للإعلام من أجل أداء دوره وترجمة ذلك كله في مناهج التعليم، ولا طائل من وراء التأجيل أو التسويف أو التذرع بالمبررات التقليدية والمحفوظة، فخطوة جريئة يجب أن تتخذ بالسرعة الممكنة.ذلك لا يعني أيضا الاستمرار في الإصلاح السياسي وفتح قنوات التعبير المختلفة ضمن بيئة محددة ومعروفة توضح حدود حرية التعبير وتصونها، وتفوت الفرصة على المخربين الذين يجدون مجالاً لأنفسهم في ثغرات القوانين والإجراءات المرتبطة بذلك.بقاء الحكومة في موقعها، ومعها مجلس النواب أيضاً، يأتي من التزام ملكي بالإصلاح السياسي، وتعبيراً عن (الصبر الجميل) لإفشال فرص إحباط تقدم عملية الإصلاح تحت دعوى التغيير المتواصل وعدم منح الفرصة الكاملة، والملك لا يتحدث في تفاصيل أو جزئيات تستبقي الحكومة بضعة أسابيع أو أشهر إضافية، ولكنه يتحدث عن منهج متكامل وشامل، ويجب على الحكومة أن تمنحه كثيراً من اهتمامها، والملك الذي تحدث قبل فترة وجيزة من خيمة عربية في محافظة إربد يعيد الرسالة مرة أخرى من الأمم المتحدة، فالخطاب يتصف بالوحدة الموضوعية ووضوح الرؤية، وعلى كل مسؤول أن يجد لنفسه دوراً في إطاره أو أن يتيح الفرصة لمن يمكنهم تطبيقه وترجمته خاصة أنه خطاب أتى من الملك بوصفه الإنسان والأب الذي تحدث من القلب بما يشاركه فيه الأغلبية العظمى من الأردنيين لإعطاء أبنائنا فرصة أفضل في المستقبل.

يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.