عقاب العجرمي .. ليلة انتحار العاشق 2

عقاب العجرمي .. ليلة انتحار العاشق 2

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:00 15-9-2015

أبواب-مفلح العدوان

وترها الوحيد، صار أكثر وِحْدة..
 تلك ربابتك، يا عقاب، هي التي كنت تحنو عليها بأصابعك، ترافقك أينما حللت، وفي الليل، تجرّ أحزانك عليها.
تلك ربابة عقاب، ماذا حلّ بها حين غاب؟ وكأني أراها لحظة رحيله وهي تئن عليه، يرافقها شجن يكاد ينطق لحنا بكائيا دون أن تمس الربابة أية يد، وبلا صوت يناجي الوتر.

«أنين الربابة:
حمام ياللي تزعج القلب بلحون»
قبل أن أكمل سرد حكاية عقاب العجرمي، تستوقفني ربابته التي كانت تنبض بين يديه؛ القوس بيد، وباليد الأخرى يمسك الهيكل كأنه عمود من نار القلب، بينما «الطارة» بخشبها والجلد عليها، ترقد ساكنة في حِجره، و»العسيب» وتر حائر بين جراح الربابة وأنين قوسها، وهو يحمل ميراث الصهيل من شعر تلك الفرس التي انتُزع من ذيلها هذا «العسيب» .. تلك الربابة، ماذا حلّ بخشب «الكراب»، و»الغزال» فيها، وما هو حال «المخدة»التي تسند وجع الوتر.
تلك الليلة، حين غابت أنفاس عقاب، ورحلت روحه إلى جنان بارئها، كانت الربابة وحدها، تعيد عزف أنين قصيدة كتبها بتاريخ 17/3/1978م، قبل انتحاره بأشهر.. يتحرك القوس على وتر الربابة، يستحضر عقاب العجرمي، وهو يجر على الربابة، وصدى صوته بالقصيدة يأتي:

«حمام ياللـي تـزعج الصـوت بلحــون
 نـوحـــك طـرب مـاانتــه مثيلـي معنــــا
يـا الــورق نـوحـك زادنـي هـم واشـجــون
  ارجيــك خــفـف لـــوعتـي لا تـغـنـــــــا
انـتـه مـريـح وبـيـن غــــدران واغصـــون  
وانـا عـلـيـل وخــاطــري ماتـهـنــــــــا
مـا يـجتمـع يـاالـورق سـالــي ومشطـــون
  كــــف النيـــاح اجــزيك بالخيـر عنـــا
يـا الـورق انــا واللـه فلانــي بمجنـــــون
  يـــوم اشـتـكـيـلـك حــالتـي وتمنـــــــــا
انـــا اشـتـكـيـلـك واكـثـر الـنـاس يشكـون  
ومـن صوبــــه ســهـم مـن الحـب ونــا
انــا عـلـيـل الحــال يـا اللـي تعـذلــــــون  
مـا ارتـحـت سـاعــه من سـنين مضنــا
ابـكــي عـلــى نـــاس مـن الحـزن يبكــون  
حـــدر ظـعـنـهـم يـــوم سنـــد ظعنــــــــا
وقفـــت اراعـيـهـم وهـم لـي يــراعــــون  
ودمـــوع عينـي حــدرن واسـبـلنــــــــا
اقـفـوا وهـــم فــي كـــل خطــوه يلـــدون  
وحسبــي علـــى مـنهـو علـيـنــا تجنـــا
وعــودت كـنـي بـيـن الاضــلاع مطعــون
 مـثـل الــذي صــوب بــراس الـمـحنـــا
وبـقـت لـي الــذكـرى عـسـاهـم يـعـودون
وصــورة خـيـالــه فـي خـيـالـي تبنـــــا
حسبـي علـى دار جـفـت صـافـي اللــون  
امـسـت قـفـر مـا كـنـهـا مـن وطنـــــــا
صــارت كـمـا الاطـــــلال للــي يـمــرون  
ارض خــــلا مـمـرهـا مـــا تــونـــــــــا
مــا عــاد فـيـهـا غـيـر كـثـبان واحـزون
ومـــا حـولـهـا الا الــريح هـدم وبنـــــا
هــي عـــادة الدنيــا علــى كل مفتــــون  
عــاداتـها بـالـنـاس يــاما سـطنـــــــــــا
ومـــا دام هـذي سنـة الــرب في الكون
يـلـزمنــي ارض قسمتـــي مــا تـعـنـــــا
تمضــي ليالــي العـمـر والسـد مكـنـون  
اجـحــد صــوابــي والسـنـيـن ارمسنــا
واخفيـه مـا ودي بـه الـنـاس يـــدرون  
وراعـــي الـهـوى المـجروح ما يرجهنا
واسـهـر بـلـيـلـي والـخلايـق يـنـامـون  
واكتـب بـدمعــي والشعــر كــــل فنـــــــا
والصبـح حالـي فيـه من دون في دون  
يـنحانـي الهاجــوس مـنـا ومـنــــــــــــا
لـولا الـرجا بـالله قـوي ومـا مـــــــون  
لامـوت مـــن هــــم حملـتــه مـثـنـــــــــا
مـيـتـة جزع والله ترى الموت مسنون  
عـلـم ثـبـت مـا بـيـه هـقـوه وظـنـــــــــا».

تداعيت الذاكرة
نزيف الحكاية يستمر، ودم السيرة العطرة لعقاب العجرمي، مداد ما تبقى من مدونة الكتابة عنه، ويستمر البوح:
تعتبر فترة دراسة عقاب العجرمي في الجامعة الأردنية، مرحلة مهمة ومفصلية في حياته، وقد كانت له صداقات كثيرة فيها، وكذلك خارج أسوار الجامعة، وحول تلك المرحلة، أسجل هنا أنه وصلتني رسائل عن تلك الفترة، كما أنه تم تدوين على صفحات الانترنت، بعض الالتقاطات التي محورها عقاب العجرمي من بعض أصدقائه، وزملائه الذين عاصروه في تلك الفترة، حيث يقول الأستاذ الكاتب محمد المشايخ، في رسالة لي حول عقاب، وكان معه في الجامعة: «كنا زملاء في قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية»، وفاجأنا عقاب العجرمي بانتحاره بعد التخرّج.. ما أذكره عنه أنه كان في المرّات التي يرى فيها حبيبته في مبنى اللغات في كلية الآداب في الجامعة الأردنية يـُغمى عليه، ولا يستيقظ إلا إذا لجأ أصدقاؤهما المشتركين من الطالبات والطلبة لإحضارها لإيقاظه، ولم تكن تحضر بسهولة، كانت خجولة جدا..وأذكر أيضا أن الأستاذ الدكتور نصرت عبد الرحمن، في أحد الأيام، أعطانا امتحانا مفاجئا في البلاغة، وكان الامتحان صعبا جدا، ورسب معظم الطلبة، ورفض الدكتور نصرت إلغاء الإمتحان، أو إجراء امتحان بديل.. وبعد أيام، وفي حصّة البلاغة المقبلة، كتب له عقاب قصيدة شعبية ملأت اللوح.. ولما دخل الدكتور نصرت، وقرأها، تأثر بها كثيرا، وألغى الإمتحان ونتيجته، وأجرى لنا امتحانا بديلا غير مفاجئ..وهكذا أنقذنا عقاب رحمه الله، من تلك النتيجة السلبية..والمؤسف أن الدكتور نصرت، وقد كان شاعرا ايضا، قد انتقل إلى رحمته تعالى بعد رحيل عقاب بسنوات».
أما الأستاذ الدكتور سامح الرواشدة فيكتب معلقا: «رحم الله عقاب العجرمي، نستذكره فنعود إلى صورة الفتى العبثي، الذي كان يرتدي اللباس البدوي، والربابة مركونة على كرسي سيارة المرسيدس اللامعة، وهو يعتمر الكوفية البيضاء، ويلقي على كتفيه العباءة السوداء. كنا نتحلق حوله، وهو يقرأ من شعره، أو يروي بعض تجاربه. كان حالة فريدة لا تستطيع ان لا تتوقف عندها.. رحمه الله».
ويكتب معاذ العمران الشريقيين العجارمة قائلا: «السلام عليكم ..سلاماً لغائبنا في عقرِ مسلمِنا؛ سلاماً لعوادٍ و عمراناً و بري. وأخرى لحسباناً وأخر لجمعتنا ‹، وقلباً تسامر في ذكرِ ما يدري؛ وفيضاً بما نسكن وسُكنى لضِيفتنا؛ سكنى تماحي في ذِكرنا النثري؛ فهل يُبترُ العِضدُ والكُل يعرفنا›، وهل من هواءٍ ونحنُ قفصهُ الصدري!! رحم  اللهُ ‹عقاب العواودة› وأخلد فوح ما أسلف..»

بيت أدب وشعر
نستكمل سيرة عقاب العجرمي، وبيئته التي عاش فيها، إضافة الى مرحلة ما بعد الجامعة، وهي قليلة نسبيا، لتعجله في انتحاره، ونعود أيضا إلى صديقه منصور شيحان، وما يقول في هذا المضمار، حيث يشير الى أن «عقاب العجرمي.. عاش وترعرع في بيت أدب وشعر ودين؛ والده كان شاعرا، واخوانه كذلك. وتميز والده بأنه يجر الربابه، ويحفظ الشعر النبطي، ويجر جميع الجرات على الربابه، ويحفظ قصيد شمر وعنزه والدروز والبلقا وبني صخر والمجالي، وكثير من روايات البدو واشعارهم. لم يكن والده غنيا او مَلّاكَا للأراضي، لكنه عاش عزيزا كريما، استمد عزه ومعنوياته العالية من عائلته، التي تحتل مكانة مرموقة، وذات شوكة ومهابة. لقد تشرب عقاب كل هذا الارث والادب من البيت، وجاء التعليم ليصقل هذه الموهبة والانطلاقة الادبية، كما ان الدراسة في المدينة، مثل مادبا وناعور، جعلته يختلط بثقافات متنوعة زادته معرفة وانفتاحاً».
وقد كان عقاب العجرمي شاعرا مطبوعا، وحساسا، وأديبا شفافا، ومرجعية في اللغة العربية، كما أنه يتقن العزف على الربابة، «ويجرّ جميع الجرات، ويتقن الجرات الطربية والحزينة». وإضافة الى ذلك فقد «كان عقاب يعشق الرياضة ويمارسها، لكنه تميز برياضة سباق المئة متر، وفاز بعدة جوائز في السباقات القصيرة».

ما بعد الجامعة
كانت أمور عقاب العجرمي، تسير بكل تألق وحضور في الجامعة الأردنية، منذ بداية دراسته فيها، صداقات كثيرة، وعلاقات متشعبة، يعبر عنها صديقه منصور شيحان بأنها «توسعت أكثر من اللزوم، بشكل غير مريح له، بسبب الوضع المالي الذي لا يوفر كل متطلبات التواصل لتلك العلاقات، لكنه مع ذلك كان يشار له بالبنان، «وكَوّن صداقات مع زميلات له في الجامعة، انتهت بالعشق القاتل، واستمرت الأيام تمر، وتسير بسرعة. ورغم أن والده اشترى له سيارة مرسيدس، وكان وضعه أفضل من حال كثيرين غيره في الجامعة، إلا أنه لم يكن يقبل بالقليل. أعرف صديقات له، لكنه هام حبا بواحدة من عائلة فاضلة ومعروفة، وخلال الفترة الأخيرة من الجامعة بدأت تسير الأمور والحياة باتجاه معاكس لرغباته، مما أدى الى انتحاره، حيث قال لي ذات يوم (الانتحار أمر وارد، لكنني لا أستطيع أن أفعل ذلك قبل أن أستلم شهادتي الجامعية، لأن مثل هذاالمجتمع لا يرحم، فقد يتهمونني بأنني فشلت في الجامعة، ولم أنجح). بعد تخرج عقاب من الجامعة، أصبح لا يطيق الحياة، وهام في محبوبته، وتحول الى انسان غريب، مذبوح من الداخل، تتنازعه حالة العشق، والوضع المالي السيء، وملاحقة التربية والتعليم له ليلتزم بالتدريس كونه مبتعث من الوزارة، وابتعاده عن أجواء الجامعة والأصدقاء، وكثير من المشاكل التي كانت تقف عقبة أمام عقاب، وتدفعه بتراكماتها، الى القرار الحاسم الذي اتخذه بانتحاره. كان الحزن واضحا عليه، ولم أر الفرحة على وجهه يوم التخرج من الجامعة، وكأنه يريد أن يحصل على الشهادة من أجل أن لا يقال عنه بأنه لم يستمر، ولم يتخرج، كان عقاب مليئاً بالحزن والفوضى، وأيضا بالعلم والفصاحة، حتى أنه قال لي يوما (إن كل دراستي بالجامعة موجودة في عقلي، قبل الشهادة بزمن طويل)».

«يا خوي يا منصور سلّم عليهن»
كان لعقاب العجرمي، كما يورد منصور شيحان، صديقات في الجامعة، وإذا تجاوزنا الحبيبة القريبة منه، يشير هنا الى ثلاث صديقات، وفي الفترة الأخيرة، قبل انتحاره، تَوَجّد كثيرا، وكتب شعرا، ووصايا حتى لهنّ، «وقد خاطبني (هذا كلام منصور)، بأبيات من ضمن قصيدة يحملني بها أمانة أن أوصلها  بعد موته، يقول فيها:
يا خوي يا منصور سلّم عليهن
هنّ الثلاثه وغيرهن ما تجيهن
ومن غيرهن والله والله ما بيهن
واعرفك يا منصور ذيب العيالي
ولن اسألنك يا بن شيحان
رد الجواب انتن ولا انسان              
بنات البدو من روس عربان
اللي جعلتن صاحبي ما يبالي
واخيرها سلامن عالقرايب اللي
حضر دفني وال بعد غايب».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }