كان من المتوقع أن يكون مقالي لهذا الأسبوع حول قانون الانتخابات كحدث فرض نفسه على الإعلام وأحاديث الناس والمهتمين , ولكنني آثرت أن أكتب عن الأخلاقيات , وهي الأساس الذي سيحكم القانون ويبني المجتمع وحتى يصحح الاعوجاج أينما كان في القانون أو غيره.تذكرت الأيام الأولى التي دخلنا فيها المدرسة , والتي دخل فيها أبناؤنا والتي يدخل فيها اليوم أحفادنا , ثم تذكرت بداية التحاقنا بمهنة التعليم كمعلمين , ثم موجهين , ثم مسؤولين , وتذكرت القامات التي درستنا والتي لا زالت أسماؤها محفورة في ذاكرة الأجيال عبر مدارس المملكة التي كانت قليلة العدد , وفيرة الإنتاج والتوجيه.وأعرج بالقول أن التعليم مهنة الأنبياء والرسل عليهم السلام , والفلاسفة كانوا يسمون معلمين , والمعلمون في تاريخ الدولة الإسلامية كانوا يسمون المؤدبين وأثنّى بأن لكل مهنة أخلاقيات وقسم يلتزم العاملون فيها , بهذه الأخلاقيات وهذا القسم , فالتعليم في الأصل مهنة ورسالة وليس وظيفة , ولكن الحياة لها متطلباتها.في كثير من الدول تقّدم رواتب المعلمين على رواتب جميع موظفي الدولة ؛ لأن المعلم هو الذي يخرج الطبيب والمهندس والصيدلي والواعظ والتربوي وكل مهن الحياة بما فيها المهن التطبيقية , وكما تكون المدخلات تكون المخرجات إيجاباً أو سلباً.ومسؤولية الأخلاق مسؤولية مجتمعية يشترك فيها المعلم والمدرسة بكل مكوناتها والإعلام والأسرة والمجتمع بشكل متكامل , وتبقى التربية من أساسيات التغيير في المجتمع هي التي تعدل السلوك والأخلاق , هي التي تقود ولا تقاد , هي الأصل وليست الصدى إذا توفرت لها عوامل النجاح.من جانب المعلم التعليم انتماء والتزام وثقة واحترام متبادل ومواطنة وتعزيز علاقته مع طلابه رحمة واحترام وقبول مع اختلافاتهم , يحترم خصوصياتهم يعدل في سلوكهم , ينمي فيهم الحرية والحوار ويعظم قيمة العقل وبالتالي هم بشر يخطئون ويصيبون , له علاقة مع أولياء الأمور يزودهم بحصيلة ما يعرف ويتعاون معهم في تعديل ما يمكن , يغرس فيهم القيم والأخلاق والعادات الحميدة , يتجنب العنف ويميل إلى الحزم , هم أبناء وأخوة , وهو في المحصلة النهائية قدوة صالحة لهم يراعي الفروق بينهم ويحافظ على أسرارهم , يعلّمهم البحث والاستقصاء , يطور من مهاراتهم , ويطور من مهاراته.كثير ما نقارن بين جيل المعلمين ومن سبقهم , وجيل الطلبة ومن سبقهم ولكني أقول أيضاً , عندما دخلت الجارية على الشافعي وقالت له خلص الدقيق من البيت , قال لها , أضعتي من رأسي أربعين مسألة.عندما تصدّت وزارة التربية والتعليم لظاهرة الغش , حصلت مقاومة مجتمعية وهي تدخل في باب الأخلاقيات التي فقدناها , نحن نرى أن مسيرة الوزارة الآن تميل إلى كشف المستور , ووضع اليد على مكامن الخطر , وتتصدى لكثير من الظواهر السلبية التي تفشت في أوساط العملية التعليمية , ولعلنا لا نغادر المقال دون أن نشير إلى المدارس الخاصة وما جرى فيها , وتنامي مؤشر الربح السريع على التعليم الجيد , بطرق مختلفة , نحن أمام عملية تطويرية في الأداء والإدارة , والمناهج , ونوعية المدارس وبيئتها وكلها تحتاج إلى وقت وصبر وجهد , لعل العام الدراسي الحالي يكون أفضل مما سبق , ولعلّ الجامعات تنعم بنوعية جديدة من الطلبة تقل فيهم الظواهر السلبية وتتنامى الإيجابيات , يكون سلاحنا فيها ما أقسم الله فيه وهو القلم وليس غيره ؛ لأن ذلك ينعكس على كل القطاعات التي يكون فيها تقييم للأداء , وتخريج للمتعلمين من كل التخصصات والمستويات.drfaiez@hotmail.com * يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .
أخلاقيات مهنة التعليم
12:00 3-9-2015
آخر تعديل :
الخميس