استعاريّة الرواية وتفكيك المقولات الفكرية في »واحة اليقين« لـ هاني أبو نعيم

استعاريّة الرواية وتفكيك المقولات الفكرية في »واحة اليقين« لـ هاني أبو نعيم

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 21-8-2015
-
-

فراس حج محمد

الرواية بوصفها استعارة كبرى
ربما يصلح هنا توصيف الرواية بأنها «استعارة فنية تتوسل التعبير عن الفكرة بأدواتها الخاصة من مقولات وشخصيات»، فالرواية ليست مجرد سرد محكوم متواصل ذي بداية ونهاية دون أن يكون لها دلالات واقعية وفكرية أكبر من بنيتها النصية المحصورة بين دفتي كتاب، وعليه فإن لكل رواية أسلوبها وتقنياتها الخاصة، تصنع عالمها بنفسها الذي يبنى بوعي كاتبها فكرة فكرة بوصفها أسلوباً بلاغياً استعارياً، تحتاج إلى تفكيك مقولاتها وأسئلتها المقلقة.
وتتجلى بوضوح هذه الاستعارية في رواية «واحة اليقين» للكاتب الأردني هاني أبو انعيم (دار فضاءات، عمّان، 2015).. هذه الرواية الحاملة مقولاتها وهواجسها وأسئلتها الثقافية والفكرية.
والمقصود بالاستعارية هنا، ليس ذلك المفهوم الضيق للاستعارة القديمة المنصوص عليه في الفكر البلاغي العربي القديم، والمتجسد في جملة أو تركيب أو لفظة هنا أو هناك، بل يمتد إلى ما هو أبعد بوصف النص بمجموعه استعارة فنية تحضر من خلال الحكي وأدوات التعبير الروائي الأخرى؛ لتدل على ذلك الجزء المقصود من الاستعارة، فكما أن الاستعارة القديمة تحضر كأسلوب بلاغي دلالي قويّ، لكنه جزئي، تسعى إلى التأثير في المتلقي، وتستثير ما فيه من جماليات التلقي والتفاعل، فالرواية بوصفها استعارة نصية وفكرية أكبر، تسعى إلى أمرين كبيرين، يتمثل الأول في الدلالة المصاحبة للبنية النصيّة أو ما يمكن أن يطلق عليه المعنى المشار إليه بوصفه «مقصوداً أول» سابق التحقق قبل تحقق الجسم الروائي بشكل عام، ليكون هذا الجسم دالّة على مدلول مسبق معروف سلفاً في فكر المؤلف، إذ إن الرواية هي شكل واستعارة لذلك المدلول الفكري المختزن في الوعي.
وأما الأمر الثاني المرتبط باستعاريّة الرواية فيتمثل في دفع القارئ دفعاً جمالياً واعياً محكوماً سلفاً بهذه الثنائية من الدال والمدلول، فيقرأ، ولا يكتفي بالقراءة العابرة أو القراءة الماتعة، بل سيتجه نحو التحليل والمناقشة والتفكيك، ويبحث عن دلالات أبعد من النص المتشكل أمامه، ويسعى إلى ذلك «المقصود الأول»، متسللاً مرة أخرى إلى أفكار الكاتب ونابشاً في الوعي الإنساني المشترك.

أسئلة الرواية ومقولاتها الاستعارية
بنيت الرواية على مجموعة من المقولات الروائية الاستعارية وانبثقت منها مجموعة من الأسئلة المتشعبة، فكان حدث اختفاء الأم، حدثاً مؤسساً رمزياً واستعارياً، واستندت إليه بقية المقولات، وانبثقت منه مجموعة من التساؤلات، التي تتشكل منها استعارة الحكاية الأصلية للرواية بشكل عام.
فمنذ بداية السرد وحتى نهايته كانت هذه الاستعارة لبّ الاستعارات الأخرى، وصولاً إلى المحطة الأخيرة، حيث انبلاج اليقين واضحاً في «واحة اليقين» التي اكتسبت بعداً «جوّانياً» فكرياً أكثر من كونه بعداً مادياً وجغرافيّاً.
بالإضافة إلى ذلك، تهتم الرواية بمسألة الوعي الاجتماعي والسياسي والفكري وتسائل ذلك الوعي، وتمسّه مسّاً غير صارخ، فينتشر في الاستعارة الثانية من استعارات الرواية المتشعبة، وقد تحقق ذلك في التطور العمراني وما صاحبه من تطورات أخرى حتمية للمناطق المشار إليها في الرواية (عمّان، الشونة، الأغوار، الكرامة). هذه الاستعارة الروائية المهمة والتي تتصل اتصالاً مباشراً بالوعي الفكري الماركسيّ المعتمد على الحتمية التاريخية والتطور التاريخي، والصيرورة المبثقة من أحداث التاريخ بفعل مجموعة من العوامل المادية.
فقد انشغلت الرواية -ككثير من الروايات الأردنية، وخاصة روايات السبعينات والثمانينات- بهذه المسألة الاستعارية المهمة، فتدرجت في البناء السردي المتشعب والممتد على كامل الجسد الروائي بمقولة التطور التاريخي والعمراني لمدينة عمان أو تلك المناطق المنصوص عليها في الرواية، لتمتد الدلالة لهذه الاستعارة لتشمل كامل الجغرافيا الأردنية والتاريخ، لتصل إلى ما وصلت إليه الرواية من تجسيد لهذا التطور روائياً على شكل استعارة متمثلة في «الخرابة»، وما على القارئ إلا أن يلاحظ كيف كانت «الخرابة»-ذات المدلول الاستعاري اللغوي الخاص- لتصبح منطقة عامرة بالكهرباء والماء والمدارس، وهذا هو حال الأردن كله، فأردنّ الحاضر هو بالتأكيد ليس أردنّ الخمسينات، ذلك التطور الكبير والمتسارع والذي أشار إليه الشاعر مصطفى وهبي التل (عرار) في قوله:
علمي بعمّان من بعض القرى فإذا
        عمّان عاصمة الأردن تحميهِ.
فإذا كان هذا حال العاصمة في زمن عرار فما بالكم بحالها الآن؟
وأما ثالث المقولات الاستعارية المؤسسة لرواية «واحة اليقين» فيتمثل في المسألة السياسية، ولا سيما الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948، وما أحدثه من نكبات متشعبة لها أثرها السلبي الواضح على الشعبين الفلسطيني والأردني.
وتؤكد الرواية عبر استعاريتها هذه إلى تلك العلاقة الوطيدة بين ضفتي النهر المقدس من خلال إشارات مهمة، من شهداء ومقاتلين واحتضان الأردن للعائلات الفلسطينية المشردة، ثم واقعة النكسة عام 1967، ومعركة الكرامة عام 1968 وأثرها الإيجابي في التاريخ الحديث إقليمياً وعربياً على حد سواء.
في هذه الاستعارات الثلاث المتشابكة والجدلية تقوم رواية «واحة اليقين» من خلال شخصياتها الذين يشكلون هم الآخرون استعارة أخرى موازية في مدلولاتها الاجتماعية والاقصادية، مشيرة إلى تركيبة المجتمع الأردني وتطور هذا المجتمع، والتحولات المصاحبة، إذ إن الإنسان هو أداة التغيير كما أنه كذلك هو محل التغيير، فلا تتغير الجغرافيا بفعل أدوات وأفعال أسطورية خارج الإرادة البشرية، بل إنها تتشكل بفعل الوجود البشري المؤثر في الجغرافيا ليصنع التاريخ.
لذلك لم تتوغل الرواية في أعماق الشخصيات، بحيث تغرق في التحليل النفسي المرَضيّ، بل اكتفت من هذا البعد بما يحقق استعاريّتها وحيويتها في المتن الحكائي، الذي جعلها نابضة بالحياة، ليتعاطف معها القارئ تعاطفاً فكرياً ووجدانياً بالقدر الروائي المحكوم سلفاً.
ومما يلفت الانتباه في هذه الرواية إيجابية الشخصيات كلها، فقد بدت ذات نوازع خير وإيجابية، حتى المختار الذي تلبسته نزعة «شيطانية» للاعتداء على أم عمران، جاءت نزعته على استحياء مشوب بحذر روائي واضح، ولم تؤثر كثيراً تلك النزعة على المشهد الروائي الكليّ، ولعل وجوده وعدمه سواء، فلم يكن يرتبط ارتباطاً عضوياً بمقولات الرواية الأساسية أو الفرعية، إذ لم يكن الشر متجذراً في تلك الشخصيات.
وربما يدل ذلك على انحياز الكاتب شبه المعلن للإنسان وإيجابيته وإعلائه من شأنه، بحيث تؤدي صيرورة التعبير الإيجابي والمتعاضد مع الاستعارة الكلية والتي تتضح في نهاية الرواية، محتلفة بذلك اليقين في قول عمران:
«أيقنت أنها الحاضر الثابت الذي لا مراء فيه، وستبقى أبد الدهر عصية على الأفول، لا يقترب الفناء من واحاتها، ولا يحف بها غياب، وما أنا إلا نبتة نمت في أطيانها جذوري، وسرى نبع دماها في شرايين قلبي، بعد أن أمعن موسم الجفاف في موات بذوري».
وبهذا يكشف السر، ويعلن عن اليقين في واحته، ليمنح الكاتب الأم أبعاداً أكبر من كونها امرأة من لحم ودم، إنها الأرض والتاريخ والقيم، وهذه الثلاث لا تمحى ولا تموت، وعلى الإنسان أن يلتفت إليها لأنها وحدها هي «واحة اليقين»، لتشكل بذلك الاستعارة الكبرى الحاملة لكل تلك الاستعارات المشار إليها آنفاً.


يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }