الأنثى والبوح في الكتابة

الأنثى والبوح في الكتابة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 7-8-2015
-
-

قراءة في «شُـبَّاك الصوت» لسمير الشريف


د.إبراهيم أحمد ملحم

آخر المعاقل التي يتشبَّث بها الداعون إلى «الأدب النسوي»، وأقواها، هو ميل الأنثى إلى البوح بمشاعرها، ويتبع هذا الأمر، نظراً لطبيعتها السيكولوجية، القول إنها تعتمد على التفاصيل في كتابتها السردية على نحو خاص، وإن هناك خصوصية في التعبير عن مشكلاتها وقضاياها تجاه الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه، أو الذي تستطيع أن تحل فيه، بوصف مادتها خاضعة لسلطة الخيال.
لكن هناك كتابات سردية لم تكتبها نساء، استطاعت أن تعبِّر عن تلك الخصوصية، والبوح، والاهتمام بالتفاصيل في ما تكتبه، مُخترقة بذلك آخر ما تبقى من تلك المعاقل، وهو ما نجده في «همس الشبابيك» (الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2014) للكاتب سمير الشريف. وقد جمعتْ نصوصُه بين السردية الذكورية والسردية النسوية، وتتناول هذه المقالة قصته «شُبَّاك الصوت» نموذجاً.

الأنثى والبوح في الكتابة
يبدأ النص بالحديث على لسان امرأة متزوجة تبوح بما في داخلها بالكتابة، وتضع ما تكتبه في صندوقها الذي لا تسمح لأحد بالاطلاع عليه، ولكنها تؤمن بأن الكتابة لم توجد لتبقى قابعة في الصندوق على هذا النحو، فتقول: «مرَّ الكثير على هذه الأوراق طيّ صندوقي الخاص في غرفتي التي أخبئ مفتاحها في صدري، لا أسمحُ لنسمة أن تصلها برغم محاولاته الكثيرة للدخول، مرة بالترغيب ومرات بالزعيق والغضب، حتى وصلت المباحثاتُ بيننا لطريق مسدودة، إمَّا طلاقي أو فتح غرفتي والنبش في أوراقي.
كلحَ لونُ الأوراق، ظلَّت تشكِّل لي هاجساً يضغط على شرايين قلبي، أريد للناس أن تقرأها، ما جدوى أن تظل حبيسةَ السطور والصدر؟ هل تحتاج هذه الأوراق لقراءة جديدة؟ لماذا أعيدُ كتابتها وأنا على يقين من أن الألم سيصاحب هذه التجربة؟ هل أنا بحاجة لأوجاع وخسارات جديدة؟ ألتذُّ بذلك الألم كأنني أتخلص من أوجاعي، ويضطرني أنْ أستسلم لواقع يبدِّد من حولي ظلمة الوحشة! هل ما سأقوم به نوعٌ من الخلاص بالكلمات؟ هل عندما نكتب نمارس الحياة بطقس جديد ونخوض عُباب مياه عميقة؟
الكتابةُ ليست تعبيراً، إنها رئة للتنفس وتحطيم لكريات الألم. أدرك بعمق أن الأنثى كالحياة تتغير وتتجدد، حتى لو كان مَنْ تحبُّ بعيداً وعجزَ عن رشِّ دوائه على جراحات أرواحنا».
تشير الساردة، هنا، إلى الرقابة التي يمارسها الذكر على كتاباتها، بوصفه زوجاً له سلطته عليها، ولكنها تصرُّ على أنْ تحتفظ بهذا البوح خارجاً عن قبضته. ليست كتاباتها جديدة، فهي قديمة بدليل أن لون الورق أصبح كالحاً، ما يفضي إلى القول: إن كتاباتها البوحية قد بدأت منذ صار هذا الرجل زوجاً لها، أو بمعنى آخر يمتلك جسدها قهراً، وليس قلبها.
إلى مَنْ توجِّه الأنثى هذا البوح، وتحرص ألاَّ يراه الزوج؟ إنها تكتب لشخص أحبها قبل زواجها، فتقول عبر تفاصيل أخرى: «يا للرياح التي فصلتنا مائة عام أو يزيد! يا لانجذاب الروح وانشداد الجسد وارتباك القلب الذي ضج، بعد أن ظنَّ ألاَّ لقاء! هل أصوِّر لكَ صوت دقات القلب الذي انتفض عندما لمح الاسم؟ أيقظتَ فرحتي، منحتَ عينيَّ فرصة السباحة في أعماق دمعة، أتحتَ لأجنحة القلب أن تطير في ظلال لحظات مضت، أغرقتني بفرحة عرضها اتساع العمر، كم أشعر بالوحدة بعيداً عن بهائك!
كم أنا فقيرة للاتصال بك! بَعْدك لا أحد، برغم كثرة الوجوه التي تنسيني كل الملامح سواك. أصبحتَ وجهاً للمقارنة، أنت الكل في واحد والجزء في المجموع. وجودك منحني لذة اكتشاف تفاصيل الأشياء ومنح الأشياء أبعادها، دونك، تتقلقل في الصدر الأسئلة وفي الرأس أوجاعها، تهرب الطمأنينة من يقين القلب، بك يتساقط الآخر من الذاكرة ويضيق الفؤاد إلا إليك. بك تسترد الروح شهقتها والعين بصرها والدم نبضه.
قل لي: متى تصبح الأحلام بعض أقدارنا؟ ولماذا لا تفيض بغير الكلام؟ هل الكتابة وسيلة الهروب من عجزنا؟ لماذا كل هذا الاحتراق؟ لو لم نفقد أحبابنا، هل يظلون في حيز الإحساس فينا؟ هل لو احتويناهم سنظل أوفياء لحبهم؟ هل سيعيش تعاطفنا معهم لو أتاحت الظروف الاقتراب منهم أكثر؟ لماذا طعم الحب الأول أصدق؟ هل لأنه ضاع منا قبل أن نشبع منه فظل طعمه عالقاً في أفواهنا؟ في أيِّ زمن يجب أن نبقى؟ ما المشاعر التي علينا أن نزاولها لكي نحتفظ بإنسانيتنا؟ ما الذي يحدث عندما تنظرني وأنظرك؟ أعمارنا مضبوطة على آخر شهقة عبرت فؤادينا، فهل يكفي العمر لاسترداد لحظة فرح؟ لماذا يظل شعور الفرح قصيراً مهما طال؟ لماذا نحسب أعمارنا من لحظات الوخز على شغاف الوجد، ونعيش في إحساسات خاصة في زمن خاص مهما كان عرض اللحظة قصيراً؟ لماذا نقف بتقديس أمام لحظات نقايضها بفضاء العمر؟
روحي صحراء، فهل تستطيع زراعتها بعشبك وتشرع نافذتك لغربتي؟ لماذا يتفتح وعينا بعد أن تنكسر في دواخلنا أشياؤنا الجميلة؟ ما الذي تفعله بنا الأمكنة ولماذا مرورك على مكان يثير فيَّ الشجـن؟ تتلبسني التفاصيل فمن يأخذني منها؟ فراغ يجتاحني، سأم يفرش أغطيته على مسامات الروح، متغلغلاً في دواخلها.
يا سيد الغياب.. خيوطك تنسلُّ مني مخلِّفة وجعاً يلتف حول ذاكرة مشرعة على فضاءات وجدٍ يمور بالحنين. أتصدق أنني حاولتُ اغتيالك مراراً والانقلاب عليك؟ كثيراً ما حدث ذلك، لكنني في نهاية كل محاولة، أصحو على صوتك يأخذني، والملامح التي أغمض عند تذكرها ترتسم فيما حولي من أماكن، أصحو عليك تحتويني واللحظة تفيضُ برذاذ عطرٍ يفوح بالأركان».
يتغلغل هذا النص في مشاعر الأنثى التي تبوح بكل ما يجول في داخلها من العاطفة ودفئها تجاه مَنْ تحبه روحاً، ويرفض أن يغادر قلبها على الرغم من محاولاتها للتخلص منه؛ لكونها متزوجة. وتبدو الأسئلة المتلاحقة التي تطرحها رغبةً منها لفهم ذاتها، وفي الوقت نفسه، الاحتجاج على ما آلت إليه حالها: رجل تعيش معه برابط الزواج، وليس هناك ما يشير إلى أنها تحبه، بل هناك ما يشير إلى أنها تعيش في قبضته، وهذا يعني أن تمارس غواية البوح بالكتابة من خلال استعادة الحب الحقيقي الذي عاشته مع رجل آخر (الحبيب) من دون أن يمتلك جسدها، وافتقاد هذا الحب مع رجل تعيش معه (الزوج) فيمتلك جسدها من دون قلبها إلى الحدِّ الذي يجعل روحها صحراء.

ذاكرة الخيانة
وتتبع الساردة تقنية الارتجاع (Flashback) في تجلية خيانة الحبيب المزدوجة لها، الأولى في تركها وحيدة حائرة، والثانية في انشغاله عنها بنساء أخريات يُسمعهن فلسفته، فتقول: «ما الذي يعترينا عند لقاء لعبت بحيثياته الصُّدف؟ كرَّت في ومضة قلب كل التفاصيل التي غادرتْ وظننتُ ألا رجوع.. وقفتُ عارية راجفة خجلى. ما الذي حمَّل الروح شفافيتها والجسد بهاءه والدماغ سطوته؟ كيف عادت تلك التفاصيل ورجفة الصدر وذاك الارتباك المزرقّ على الشفتين؟ دوماً تعيِّرني وتقول: لن أقولها، قلها أنت في سرك، وارفع حاجبيك عجباً من تلك التي ما زالت تحتفظ بقلب طفلة.
إنه جذل الروح راقصة على أنغام وعد لم يُضرب، وفرحة لقاء ما كان يتم، ولكنها أسلاك تربطنا بهذا العالم الواسع، فيا له من اختراع عظيم قرَّب المسافات وحال دون التلصص على خربشـات العاشقين!
لك أن تتصور مساحة فرحي، أنا التي تزوَّجني الحزن ووقَّعت معه عقد التزام. مجرد تصفُّح عينيَّ لحروف اسمك، تلاشى الغضب، وخفَّ الوزن وتباعدت الخطوات، أصبحت وجوه الناس مشرقة بالبهجة. غيابك فاتحة حزن طال.. حاول الجميع أن يعرفوا سببه، حتى أمي الأقرب إليَّ، نهضتْ غاضبة بعد جولاتها اليائسة، أما المسكين، فقد توارى بعد أن ظنَّ أن مرضاً أصابني.
لا تفسد نشوتي بالسؤال، ولا تحاول إخراجي من هذا الفيض الملائكي الذي يحملني على غيمة من حنين. ما الذي فعلته بي، وما الذي يحدثه فيَّ حضورك؟! لو تقابلنا، ماذا تكون النتيجة؟ مشهودٌ ذاك اليوم، لم تُعد الاتصال، لم تطرح رأياً، ولم تعطِ تفسيراً، تحرقني نار التخمين، أستحضرك بالتفاصيل التي تعودتها، جلسة المقهى، سحائب السجائر وأحلام مسافرة تلملم أشتات الوعد.
اشتياقات تتجدد بالأمل، جمعتُ حتى الغائب من تفاصيلك، اعتصرتها، لملمتها نتفاً مع قصاصاتك التي تنضح فلسفة، جمعت الأضداد على الطاولة نفسها التي تعاطينا حولها الأمنيات، طيفك غمامة تهطل وجداً. هل استحضرتني أم انشغلت بمن أسمعتهن فلسفاتك المعهودة؟ ليلة رأس السنة، حضر مَنْ تعرف، حاولوا قضاء ساعة انسلاخ العام جالبين ما تحتاجه المناسبة، أمسكوا شرودي غير المبرر، سألوا بأعينهم، لم تجبهم غير الدموع التي كابرتُ في إخفائها.
رصدت لحظات الاحتفال، أكتب تفاصيل ما جرى، يجرحني الغياب، ويقيِّد خطـواتـي الفقـد. كل حـرفٍ كان من نزف الروح، فهل ما زلت تحتفـظ بتلك الذكرى؟! لا تفرِّط بما سيحكي قصة القلب الذي ضاع على أرصفة التمني! لا تتركني لألم الفقد! المغرضون أظهروا تشفيهم، قالوا: جبان لم يقوَ على مواجهة الموقف، ومتردد لا يستطيع اتخاذ قرار، تذرَّع بالسفر وضحَّى بقلبه في سبيل الدرهم. ربطتُ خطواتي بعتبة مكتب البريد، بعد أن أدمنت سجائرك، صار موظف البريد يصفعني باسماً برِّده: «لا رسائل جديدة». نقَّبتُ عن كل ما يشحنني بذكراك، استنفدت حتى كتبك التي زوّدتني بها، لم أقرأها من جديد، اكتفيت بهوامش قلمك الرصاص، لقيتك، تحدثت معك وتبادلت معك الآراء.
حالة نادرة، أجدني فيها ألقي القبض على ملامحك، أتملى تفاصيلها، حتى خلجات صوتك، تمارينك التي أردتني القيام بها، عند إحساسي بالضيق، وجدتني أمارسها، انصياعاً لشيء غريب فيك.
بلا وعي، أدلف الأماكن التي اعتدناها، مدفوعة بشعور غامض. جلست على الطاولة نفسها في بهو الفندق، وحيدة، نظر إليَّ مَنْ حولي بعيون تكحلها الدهشة، ماذا تفعل وحدها؟ يزداد الاستغراب عندما ألملم نفسي مغادرة، بعد أن أدخِّن سيجارة وأرتشف فنجان قهوة، أجرجر قدميَّ بلا رغبة في المغادرة، خلافاً لحالة النشوة التي صحبت حضوري».
لقد فضَّل الحبيبُ المالَ عليها، وقطع علاقته بها، وكان مَنْ حولها يعرفون بعلاقة الحب التي تربطهما معاً، وهذا ما جعلها عُرضة للتشفِّي. بقي الحبُّ قويّاً بداخلها، وتستحضرُ صورته في كل مكان التقيا به، والأكثر غرابة، أنها بقيت كذلك بعد أن تزوجت غيره. إن التصرف الذي يمكن أن تجابه به الأنثى خيانته هو النسيان، وليس البوح إليه وكأنه موجود، وهذا يدفعنا إلى طرح السؤال: لماذا تناست الخيانة، فبقي هذا الحب، ولم يتحول إلى كراهية؟
إن امتلاك الحبيب روحها، بهذا المستوى من الحب، حرَّك رغبة الجسد إليه، وقد حاولت في الماضي أن تلبِّي تلك الرغبة، فقالت: «لماذا تلح تلك الليلة، وقد جهزتُ نفسي للقاء طويل. أرسلتُ رسالةً عندما سألتني: ماذا تفعلين؟ أجبتك: آخذُ دشّاً دافئاً، لم تلتقط الإشارة، ربما فهمتها وطنَّشت، آثرتَ أن تجلس قبالتي، لم يُغرِك البنطال الأسود! هل اعتبرته فألَ سوء، فلم تقترب؟ عندما أحضر الشراب امتنعتَ، أخفتَ مني عليَّ؟
أسئلة عالقة، تحتاج إجابات مسهبة، فأين أنت، ومتى تعود؟ أعدك، لن أمارس حماقتي، فقد تعلمتُ الدرس. هل بقيت على غيرتك أم إن الأخريات هذّبن فيك ذاك المرض؟ هل ترفع حاجبيك دهشة؟ أتريد أن تعرف السبب؟ ذهبت لصديقك الذي يعرف قصتنا، تعاطف، مظهراً شفقته، كرهت منه التقرب بنكتة ساذجة، لم اُعلِّق، طعنتُهُ بنظرة احتقار وغادرتُ. أفهمَ الرسالة، فلم يعاود الاتصال».
كانت تريد أن يلبي الحبيب نداء رغبتها، فحاولت إغراءه بما ترتدي لكنه لم يستجب، وهذا يؤكد أن مشاعرها الحقيقية التي تجعل الروح تتكامل بالجسد، وليس العكس، لم يحدث إلاَّ تجاه حبيبها، وأن رفضه أو تجاهله لجسدها، سيُبقي الروح تطارده في غيابه، وأن أيَّ شخص آخر، حتى لو كان صديقاً لمن تحب، لن يستطيع أن ينال من الجسد شيئاً. وفي إشارتها إلى غيرته عليها، تلفت النظر إلى يقينها من خيانته لها مع نساء غيرها، بصيغة الاستفهام التي غرضها التقرير.
وحين تنظر إلى الماضي، تجده تعامل مع جسدها كأنه عدو له، وهذا ما سيُبقي الجسد متعطِّشاً إليه، ولن تستطيع في تمثلاتها لوجوده أن ترويـه، فلا تطلبه على الرغم من كونه مستحيلاً، فتقول: «أعيد النظر في ماضينا، أستذكر إلحاحك في التعاطي مع الجسد حدَّ السادية، والانفعال حد التشنج، والبكاء حتى الانهيار. هل كان ذلك مجرد أبجديات لإعلان اللهو أم ممارسات ننسى بها غربتنا؟ جاريت تطرفك كسباً لرضاك، وصولاً لجواب عن سؤال يتقلقل داخلي.
ندور مع الأيام أملاً في نسيان إيقاعها، إيقاظاً لوعي يتلاشى أو يغيب. مراراً حاولت الاندغام، أكوِّنك وأتمثلك، فتهزمني ذاتي، وتعلن نصرها على ضعفي، فألوذ بكبرياء كاذبة، ويحتدم القلب والعقل.
ما زرعته فيَّ لم يغادرني، ظلَّ ساكناً، برغم تساؤلاتي الملحاحة. أتنفسك وجداً وسعادة ورضاً. ما الذي يدفعني للإقبال على انتظار مستقبل مجهول ودخول أمواج اتهامات، وبين إدارة الظهر وتجاهل نداءات واعدة بزوج مضمون الجيب، معروف الاسم، خطير الرتبة. قالت إحداهن: إن ظله يكفي لأكون زوجة، تنعم بالجاه وحسد القريبات، ما السر فيك؟ هل هو الركض خلف غير المتاح أم رفض المبذول؟ لماذا نهرب ممن يسعون لنا؟ أيّ لعبة وجودية نتعاطى من دون أن نمسك بأسبابها؟».
فالجسد لا يُطفئ عطشه سوى الجسد الذي اختاره بحريته، ولبَّى نداء الروح قبل ندائه، وما الجسد الآخر ضمن منظومة الزواج سوى اغتراب للروح نفسها عمَّـا تريده. إنَّ التفكير المنطقي، يوصل إلى أن الشخص الذي تزوجته يؤمِّن لها ما تريد من المال، ويحظى بالمنصب الرفيع، ولكن شيئاً في داخلها لا تستطيع البوح به إلا عبر الكتابة، وفي ظل هذه الرؤية يبقى المال والمنصب هامشيين في حياتها.
ومن أجل تلك الرؤية، تطرح البطلة أسئلتها التي لا تتطلب إجابة، بقدر ما تلقي الضوء على شهوة الحياة في داخلها، فتقول: «جذوة القلب تهب عليها الريح فمَنْ يشعلها؟! مَنْ يعيد للجسد الذي حرثتَ تفاصيله توازنه؟ مَنْ يمشّط بلهاثه مناطقه النائية؟ مَنْ يُطرِي رائحة النعناع البري التي يكوِّنها؟ مَنْ يمتص رحيق اللسان الذي عقدته الدهشة ضعفاً أمام أمّيتي في استكناه الرعشة، والوقار الكاذب؟!».
الغرض البلاغي من أسلوب الاستفهام السابق هو النفي؛ أي القول: لا أحد غيرك.
غواية البوح بين زمنين
تتحول لغة السرد في أواخر النص إلى منحى مختلف، وربما أن تصنيفه إلى نقاط، سيوفر لنا فرصة أفضل لإدراك المعنى:
الأولى: تمكُّن الحب من البطلة وصولاً إلى فقدان الاتزان، وتنبُّـه مَنْ حولها إلى ذلك؛ فباتت تبحث عنه وعن نفسها، وهو ما نجده في قولها: «تماديتُ في مهزلة البحث عنّا في أصوات الآخرين، أدمنتُ السهر واختيار أرقام عشوائية للهاتف أتسلى بها، علَّ صوتاً يكون قريباً، صادفتُ الكثير ولم أجدك، نبرة رخيمة دافئة. تقبَّل البعضُ اعتذاري عن الاتصال الخاطئ، واهتبلها البعضُ فرصةً لرمي شباك اللطف. قسوة تعاطيك عاطفة وجسداً ونقاشات، انعكست دونما تخطيط مسبق على مَنْ حولي، أصبحوا يشيرون لتغيري تجاههم وتجاه ذاتي».
الثانية: البحث عن امتلاكٍ يوازي الغيابَ ردّاً على القسوة تجاه جسدها، وهو ما نجده في قولها: «بتُّ على قناعة أنني أريدك امتلاكاً يوازي الغياب، أحلم بقبضتك تهزني كما قوة صوتك، بقرارك الحازم يأخذني أمام الجميع. حملني التفكير بعيداً، ربطتُ الأحلام بواحد ناءٍ يكون ليلة زفافنا، ما أحسست لحظة أن شيئاً قهرني، لكن قلاعي هدمها الغياب ورايتي رفعتُها لمضاء قسوتك».
الثالثة: تبنِّيها فلفسته في الحب، وهو ما نجده في قولها: «كنتَ تقول: أغبياء من يروِّجون انتحار همنجواي، الانتحار سلاح المهزومين. صوفيتك التي تتقاطع مع العقلانية والشهوانية، سبب آخر يُضاف لجنوني فيك، اندغامك بالوجود متصالحاً مع أبجديات الكون التي ما أوجدها الرب إلا لسعادة المخلوق -الذي فشل في ترتيب الأولويات- تؤكد أن رحلة العمر محطة للتزود، لم تستقبل الموت كارثة بل فرحاً، تصرُّ فيه على أن الموت ليس فناء بل هو انتقال.. أتراك لهذا لا تؤمن بالحب؛ لأنه يعوقنا عن السعي لفرح أكبر؟».
الرابعة: ضعف قلبها، بعد أن تقدمت في العمر ما يومئ باقتراب نهاية الحياة، وهو ما نجده في قولها: «يصفعني الطبيب بقوله: قلبك ضعيف». المفروض أن أستوعب المسألة، لكن هوس قلب العالم غطَّى على كل إحساس بالضعف، المفارقة: جرأتي وخوفي القاتل من رؤية مجرد صرصار».
الخامسة: الخوف من أشياء جوهرية، أهمها: ضياع ملامح الحبيب مع التقدم في العمر، والخوف من زوال شهوته إليها، وهو ما نجده في قولها: «راودتني فكرة اللقاء، في النوم واليقظة، لم تسعني الفرحة عندما ألمحت بإمكان تحقق الحلم، فكرتُ فيَّ، تساءلتُ: هل تراه يعرف التفاصيل التي ضلت طريقها لذاكرته؟ هل غيَّرتني الأيام حتى لا يعرفني، أم إن بوصلة القلب ستقوده إليَّ؟
راهنتُ على الفضاء المركون في قاع الروح، صحيح أنني حاولت استحضار التفاصيل، لكن تلميحاتك بطقم الأسنان والصلع، أضاعت بهاءَك، وخالجني خوف ألاَّ يدلني قلبي عليك. استحضرتك بالكاكي والبدلة الكحلية.. تهتُ في تفاصيل لحظات سرقناها معاً، وكلمات هرَّبتها ملغومةً في سطورك، رأيتنا في الحلم، هل هي المراهقة المتأخرة؟ عشت ما لم أجرؤ على مجرد الإشارة إليه في الواقع، هل مررت بالحالة نفسها؟ وهل ما زلت بشوق للتحديق برمانتيَّ، متمتماً وأنت تغرس سهام نظراتك في ظهري؟
أعرف أن لديك الجرأة لتعبِّر عن مشاعرك، وأنك كنت تراهن على عدم رفضي لمجاراتك، لكنني أدرك عمق فلسفتك عندما كنت تقرأ استجداء الرغبة في عينيَّ ولا تطاوعني موضحاً: عميق سرِّ الإنسان، بالتقاء جسدين، يتلاشى وهج الاحتراق وتنطفئ جذوة الوله، وندخل دورة الابتذال. أعرفت لماذا أهرب؟ أقتنعُ، مضطرة لمجاراتك».
السادسة: استعادة شريط الحياة قُبيل الموت، وهو ما نجده في قولها: تقلَّبت.. هجرني النوم. الملفتُ أن اللقاء جاء بارداً، عاديّاً ومن دون القلق الذي تهيأت له. لم تهزني رعشة الانتظار، لم يشتعل في جوانحي حريق اللهفة. لا تراوغ، فهذا ما أمسكت به على شفتيك المرتبكتين. لماذا انطفأت شموع الفرح في قلبينا حسرةً خثرها القلب، ودموعاً طفرت بها العينان، وقهراً تنامى في الدم؟ أدركت فداحة ضياع الأمنيات، أنَّ في داخلي صمتاً، طاردني إحساس قاتل بالذنب. كابرت، وتجلَّدت، فهل تريد أكثر من هذا ضحكاً على الذات؟
استنجدتُ بك عندما يبس الحلق، أحضرت ما أطفأ عطشي، قفزت متعثرةً بفرحك. استعدتُ جلستنا المسائية على شرفة الفندق المطل على عاصمة الفقر واختبائي عن العيون بنظارتي، والنادل الذي قرأ على وجهينا سبب عزلتنا، ويده الممتدة بالفاتورة بما يعادل نصف راتبنا، وارتباكك الذي أمسكت به عندما طافت على ملامحك موجات الضيق، وقهرك الذي لم تترجمه الكلمات».
السابعة: الموت يحقق الحلم الذي تاقت إليه طويلاً، وهو الامتلاك الموازي للغياب، فيتحول الحبيب إلى الإنسان الذي تحبه مُختصراً كلَّ مَنْ له مكانة حميمـة في نفسها، وفي نفسه أيضاً، بمعنى أنهما توحَّدا في الموت من دون أقنعة يفرضها الواقع المرير عليهما. وهو ما نجده في قولها: «لذتُ بصمت، سمعت أنّات دمعك، تُهنا في ممارسة طقس نتحرَّق له: طفلتُك أنا، أبي أنت، أمُّك أنا، ولدي أنت. طافت بي رؤى بعيدة، أرسلتَ زفرة اعتراض ثائر: لماذا يدفعنا الواقع للعيش بقناعين؟».
إن غواية البوح بالكتابة بين زمنين: الطفولة والكهولة، تمر في شريط سريع يسبق لحظة الموت والوصول إلى الحلم في لقاء سبقته نقاط أخرى أكد التلاقي الكامل بينهما على صعيد الفلسفة والاشتهاء والاعتماد على بوصلة القلب في تعرُّف أحدهما على الآخر بعد أن تقدم العمر، وتغيَّرت الملامح الخارجية.
لقد استطاع الكاتب سمير الشريف أن ينقل إلينا فتنة البوح بتفاصيلها الدقيقة التي تعيشها الأنثى؛ فحكت عن مشاعرها وجسدها وأحلامها. وبهذا، أكد الشريف تلك القدرة الفذة للنص على المراوغة، ولعل هذا ما جعل الجنس الأدبي الذي يكتب فيه على محك السؤال عن مسمَّاه؛ إذ كان البوح هدفه الرئيس، وهو ما جعل هذا النص يتحرك في منطقة وسطى ما بين الرسالة الاعترافية، والقصة القصيرة، وهو فن لا يستطيع الكتابة فيه إلاَّ الأنثى أو مَنْ امتلك الطاقة على التصرف بالنص ببراعة فنية نادرة. وهذا ما يفضي بنا إلى القول: إننا أمام «أنثوية في الأدب»، ولسنا أمام «أدب نسوي» إلاَّ إذا تعمدنا حذف اسم الكاتب، عندئذ، سيجزم القارئ أننا بصدد نص نسائي من الدرجة الأولى.

* يمنع  الاقتباس  او اعادة  النشر الا بأذن  خطي مسبق  من المؤسسة الصحفية  الاردنية - الرأي .

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }