زهير توفيق - تبحث الثقافات والهويات عن قواسم مشتركة لخلق حضارة كلية قوامها التكامل بدلا من التهميش والنفي المتبادل، وتشكل فضاء عالميا للثقافات الفرعية المقصية يعترف بحقها ودورها بالحضور واثبات الذات، بشرط عدم الاندفاع وراء التمايز إلى حدود الانعزال والخروج من التاريخ بحجة الخصوصية المطلقة والفرادة الكونية المؤهلة توهماً لقيادة البشرية وإخراجها من الغي إلى الرشاد.
ولا يتم تشكيل هذه الحضارة الكونية _ حضارة جميع الأمم والشعوب الحية- إلا بفتح قنوات التواصل والتبادل وتحقيق المثاقفة والعولمة الثقافية بمعناها المعياري العالمي الذي يتجاوز إطارها ومحتواها الأميركي الراهن. وكشرط أولي لإنجاحها والحفاظ على ديمومتها لا بد من تأسيسها معرفياً على المساواة والنسبية التاريخية؛ أي أن لكل حضارة تاريخها من النشأة والتبلور إلى العطاء والتدهور، وأنها مكافئة لذاتها وللمرحلة التاريخية التي مرت بها، فكانت صورة التاريخ، الذي كان شرطها الموضوعي للنهوض والهبوط، وهذا ينفي الحتمية البيولوجية التي ربطت التقدم الحضاري أو عدمه بخصائص وجينات الأجناس واللغات، وهي النظرية التي بالغت في سمات الرجل الابيض والجنس الآري، وانتهكت قوانين العقل ومنطق الوجود الإنساني كنوع قائم بذاته مقابل المملكة الحيوانية والنباتية القائمة على التمايز والاختلاف.
ومن شروط المثاقفة أيضا عدم استثناء الرصيد التاريخي لماضي الشعوب وحضاراتها التليدة بحجة عطالة الماضي واستنفاد قدرتها على العطاء في الوقت الراهن أو ضعف مساهمتها في بناء حضارة عالمية ترنو للمستقبل؛ فالأمة العربية تتمتع برصيد تاريخي عميق يتمثل بالتراث الحي الفاعل في التكوين الثقافي والمادي المؤثر في الحاضر والمستقبل، وهي قادرة _من هذا المنطلق- على المساهمة والتأثير.
وفي المقابل لا يمكن ازدراء وانتقاص أهمية الحضارة الغربية؛ حضارة العلم والتكنولوجيا، بحجة افتقارها لتراث تاريخي أو عمق حضاري، وهي الحضارة المؤهلة أكثر من غيرها لعولمة العالم وتوحيده، واستثناء وعزل بعض الشعوب والدول عن الأسرة الدولية المعولمة.
والمثاقفة ممارسة متعيّنة بطرفين احدهما (الغرب) أنجز ما لم ينجزه الآخر (الشرق)، وقانونها التفاوت النسبي الذي يؤشر على طبيعتها واتجاهاتها، فالمتفوق الأقوى يعمل على تحويل فروق المستويات الحضارية إلى معطيات طبيعية مطلقة لا يمكن تجاوزها، وهي نظرية مطابقة للعنصرية والشوفينية، أما الشرقي أو العربي فينظر إلى الغرب في صيرورته، فيراه مستقبله الذي يطمح إليه، ويقارن حاضره بماضي الغرب الذي تم تجاوزه، إلا أن الاستدلال والمقايسة _ وان بدت محكمة ومتماسكة بصيغتها الشكلية- تنطوي على قدر كبير من التضليل والمغالطة، فالتأخر غير التخلف الراهن، والتقدم السريع غير التطور البطيء في الماضي، وما نحسبه حداثة ومثاقفة هو في الحقيقة اختراق وغزو للثقافة.
فالذي يأخذ ولا يعطي لا يحقق التوازن والتلازم، بل يعمق الهوة والتباين، ويعجز عن استيعاب الوافد القادم كالسيل الجارف والذي يزداد توترا وتداخلا مع البنى المحلية التي تعجز عن تمثله ودمجه ديناميكيا في هياكلها التقليدية الفاعلة.
وقد تمت المثاقفة بين العرب والغرب على أرضية الصراع والتنابذ الديني والسياسي، واستهدفت في المخيلة النهضوية تجاوز التأخر، وفي المخيلة السلفية تحطيم الغرب بأدواته واستعادة المبادرة التاريخية من أوروبا. ولكن عبثا فقد واصل الغرب صعوده وتقدمه بحكم تفوق بناه الإنتاجية فكرياً ومادياً، وبقيت «ريح الشرق» ساكنة لا تحرك ساكنا في الشرق، ولا توقف عاتيا متحركا في الغرب؟!
وظلت المثاقفة تفعل فعلها بوعي أو بدون وعي، ولكن بقيت أهم مؤشراتها أنها تسير في اتجاه واحد رغم الاحتجاج الذي مثله المستعربون المناصرون لقضايا العالم الثالث والعالم العربي لإعادة النظر بشروط المثاقفة، وتعديل الصور النمطية المتوارثة وتحديد إطار جديد لعلاقات الشرق بالغرب، والالتزام بما هو عالمي وإنساني لتبادل المنافع والحفاظ على المصالح الحيوية للأطراف الداخلة في العملية، اخذين بعين الاعتبار موازين القوى المختلة، وتأثيرها المباشر في آليات وأهداف المثاقفة والجدير بالذكر أن الصراعات لم توقف المثاقفة قديما وحديثا ، بل دعت إليها لفهم الآخر واحتواء قوته واتقاء شره ونيل خيره إن أمكن.
فرغم الممانعة والصراع الدائر إلا ان المثقافة تضمنت تمثّل واقتباس واستعارة الأنظمة والمنتوجات والمفردات اللغوية والثقافية، وبقي السلفيون الرافضون دعاة أصالة وهوية تحتاج لمثاقفة لإغناء ذاتها كميا ونوعيا من الآخر.
وعليه فقد أصبحت الحداثة الغربية التي تسربت إلى الشرق معيارا مزدوجا للحداثة والشيطان حسب المتضرر أو المستفيد منها، فخضعت لمعايير قبلية فوّتت فرصة التفاعل والتلاقح بين الطرفين، أما على مستوى أوروبا، فقد بدأت وكأنها فوق التاريخ مقابل الشرق الخارج من التاريخ، وأصبح تطورها قدرها وقدر من اتبع (الغربنة)، لا يمكن كسره أو الالتفاف عليه أو تجاوزه باتباع طريق ثالث، وكيف ذلك وهي نهاية التاريخ الذي تتواطأ فيه على ذاتها فتهرب من التموضع والتحديد كثقافة تاريخية نشأت، وتبلورت في سياق أقدم منها، وازدهرت في اللحظة التي انطفأت فيها حضارة أخرى ااستنفدت قدرتها على التطور والاستمرار، ولكنها صمدت في الدفاع عن هويتها الأولية، وما تزال تذّكر أوروبا بأصولها الشرقية؛ نتاج الصراع والمثاقفة، ومحصلة التحديات والاستجابات التي فرضتها عليها الضرورة التاريخية وإرادتها الفاعلة، رغم المعرفة الزائفة التي أنتجها دعاة العنصرية والعرقية ومقولاتهم لتسويغ الغطرسة والاستعمار ونهب ثروات الشعوب من قبيل نظرية المجال الحيوي، والبقاء للأقوى، ورسالة الإعمار، وعبء الرجل الأبيض، وتمدين الشعوب المتأخرة، وتحويل العلوم الإنسانية وخاصة الانثوبولوجيا إلى أداة في خدمة الاستعمار لاحتواء الآخر والسيطرة عليه.
وفي مقابل ذلك وجد الشرق -العاجز تاريخيا عن رد الموجة الغربية- نفسه، أسير الماضي لاستدعاء التاريخ والاستعانة بالتراث لملء الفراغ الحضاري وسد النقص الحاصل من توقف المثاقفة وانحرافها لتبرير الممانعة ورفض المنتوج الغربي رفضا مطلقا من مواقع عنصرية ومركزية لا تقل خطورة وتهافتا عن المركزية الحضارية الغربية، فأوجد بالتأويل والتسويغ معادلا موضوعيا في التراث يطابق ذاتنا وحاجتنا في جوهرنا التاريخي الثابت الزائف أصلا بدلا من الإصغاء لإيقاع التغيير ولتاريخيتنا الراهنة، فروّج للشورى وحقوق المرأة المسلمة، كما وردت في سلطة النص بدلا من استعادة العقل والتنوير فيها، وإعادة إنتاجه وتأهيله ليطابق حاجاتنا وحاجات العصر والحضارة العالمية.
وكان لهذه الممانعة أسوأ العواقب على الطرفين، فشككت بجدوى المثاقفة وأحلت المواجهة والأوهام مكان المعرفة التجريبية والمهام الإنسانية المشتركة. وحاصرت النخب الليبرالية الداعية للعالمية وحوار الحضارات، واستفزت الجماهير الشعبية ضدها وضد كل ما هو خارجي، واعتبرته زائفا ونافلا مناقضا للذات الأصيلة المكتفية بذاتها.
وكحل وسط حاولت التوفيقية كسر هذا الحاجز من خلال التركيز على الجوهر المادي للمثاقفة وتكييف البنى الفوقية والمفاهيم السياسية والفكرية والممارسات الاجتماعية التقدمية الغربية مع البنى التقليدية لمهادنتها واتقاء شرها، ففرغت الدلالة الثورية لمفاهيم العقل والعلم والحرية والديمقراطية، وحولتها إلى قوالب عقائدية وممارسات شكلية، فصارت الديمقراطية لا هي شورية كما يطالب السلفيون، ولا هي حرية كما يطالب التنويريون، فزادت البنى التقليدية تحجرا وانكفأت على ذاتها لتعيش في زمنها التاريخي الذي ولى مقابل الحداثة الاختيارية التي فقدت حضورها وأهميتها الإجرائية والأخلاقية رغم ضرورتها في التحديث السياسي وبناء المجتمع المدني المعاصر، وأفسحت المجال لمثاقفة صراعية(اختراق الثقافي) للتأثير وتغذية عقد النقص والكراهية، وللتغلب على ذلك عادت التوفيقية لإنقاذ المثاقفة بطريقتها الخاصة، وبتصويرها إشكالية لغوية إجرائية يمكن تحقيقها بتعريب وترجمة المنتوج العلمي إلى اللغة العربية، ولكن ما تم لا يرقى لمستوى الطموح الفعلي، وتم إنجازه بطريقة فردية انتقائية تفتقر للمأسسة والتأريخية؛ أي النظر للفكر الغربي في تسلسله التاريخي، وغالبا ما تمت الترجمات عن الإنجليزية والفرنسية بغض النظر عن لغاتها الأصلية.
وقلة هم الذين تمثّلوا أهمية الترجمة لربطها بالمشروع الحضاري، أو استكمال رؤية احمد لطفي السيد الذي اعتبر الترجمة خطوة أولى في المثاقفة على طريق بناء النهضة والاستقلال الفكري قياسا على الجهد العظيم الذي كانت فيه الترجمة شرطا لتبلور ونهوض الحضارة العربية الإسلامية في العصر العباسي، والمطلوب الآن استعادة المثاقفة لأهميتها ودورها والاستفادة من إنجازها في عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر عندما كانت واعية لذاتها من خلال الإرساليات الأجنبية والبعثات التعليمية والصحافة التي نقلت الجديد عن الغرب، وغذّت الصراع بين الليبراليين والسلفيين لتحديث المجتمع العربي.
فما أشبه اليوم بالأمس بمقولات وآمال لم تفقد مشروعية وجودها أو استمرارها ومنها المثاقفة والحوار لإعادة تأسيس العلاقات الحضارية على التفاهم والتفاعل لبناء حضارة كونية واحدة قائمة على العلم والعقلانية، وتعميم ما هو عالمي وإنساني ومستنير في تراث الشعوب والحضارات بعيدا عن عولمة الأيديولوجيات، أو تأبيد هيمنة الحضارة الراهنة.
المثاقفة بدلا من الصراع.... نحو حضارة كونية قائمة على العلم والعقلانية
12:00 8-10-2004
آخر تعديل :
الجمعة