في عام 1936 كتب الفيلسوف الألماني رودولف روكر يقول: «الخنوع الطوعي لا يمكن فرضه، ولا يولد قط إلا من رحم الاعتقاد بألوهية الحكم. لذا تمثلت غاية غايات السياسات قاطبة حتى لحظتنا الراهنة في بعث هذا المعتقد من مرقده في أفئدة الناس وجعله ايماناً راسخاً يستمر في العقول».
وضرب روكر مثلاً على ما يقول فاقتبس ترجمة رائعة كانت نشرتها صحيفة «تاجليتش روندسخاو» في ألمانيا: «ادولف هتلر أنت قائدنا العظيم، يرتعد أعداؤك بمجرد ذكر اسمك، وها قد أتانا رايخك الثالث، قانونك هو الناموس الأوحد فوق الأرض، جُد علينا بسماع صوتك كل يوم، لك أسلسنا القيادة فَخُذْ بالزمام وامض بنا قائداً عبر قادتك». ومع ان هذا بالتأكيد مثال مغالى فيه الى الحد الأقصى فإن أبالسة الدعاية يسعون بجد ومثابرة لتصوير القادة على انهم بلغوا الغاية في الحكمة، بل ربما كانوا عن الخطأ معصومين، بل لربما صاروا آلهة. ويظل الهدف دائماً هو دعوة «امرئ من عامة الناس» وحثّه على القول بلهجة خطابية: «ومن عساي أكون أنا حتى أمدّ بصري وأتطاول فأرنو الى المقامات السامية فأسائلها؟».
وان شئتم فاسمعوا لاتش آر. هالدمان، رئيس أركان ريتشارد نيكسون وقد سجل صوته على شريط في البيت الأبيض يوم 14 حزيران من عام 1971 وهو يعلق على تسريب وثائق سرية للغاية تخص وزارة الدفاع وتتعلق بخطط الحرب في جنوب شرقي آسيا وتعرف باسم «أوراق البنتاجون». لاحظ هالدمان ان ثمة رسالة كارثية انبعثت مدوية بكل جلاء من ثنايا هذه الأوراق، وفحواها: «انك لا تستطيع ان تثق بالحكومة، ولا يمكنك ان تصدق ما يقولونه ولا يسعك التعويل على حصافة رأيهم أو نفاذ بصيرتهم». وبذا، فإن تنزه الرؤساء على ارتكاب الأخطاء، تلك الخصلة التي ظلت تعتبر من الشيم المسلم بها في أمريكا لحق بها ضرر فادح جراء هذا.
ان من أخطر أدوار الإعلام الجماهيري الترويج لهذه «العصمة عن الخطأ». وهكذا نرى انه قبيل غزو العراق العام الماضي جرى محو قسط هائل مما تناقض مع مزاعم الحكومة وشطبه من التاريخ: لقد كانت بريطانيا والولايات المتحدة مخلصتين في إرادة تحرير الشعب العراقي. وأما تلك العقود المتطاولة من الزمن التي أغدقتا فيها الدعم لنظام صدام حسين «رجلنا في بغداد'، ولغيره مما لا حصر له من الأنظمة المتسلطة في جميع أرجاء العالم، فقد ضربوا عنها صفحاً وكأنها أمر ثانوي لا وزن له، وانبرت أبواق أعلامهم: العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وهذه تمثل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة التي لديها أكثر من 6144 رأساً نووياً حربياً. وكان الأمن وحقوق الانسان في الحقيقة المحرك الدافع لتلك الهجمة على العراق، رغم ان نفس الشركاء في الجريمة كانوا قد نظموا انقلاباً عسكرياً في إيران في العام 1953 لأنهم «لم يكونوا يعتبرون ان بالإمكان إبرام صفقة بشروط مقبولة مع الحكومة الإيرانية بشأن النفط على الإطلاق».
ودفنت بواعث القلق بشأن عدم شرعية غزو عام 2003 تحت موجة عالية من الدعوات التي ستجيش المشاعر الوطنية «لمساندة قواتنا». وعندما بدأت القنابل تدوي توقف الانتقاد.
وخلال شهر ايلول أمدّ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الإعلام باختبار آخر وضع فيه دورها الإعلامي على المحك. وبخّ عنان تلك البلدان التي «تتجاهل بلا حياء، وتحط من شأن القانون الدولي'، وكان يعرّض بذلك بالولايات المتحدة صراحة وبلهجة تأديبية حين قال: «لقد رأينا السجناء العراقيين يمتهنون بصورة مذلة». وعندما سئل عما إذا كان الغزو غير شرعي أجاب عنان: «نعم، ان شئتم، لم يكن شرعياً».
فكيف نتوقع ان تتجاوب آلة الإعلام البريطانية مع هذا الشجب الصارخ في إدانته في أعلى المستويات؟ فهل حاصر الصحافيون بلير باعتباره مجرم حرب ومحلّ إدانة، ورجلاً تصرف منتهكاً القانون الدولي بقتله عشرات الآلاف من الناس؟ لم يسلك الإعلام هذا المسلك، بل لم تطالب صحيفة «الاندبندنت» بلير بتقديم استقالته وان يواجه محكمة لجرائم الحرب وارتأت عوضاً عن ذلك ان عليه التأسف والاعتذار عما صنع! فقالت: «يجب على بلير ان يعتذر. وتلك هي الطريقة الوحيدة التي من شأنها إقناع الرأي العام بأن الدروس قد استوعبت وان أخطاء مماثلة لن تتكرر. وهذه هي الخطوة الأولى والشرط الأساسي للمضي قدماً».
تخيّل لو ان هذا الاقتراح ذاته قدّم لصدام حسين عندما غزت قواته الكويت!
وعزفت «الجارديان» هي الأخرى على الاسطوانة ذاتها إذ انبهر محرروها بخطاب بلير هذا الأسبوع أمام مؤتمر حزب العمال فقالت الصحيفة: «كان اعتذار رئيس الوزراء الذي طال انتظاره بشأن العراق وبالشكل الذي صيغ به معلماً بارزاً لقي قبولاً حسناً في خضم العملية الهشة لرد الاعتبار إليه في أوساط منتقديه».
هناك مئات الآلاف من منتقدي بلير في العراق، فتلك العائلات المفجوعة بأبنائها ممن قتل والتي رزئت بمن لحقت به اصابات شنيعة أو تشوهات مريعة ربما رأت في إيماءة بلير ما هو أقل من «معلم بارز».
ووصف جون سنو، مذيع الأخبار في القناة الرابعة، خطاب بلير بعبارات متوقدة: «كان حديثاً جميلاً آخر من بلير، لا شك في ذلك. لقد صيغ ببلاغة وجرى إلقاؤه بأسلوب حسن وبطريقة لا يتقنها إلا هو».
تخيّل ان يطلق سنو مثل هذه الأوصاف على سلوفودان ميلوسوفيتش أو روبرت موجابي!
فبعد أيام من عبارة كوفي عنان المفعمة بالإدانة، سأل مذيع برنامج «مرساة أخبار الليلة» في ال«بي.بي.سي» كيرستي وارك ضيفاً بريطانياً: «هل يمكننا الخروج من العراق لنخلف وراءنا ديمقراطية؟».
يشير الصحافيون وبصورة انعكاسية غريزية الى أنفسهم والى حكومتهم بلفظ «نحن'، لذا كان وارك يربط نفسه هنا بقوة احتلال غير شرعي. ومن الناحية النظرية على الأقل يفترض من الإعلام ان يكون مستقلاً عن حكومته. ووجهة النظر المطلوبة من أجل الاستهلاك المحلي من قبل العامة عبّر عنها الإعلامي الأمريكي المخضرم والتر كرونكيت حين قال: «أعتقد ان رجال الإعلام والأخبار منحازون الى جانب الانسانية أكثر من ميلهم للانحياز الى السلطة أو الى المؤسسات».
إلا ان الحقيقة الواقعية بيّنها المراسل الحربي الأمريكي دان راذر بقوله: «انني أمريكي، وأنا مراسل أمريكي. نعم عندما يكون هناك قتال يشارك فيه أمريكيون، يمكنك ان تنتقدني، إنْ توجب عليك ذلك. ونعم أيضاً يمكنك ان تلعنني ان كان ينبغي ذلك لكنني لن أكفّ عن ان اصطف الى جانب قواتنا حتى ننتصر».
ثم لاحظ ان سؤال وارك كان هو: «ايمكننا ان نترك مكاننا لتحل محلنا الديمقراطية؟» ولم يكن سؤاله: «هل هناك أي سبب يدعو للاعتقاد اننا فكرنا ولو لمرة واحدة بإقامة ديمقراطية حقيقية تتمتع من القوة بما يكفي للإفلات من هيمنتنا؟».
وبرز إصرار الإعلام الوقح على صرف الانتباه عن جرائم الحكومة والتغاضي عن موبقاتها من خلال ردة فعل محرر الشؤون السياسية في هيئة ال'بي.بي.سي» اندرو مار واستجابته لحدث اختطاف المهندس البريطاني كينيث بيجلي من قبل الارهابيين في بغداد. فعلّق مار على المخاطرة السياسية التي يعرض بلير نفسه لها: «أعتقد ان الأمر سيكون أخطر بكثير بالنسبة لوضع رئيس الوزراء فيما لو ان أعداداً كبيرة من الناس في هذا البلد انحوا باللائمة بخصوص ما يحدث وبصورة غير مباشرة على الحرب التي ساعد على شنها قبل عام على العراق. لقد كان من المهم جداً جداً ان ذلك لم يحدث حتى الآن فيما يتعلق بعائلة بيجلي في بريطانيا».
لاحظ ان مار حرص على ان يشير الى عائلة بيجلي «في بريطانيا'، وأما شقيق بيجلي، بول بيجلي الذي يعيش في هولندا فقد قال: «كم أحسّ بمرارة تجاه بلير، لقد كانت الحرب برمتها زيفاً. كانت أسلحة الدمار الشامل مجرد زيف وخداع. كان الأمر أسوأ من مشاهدة اوبرا أمريكية دعائية رخيصة تستدر الشفقة وتتلاعب بالعواطف».
وقال أيضاً: «نفدت صلاحية بلير وعليه ان يغادر في أقرب وقت ممكن. انه كاذب أملس اللسان يزيّن الكلام ليمرر كذبه، ولم تكن الحرب سوى عملية احتيال كبرى وخداع».
موقع كاونتريش
حين لا يكفي الاعتذار - ديفدادواردز
12:00 7-10-2004
آخر تعديل :
الخميس