أبواب-سامح المحاريق
الطابع الشفهي لتناقل احداث التاريخ الاسلامي ، كان عاملا مهما في وجود الكثير من الاضطراب لدى كتاب السيرة الاوائل ولعل جانبا كبيرا من متاعب المؤرخين المسلمين مثل: ابن الطبري وابن الاثير كان متعلقا اساسا بتنقيح الروايات المتعددة المنقولة والتي تعبر عن نمط غير علمي وربما غير مسؤول في الكتابة.
الكثير من التيارات التي أساءت فهم الاسلام ؛اعتمدت على كتابات مبكرة مثل سيرة ابن اسحق على ما فيها من أمور تتناقض أصلا مع طبيعة الدين الاسلامي وسياقاته المختلفة كما كان الهوى السياسي والأحقاد القبلية عاملا مساعدا لتغذية كتابة التاريخ بكثير من المغالطات التي كانت قائمة على التقصد أو النوايا الحسنة إلا أنها في النهاية أعطت صورة مفارقة للواقع إن لم تكن مشوهة عن التاريخ الاسلامي.
كان من الضروري أن تعاد صياغة كتابة التاريخ الاسلامي ،بناء على منهج يتصف بالتدقيق والحذر الشديد في التعاطي مع المرويات التاريخية. وأيضا إعمال العقل في المقارنة والمفاضلة بين المراجع المتعددة تاتي بحوزة الكاتب المعاصر. علما بأنه كان عليه في كثير من الاوقات أن يستند على أرضية من الرمال المتحركة خاصة بعد فترة انقطاع وتشويش اعترت الفكر الاسلامي في العصر العثماني.
أحمد أمين من المفكرين المسلمين الذين اضطلعوا بكتابة السيرة والتاريخ الاسلامي من جديد وكان عليه أن يتعامل مع المشكلات المتوارثة عبر القرون من التأريخ المضطرب وغير المنضبط وكذلك مواجهة الكتب الاستشراقية التي تصدت لكتابة التاريخ الاسلامي وكانت تبدي عدائية كامنة سواء واضحة أو مستترة تجاه المسلمين وتاريخهم.
أتت أهمية كتب احمد أمين عن التاريخ الاسلامي والتي بدأها مع فجر الاسلام ثم ضحى الاسلام وظهر الاسلام لتكون تتبعا متدفقا بلغة ورؤية معاصرة لاحداث جوهرية جرت في التاريخ الاسلامي وعرضها أمين على تصور عقلاني ينم عن فهم عميق للانسان في ظاهرتيه اانفسية والمجتعمية وفهم متقدم لطبيعة حركة التاريخ وضرورة مرور الافكار وما ينبني عليها من مواقف سياسية بمراحل تبدأ من الصعود بكل زخمه وصولا الى الاستقرار الذي ينتج المشاركة الحضارية ولغاية التراجع في حالة عدم الدخول في دورة تالية من التجديد والتحديث والعصرنة للمفاهيم لتكون أكثر مواءمة للواقع وتحدياته المختلفة من زمن إلى آخر.
يعد الكتاب واحدا من الاسهامات التي أدت إلى ظهور رؤية جديدة ومعاصرة للبحث في التاريخ الاسلامي وتقييم مواقفه وأحداثه بناء على سياقها التاريخي واستنباط ما يتوجب من تطوير وتحديث بناء على حركة الزمن وتطوره وهذه المدرسة الحديثة ما زالت تعاني من رفض يصل إلى التعسف من قبل التيارات المحافظة على اختلاف وجهاتها وأسبابها.
بورترية أحمد أمين
ولد في القاهرة سنة ١٨٨٦ وتلقى تعليمه الأساسي في أحد الكتاتيب قبل أن ينتقل منه إلى الدراسة الأزهرية ومن ثم إلى معهد القضاء الشرعي ولكنه لم يعمل في القضاء إلا فترة وجيزة ليعود إلى المعهد مدرسا وينشغل بالتأليف والكتابة في موضوعات تختص بالتراث والتاريخ وكذلك الواقع الفكري والثقافي. دعاه صديقه الدكتور طه حسين للالتحاق بكادر التدريس في جامعة القاهرة وواصل الترقي فيها حتى أصبح عميدا لها سنة ١٩٣٩.
كان له دور في نشر الثقافة الجماهيرية والعمل على رسم سياسات النشر والترجمة في عصره كما أنه كان فاعلا في كثير من المعارك الفكرية التي خاضها تيار التنوير دون أن يكون طرفا اساسيا فيها. من أهم أعماله كتاب فيض الخاطر وحياتي.
مقتطفات من الكتاب
ﻟﻌﻞ اﻟﻌﺮاق ﻛﺎن أكثر اﻷﻗﺎﻟﻴﻢ اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻣﻴﺪاﻧًﺎ ﻟﻠﺤﺮوب واﻟﻔﺘﻦ ﰲ ﻋﻬﺪ اﻟﺪوﻟﺔ
اﻷموية، ﻓﻤﻨﺬ مقتل ﻋﺜﻤﺎن وﻫﻮ ﻣﺸﺘﻌﻞ؛ ذﻫﺒﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ وطﻠﺤﺔ واﻟزبير إلى البصرة
ﻓﺬﻫﺐ علي إلى اﻟﻜوﻓﺔ، وﻛﺎﻧﺖ بين البصرة واﻟﻜﻮﻓﺔ وﻗﻌﺔ اﻟﺠﻤﻞ؛ وذﻫﺐ الحسين إلى
اﻟﻜﻮﻓﺔ ﻓﻜﺎن ﺑﻬﺎ ﻣﻘﺘﻠﻪ؛ وﺧﺮج المختار اﻟﺜﻘﻔﻲ ﺑﺎﻟﻜﻮﻓﺔ ﻳﻄﻠﺐ ﺑﺜﺄر الحسين ، واستولى
ً ﻣﺼﻌﺐ ﺑﻦ الزبير على البصرة وﺳﺎر إلى اﻟﻜﻮﻓﺔ ﻓﻘﺘﻞ المختار؛ وﺟﻬﺰ عبد الملك ﺟﻴﺸﺎ
ّ وسير إلى اﻟﻌﺮاق ﻣﺼﻌﺒًﺎ؛ وﺗﻐﻠﺐ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ اﻷﺷﻌﺚ على اﻟﻜﻮﻓﺔ ﻓﺴﺎر إﻟﻴﻪ
اﻟﺤﺠﺎج وﺗﻐﻠﺐ ﻋﻠﻴﻪ، ﻛﺎن ﻣﻦ أﺛﺮ ذﻟﻚ طبيعيا أن ﻳﺘﺴﺎءَل اﻟﻨﺎس: من المخطئ ومن المصيب ؟ ﻫﻞ أﺧﻄﺄ ﻗﺘَﻠﺔُ ﻋﺜﻤﺎن أو أﺻﺎﺑﻮا؟ ﻫﻞ لعلي يد ﰲ دم ﻋﺜﻤﺎن؟ ﻫﻞ ﻟﻄﻠﺤﺔ والزبير وﻋﺎﺋﺸﺔ ﺣﻖ ﰲ ﻗﺘﺎل علي. ﻫﻞ أﺻﺎب علي في اﻟﺘﺤﻜﻴﻢ؟ ﻫﻞ ﻳﺼﺢ الخروج على عبد الملك لظلم واليه الحجاج وﺳﻔﻜﻪ ﻟﻠﺪﻣﺎء؟ وﻫﻞ أﺻﺎب ﻣﻦ ﻓﻌﻞ ذﻟﻚ وﺧﺮج ﻣﻊ
اﺑﻦ اﻷﺷﻌﺚ؟ ﻛﻞ ﻫﺬه أﺳﺌﻠﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﺗُﺜﺎر، وﻛﺎﻧﺖ ﺗُﺜﺎر ﺑﻜﺜﺮة ﺣﺘﻰ في ﰲ دروس اﻷﺳﺎﺗﺬة في المساجد، وإذ ﻛﺎن اﻟﻌﺮاق ميدانا ﻷﻛﺜﺮ ﻫﺬه اﻟﺤﺮوب ﻛﺎن أﻫﻠﻪ أﻛﺜﺮ اﻟﻨﺎس ﺟﺪاﻻ ﰲ في ﻫﺬا، ﻓﻜﺎن طبيعيا أن ﻳﻜﻮن ﻣﻨﺒﻌﺎ للكثير من المذاهب اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ؛ ﻷن كثيرا منهاى بني على نحو هذا الأساس
ﻛﻤﺎ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﺑﻴﺎﻧﻪ، ﺟﺎء ﰲ ﻃﺒﻘﺎت اﺑﻦ ﺳﻌﺪ: أن اﻟﺤﺴﻦ البصري
ﻛﺎن ﻣﻦ رؤوس اﻟﻌﻠﻤﺎء في اﻟﻔﺘﻦ واﻟﺪﻣﺎء، ودﺧﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﻮم ﻓﻘﺎﻟﻮا ﻟﻪ: ﻳﺎ أﺑﺎ ﺳﻌﻴﺪ، ﻣﺎ
ﺗﻘﻮل في ﻫﺬا اﻟﻄﺎﻏﻴﺔ (ﻳﻌﻨﻲ اﻟﺤﺠﺎج) اﻟﺬي ﺳﻔﻚ اﻟﺪم اﻟﺤﺮام، وأﺧﺬ المال اﻟﺤﺮام،
وﺗﺮك اﻟﺼﻼة، وﻓﻌﻞ وﻓﻌﻞ؟ … إﻟﺦ، وﻗﺎل: «ﺳﺄل رﺟﻞ اﻟﺤﺴﻦ: ﻣﺎ ﺗﻘﻮل في اﻟﻔﺘﻦ؟
ﻣﺜﻞ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ المهلب واﺑﻦ اﻷﺷﻌﺚ؟ ﻓﻘﺎل: ﻻ ﺗﻜﻦ ﻣﻊ ﻫﺆﻻء وﻻ ﻣﻊ ﻫﺆﻻء، ﻓﻘﺎل رﺟﻞ
ﻣﻦ أﻫﻞ اﻟﺸﺎم: وﻻ ﻣﻊ أمير المؤمنين ﻳﺎ أﺑﺎ ﺳﻌﻴﺪ؟ ﻓﻐﻀﺐ، ﺛﻢ ﻗﺎل ﺑﻴﺪه ﻓﺨﻄﺮ ﺑﻬﺎ، ﺛﻢ ﻗﺎل: وﻻ ﻣﻊ أمير المؤمنين ﻳﺎ أﺑﺎ ﺳﻌﻴﺪ؟ ﻧﻌﻢ وﻻ ﻣﻊ أمير المؤمنين» إلى كثير من أمثال ذلك.
اشتهر من الصحابة سبعة عُدّوا الطبقة الأولى في العلم : هم عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة رضي الله عنهم جميعا .
فرقة المُرجِئة : مأخوذة من كلمة أرجأ بمعنى أمهل وأخّر ، سموا بالمرجئة لأنهم يُرجئون أمر المختلفين الذين سفكوا الدماء يوم مقتل عثمان (( الخلاف بين علي ومعاوية )) ،، فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا هؤلاء ، وبعضهم يشتقُّ اسمهم من أرجأ بمعنى : بعث الرجاء ؛ لأنهم كانوا يقولون : لا تضرُّ مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وفي الحق أن العربي ذكي ، يظهر ذكاؤه في لغته ، فكثيرا ما يعتمد على اللمحة الدالة والإشارة البعيدة ، كما يظهر في حضور بديهته ، فما هو إلا أن يفجأ بالأمر فيفجؤك بحسن الجواب . ولكن ليس ذكاؤه من النوع الخالق المبتكر ، فهو يقلب المعنى الواحد على أشكال متعددة ، فيبهرك تفنّنه في القول أكثر مما يبهرك ابتكاره للمعنى ، وإن شئت فقل : إن لسانه أمهر من عقله !
فالعلم ملك شائع، ومرفق مباح يغترف منه الناس جميعا، وليس له حدود فاصلة
كالتي ترسمها السياسة الدولية، وإنما الذي يقدح في الأمة حقا أن تغمض عيونها،
وتسد آذانها عما حولها من نظريات وأفكار، أو أن يدفعها التعصب الأعمى أن تنسب
لنفسها ما ليس لها، وتعزو إليها خلق ما لم تخلق، وابتداع ما لم تبتدع.
* يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .